سباق عالمي على اللقاحات و«أكسفورد» الأكثر شفافية

تشتد المنافسة بين مؤسسات بحثية وشركات أدوية لتطوير لقاح فاعل للتصدي لفيروس كورونا المستجد، وقد كثرت الأخبار الواردة من قبل مؤسسات صحية عالمية عدة في الآونة الأخيرة بشأن الاقتراب من هدف تصنيع لقاح فاعل وآمن يحدّ من الخسائر التي تسبّب بها انتشار الفيروس عالمياً.

على الرغم من كل التطورات المبشرة بشأن السباق العالمي لإنتاج اللقاح المأمول لفيروس كورونا المستجد «كوفيد-19»، فإن منظمة الصحة العالمية لا تزال تحذّر من التفاؤل المفرط بشأن إنتاج لقاح واعد في الوقت الحالي، نظراً إلى التحديات المختلفة التي قد تواجه إجراء التجارب السريرية للقاح على البشر، وعمليات الإنتاج والتصنيع.

وأثبت لقاح جامعة «أكسفورد» البريطانية الذي تعاونت فيه مع شركة «أسترازينيكا» للأدوية، نفسه كأحد اللقاحات الواعدة ضمن رحلة السباق التنافسي بين تسعة لقاحات عالمية دخلت جميعها المرحلة الثالثة من التجارب السريرية، وبينما يسابق الباحثون الزمن لإنتاج اللقاح المنتظر لإنهاء جائحة كورونا، ويترقب العالم الأخبار الجديدة بشأن مجموعة من اللقاحات التي لا يزال معظمها قيد التجارب، أثار لقاح «أكسفورد» آمالاً واسعة في المرحلة المبكرة من تجربته على البشر عبر نتائج الأمان والاستجابة المناعية التي أظهرها، إضافة إلى تصنيف منظمة الصحة العالمية له كالأفضل من بين لقاحات عدة أخرى قيد التطوير.

وبعد مضيّ فترة زمنية من التجارب السريرية التجريبية للقاح «أكسفورد»، توقفت التجارب بشكل مؤقت من جراء إصابة أحد المتطوعين في بريطانيا بوعكة صحية وأعراض عصبية متعلقة بخلل نادر في العمود الفقري لدى المتطوع؛ يعرف بـ «التهاب النخاع الشوكي المستعرض»؛ الأمر الذي تسبّب في حدوث خيبة أمل كبيرة وانتشار حالة من الشك حول مدى فاعلية اللقاح، وإمكانية طرحه مبكراً في الأسواق، وخاصة بعد تعليق التجارب السريرية للقاح في جميع الدول، بهدف مراجعة الجهات التنظيمية العالمية واللجان المستقلّة، لبيانات ومعايير السلامة الخاصة باللقاح.

وبالرغم من الانتكاسة المؤقتة التي تعرض لها لقاح «أكسفورد»، فإن هذه المواقف شائعة الحدوث في مجال التجارب الطبية وتصنيع اللقاحات، فكما قالت سميّة سواميناثان، الباحثة والخبيرة في منظمة الصحة العالمية في تصريح لها، فإن «هذه دعوة للاستيقاظ لإدراك أن هناك تقلبات في الاختبارات السريرية، وأنه يجب أن نكون مستعدين، ويجب ألا تثبط عزيمتنا لأن هذه الأشياء تحدث».

لكن استئناف جامعة «أكسفورد» التجارب السريرية للّقاح بعد أن تبين عدم وجود علاقة بينه وبين المرض الذي أصاب المتطوع، يحمل دلالات عدة؛ أهمها أن الجامعة أثبتت أنها تعمل بشفافية ومصداقية من حيث الالتزام بالإجراءات العلمية والصحية اللازمة لإنتاج اللقاح، على خلاف لقاحات أخرى تشارك في السباق التنافسي، بعضها دمج ما بين مرحلتين من التجارب السريرية، كما فعلت شركتا «بيونتيك» الألمانية، و«فايزر» الأمريكية، وبعضها الآخر تجاوز مرحلة من مراحل التجارب السريرية الأساسية، مثلما حدث في روسيا، التي أعلنت وزارة الصحة فيها بدء توزيع أول دفعة من اللقاح «سبوتنيك 5»؛ الأمر الذي عرّضها لانتقادات واسعة على المستوى العالمي.

إن أهمية عدم تجاوز أي مرحلة من المراحل الثلاث للتجارب السريرية قبل إطلاق أي لقاح للتداول العام، تأتي من منطلقات عدة، فالهدف من المرحلة الأولى هو التركيز على السلامة والأمان، أما المرحلة الثانية فإنها تعمل على قياس الاستجابة المناعية للقاح، فيما تهتم المرحلة الثالثة بتجربته على أكبر عدد من المتطوعين؛ ما يتيح فرصة مراجعة المرحلتين الأولى والثانية، ودراسة الحماية التي يمنحها اللقاح للمتطوعين لاحقاً، انطلاقاً من أولوية رئيسية تكمن في أن يكون اللقاح فاعلاً وآمناً، متضمناً معايير السلامة قبل أن يتم تعميم استخدامه؛ فالأمر ليس سباقاً فيه فائزون وخاسرون، إنما يتعلق بجعل العلم وسيلة حقيقية لحماية صحة البشر وأرواحهم.

Share