ساركوزي وسورية… تاريخ متقلب وخبرات تستحق المراجعة

د. بشارة نصار شربل: ساركوزي وسورية... تاريخ متقلب وخبرات تستحق المراجعة

  • 20 يناير 2008

ليس مستغرباً أن يتوصل الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي إلى قناعة تدفعه إلى القول: "أوقفنا كل الاتصالات مع سورية بانتظار أن تثبت حسن نيتها"، بل ربما كان مثيراً للإعجاب لو كانت الدبلوماسية الفرنسية قد تمكنت من إقناع دمشق بضرورة تسهيل انتخاب رئيس للبنان وتنفيذ تعهد في هذا الشأن.

لا يستطيع أحد اتهام الفرنسيين بجهل الوضع في لبنان وسورية ومنطقة الشرق الأوسط عموماً، فهؤلاء أقرب الشعوب الغربية إلى فهم اجتماعي وسياسي وتاريخي لهذه المنطقة ولدولها. ليس فقط لأن دولتي سورية ولبنان المستقلتين ولدتا قبيل منتصف القرن الماضي على يدي فرنسا بصفتها الدولة المنتدبة بين الحربين العالميتين، بل لأن العقل الفرنسي المتوسطي وتاريخ علاقة باريس بالعرب استعماراً وانتداباً أو تعاوناً وتبادلاً بين دول مستقلة على مدى أكثر من نصف قرن، يؤهلان هذه العاصمة لدور يتجاوز مفهوم المصالح الذي تبني عليه الولايات المتحدة سياستها، ويمكنانها من عقلنة الاندفاع والتدخل بما يفيد دول المنطقة ويراعي حساسياتها.

يمكن القول إن فرنسا ساركوزي حاولت عبر الدبلوماسية المباشرة والهجومية تسجيل اختراق في موضوع إنهاء أزمة انتخاب رئيس للبنان لكنها منيت بنكسة بسبب ثلاثة أوهام، أولها الاعتقاد بأن الأطراف اللبنانيين، خصوصاً حلفاء دمشق، يملكون هامشاً "لبنانياً" يحركهم باتجاه الحل بالتوازي مع الضغط على دمشق. وثانيها؛ أنها اعتقدت بإمكان فصل دمشق عن طهران عبر الإقرار بمصالح الأولى ونفوذها في لبنان، من خلال انتخاب رئيس توافقي. أما الثالث فاعتقاد ساركوزي ووزير خارجيته برنارد كوشنير الخفيف الظل والأداء على السواء، بأن الانفتاح على دمشق يغريها بفتح باب موارب لها على واشنطن كانت دائمة الطموح إلى ولوجه.

استناداً لتلك الأوهام طلب الفرنسيون في بداية عهد الرئيس الجديد من الإدارة الأمريكية إفساح المجال لهم لتجريب حظهم بالعودة إلى لعب دور فاعل وقطف ثمار نجاح لا يستطيع بوش تحقيقه.

ومن سان كلو في ضواحي باريس بدأ الجهد الفرنسي العلني حين جمع الفرنسيون القيادات اللبنانية المختلفة للتحاور على مدى يومين. وأسفر المؤتمر عن نجاح إعلامي فرنسي، لكنه أسفر أيضاً عن اختراق قام به "حزب الله"؛ إذ حضر إلى فرنسا مكرماً مبجلاً نازعاً عنه وصف "الإرهاب" الذي ألصقه الأمريكيون به على الدوام.

منذ ذاك التاريخ وحتى بدء المهلة الدستورية لانتخاب رئيس للبنان في أواخر سبتمبر/أيلول الماضي تكررت اللقاءات الفرنسية- السورية، التي قادها في البداية جان كلود كوسران مبعوث الرئيس ساركوزي، ثم تولاها كوشنير نفسه. ومع انتهاء المهلة الدستورية وسقوط لبنان في الفراغ الرئاسي ابتداء من 24 نوفمبر/تشرين الثاني كان للأمين العام للرئاسة الفرنسية كلود غيان جولات متعاقبة مع وزير الخارجية السوري وليد المعلم.

وبين جولة مفاوضات مع دمشق وجولة لاحقة، كانت تسقط مواعيد انتخاب رئيس الجمهورية وتتأجل جلسات البرلمان واحدة تلو أخرى. وقبيل نهاية العام أمل اللبنانيون في أن تكون "عيدية" رأس السنة تركيب رأس للجمهورية. فتكثفت الاتصالات الفرنسية مع دمشق بالتوازي مع اتصالات أوروبية متنوعة مع طهران. وكررت لقاءات دولية رفيعة متعددة حرصها على وجوب انتخاب رئيس للبنان وتطبيق القرارات الدولية، وخصوصاً منها الاجتماع العربي-الغربي الذي عُقد على هامش مؤتمر الدول المانحة المنعقد في باريس في 17 ديسمبر/كانون الأول الماضي. ولم يتردد ساركوزي في الاتصال الهاتفي مراراً بنظيره السوري بشار الأسد الذي وعده بتسهيل خروج الرئيس من رحم الاستحقاق الصعب.

راهن الفرنسيون على الدبلوماسية المباشرة فحصدوا الوعود. وكان للتقويم المشترك بين الرئيس حسني مبارك وساركوزي للموقف السوري في لبنان نتيجته المباشرة؛ إذ حمّل الرئيسان بعد لقاء جمعهما في مصر دمشق المسؤولية عن استمرار الأزمة الرئاسية اللبنانية. ولم يكن أمام ساركوزي المصاب بإحراج شديد إلا أن يعلن على الملأ وقف الاتصالات مع سورية والتهديد بالمحكمة الدولية لمحاكمة قتلة الرئيس رفيق الحريري.

وفي ظل الوساطة العربية التي تلت اجتماع وزراء الخارجية العرب الأخير بدأ الفرنسيون يقومون بعملية إعادة تقويم لمساعيهم الفاشلة لحل الأزمة اللبنانية. ولا يغير شيئاً الرد السوري بواسطة الوزير المعلم بأن سورية أوقفت التعاون مع فرنسا، مرفقاً بتحليلات عن أن باريس تحتاج دمشق وليس العكس. ففرنسا التي تنتظر أن تسفر اتصالات عمرو موسى عن نتائج إيجابية تنكفئ مؤقتاً ولكنها لن تسلم بالهزيمة. وهي وإن لم تعاود الجهود أو تقد المساعي في المرحلة المقبلة فإنها ستقف حتماً وراء الموقف الأمريكي الذي حذر الفرنسيين من لا جدوى رهانهم على تغيير السلوك السوري تجاه لبنان ومن أوهام فصل دمشق عن طهران في مسألة تتلاقى مصالحهما عليها.

وتعاود فرنسا تقويم علاقاتها مع سورية انطلاقاً من خبرة ساركوزي القصيرة مع رئيسها، لكنها ستفتح حتماً أرشيف العلاقات المتوترة بين البلدين منذ ثمانينات القرن الماضي، والتي كان لبنان محورها وساحتها؛ ففي بيروت قتل السفير الفرنسي لوي دولامار عام 1981 على يد حلفاء سورية، وفيها تم تفجير مقر القوة الفرنسية في العام 1983 أثناء مشاركة فرنسا في القوة المتعددة الجنسية التي تلت الاجتياح الإسرائيلي للبنان في العام 1982 وراح ضحية العملية التي لم تعلن هوية المسؤول عنها 58 جندياً فرنسياً.

من تابع تلك الفترة يذكر غضب الرئيس فرنسوا ميتران وإرساله رئيس وزرائه بيار موروا إلى بيروت في أخطر الأيام عقب تفجير عسكريي "دراكار".  ومَن قرأ الكتابات عن يوميات ميتران يدرك كيف كان ذلك الرئيس الاشتراكي الأطلسي معادياً للنظام في سورية، ومستاء من تلك المساومات التي أُرغمت عليها فرنسا للإفراج عن مواطنيها المخطوفين في بيروت والذين كانوا يطلقون على يد الوزير الشرع في دمشق.

وتبقى تجربة الرئيس جاك شيراك هي الأقرب، وهي التي يمكن لخلفه أن يستنتج منها ما يثبت الأسلوب المبادر الذي اتبعه في الاتصال مع سورية أو التهديد السافر الذي انتهى إليه، وذلك رغم الفترة الزمنية القصيرة التي اختبر فيها ساركوزي السوريين والتي جعلته ينتقل في علاقته معهم خلال أيام من الصيف إلى الشتاء.

فشيراك صاغ علاقات جيدة مع سورية طوال عهده سواء مع الرئيس الراحل حافظ الأسد أو مع نجله الرئيس بشار. وهي علاقات تمتنت بفضل الرئيس رفيق الحريري الذي جعل صديقه شيراك في يوم من الأيام يدعو من تحت قبة البرلمان اللبناني إلى بقاء القوات السورية في لبنان حتى حل قضية فلسطين. والحريري نفسه مهد الطريق نحو استقبال مختلف في الغرب للرئيس السوري الشاب. غير أن التمديد للرئيس إميل لحود وما رافقه من تطورات في المنطقة وما تلاه من اغتيال للرئيس الحريري جعلت شيراك رأس حربة في إقرار المحكمة الدولية وفي تضييق الخناق على النظام السوري، وهو ما أودى بالعلاقات بين سورية وفرنسا إلى أدنى الدرجات بل صبغها بطابع العداء.

سينظر الرئيس ساركوزي في كل ذلك. وهو جديد على الملف السوري-اللبناني، ووزير خارجيته الاشتراكي لم يبرهن أنه مؤهل للتعامل مع تعقيداته. لكنهما سيرجعان حتماً إلى خبرات مساعديهما سواء في الإليزيه أو في ماتينيون. فهناك من راكم تجربة طويلة مع الشأن اللبناني والسوري، وهناك من ضحك بصمت حين رأى اندفاعة كوشنير ومن سخر بخبث من أسلوب ساركوزي المباشر والشفاف. وفرنسا كدولة هي عميقة الجذور في التعاطي مع هذه المنطقة الزاخرة بالطوائف والعصبيات والتي لا ينطبق على التعاطي معها ما يصلح لسائر الدول والشعوب. إنها خبرة تمتد مئات الأعوام مع خبرة مباشرة عمرها قرن من الزمان. ولن يفوت المحللين الفرنسيين أن التاريخ يكرر نفسه لأن أمراض المنطقة تبدو مزمنة وعصية على العلاج… فهل لدى ساركوزي وقت للاستفادة من التجربة والتاريخ؟ أم يترك لوزير خارجيته الطبيب مهمة تحضير الوصفات والمسكنات؟

Share