ساركوزي في دمشق: مخرج مرحلي للمأزق السوري واستعادة للنفوذ الفرنسي

د. مصطفى عبدالعزيز مرسي: ساركوزي في دمشق.. مخرج مرحلي للمأزق السوري واستعادة للنفوذ الفرنسي

  • 16 سبتمبر 2008

قام الرئيس الفرنسي "نيكولا ساركوزي" بزيارة رسمية إلى سورية يومي 3 و4 سبتمبر/أيلول 2008، هي الأولى لمسؤول غربي على هذا المستوى منذ عام 2003، وجاءت هذه الزيارة في سياق الجهود التي يبذلها الرئيس الفرنسي للقيام بدور محوري في تطورات وسياسات منطقة الشرق الأوسط، التي جعلها أحد المفاصل الرئيسية في سياسة بلاده الخارجية، ولكنه دور غير متوازن على أي حال ويسير في فلك السياسة الأمريكية؛ فبعد أن كانت فرنسا تتبع سياسة متوازنة بين العرب وإسرائيل، أصبحت في عهد "ساركوزي" تميل بشكل واضح تجاه إسرائيل وتلتزم بشكل معلن بحماية أمنها الوطني والدفاع عنها؛ حيث سبق أن أعلن، ربما بنبرة أعلى من النبرة الأمريكية، معارضته الشديدة لتوجهات إيران النووية. وإذا كان يبدو أن "ساركوزي" أعاد وضع السياسة الخارجية الفرنسية في إطار السياق العام للسياسة الأمريكية (استعادة المشاركة العسكرية الفرنسية داخل حلف الأطلنطي، وزيادة مشاركتها في قوات التحالف في أفغانستان… إلخ)، فإنه في الواقع يحاول، وبشكل هادئ، وراثة جانب من النفوذ الأمريكي المتراجع والمستنفذ.

في ظل هذه المتغيرات طرح "ساركوزي" خلال زيارته لدمشق رؤية تنظر إلى مشكلات المنطقة الإقليمية نظرة متكاملة، تدخل في اعتبارها التأثير المتبادل فيما بينها، وتتبنى اقترابا تدخليا نشطا في النزاعات الإقليمية، على نحو ما شهدناه في الأزمة اللبنانية ومسلسلها، وسعيه للحصول من سورية على برنامج زمني لوعودها السياسية تجاه العلاقة مع لبنان ليعطيها مصداقية، مقابل إبداء قدر أكبر من التجاوب مع الرغبة السورية، للمشاركة إلى جانب الولايات المتحدة، في الوقت المناسب، في المفاوضات السورية-الإسرائيلية، وهو ما شكل حيز استماع أكبر لآرائه وعنصراً جاذباً لسورية. ولكن الولايات المتحدة ما زالت تصر على ضرورة أن تبادر سورية بالاستجابة للمطالب الأمريكية، وفي مقدمتها خفض مستوى الارتباط بإيران، قبل أخذ أي خطوة في هذا الاتجاه.

ويلاحظ أن زيارة "ساركوزي" لدمشق، انطوت على أهداف بدت متعارضة؛ فمن ناحية أراد استخدام علاقة سورية الخاصة بطهران لإقناعها بالتجاوب مع صفقة الحوافز الغربية الأخيرة، ومن ناحية أخرى، أراد جس نبض دمشق حول مدى استعدادها لإعادة النظر في تحالفاتها الإقليمية بالابتعاد عن طهران، لتذليل مشكلة الاحتلال الإسرائيلي للجولان. لكن السؤال المطروح هو هل سورية مستعدة لذلك؟ وما هو الثمن المقابل؟ وما هي ضماناتها؟.

وإذا كان "ساركوزي" يسعى إلى استئناف المفاوضات المباشرة بين سورية وإسرائيل؛ فإن ذلك يبدو في هذه المرحلة مجرد تمنيات؛ فالحكومة الإسرائيلية يمارس رئيسها صلاحياته لفترة محدودة حتى موعد إجراء الانتخابات القادمة، وهو غير قادر على اتخاذ قرارات استراتيجية، كما أن إسرائيل لا تزال تعيش التداعيات السلبية لحربها على لبنان عام 2006، والتي كشفت مدى هشاشة الجبهة الداخلية الإسرائيلية. ومع ذلك ترى إسرائيل أنه لا بأس من التفاوض مع سورية في فترة الانشغال الأمريكي بالانتخابات الرئاسية، على أمل أن تنجح جهود "ساركوزي" وغيره، في دق إسفين في محور دمشق-طهران-حزب الله. وإذا ما تم ذلك فإن إسرائيل تكون قد حققت مكسباً استراتيجياً مهماً.

تكتيكياً، وللحصول على أكبر قدر من الاستجابة السورية، ردد "ساركوزي" قبل حضوره إلى دمشق أنه "قرر زيارة سورية لإجراء حوار على أسس واضحة بشأن القضايا المشتركة وبما يؤدي إلى نتائج ملموسة، وأنه يفضل هذا المسلك الواعد الأكثر مجازفة، رغم دعوات عزل سورية".

على الجانب السوري، ما زالت دمشق تتبنى موقف الممانعة للمشروع الإسرائيلي-الأمريكي، وتتعرض لضغوط إقليمية ودولية غير عادية. وقد لاحظت دمشق بمرارة، الصمت المطبق للمجتمع الدولي، بل والتخاذل العربي، تجاه الغارتين الإسرائيليتين، الأولى على "عين الصاحب" في 15/10/2003، والثانية في يوليو/تموز 2008، واستهدفت موقعاً زعمت إسرائيل أنه كان مخصصاً لأنشطة نووية. لكن سورية بدأت تتضجر من  حالة اللاحرب واللاسلم التي تعيشها منذ عدة عقود، والتي تزايدت معها الأعباء المفروضة عليها، وضغوط ومطالب الداخل بمزيد من الانفراج الاقتصادي والاجتماعي، وتوسيع نطاق المشاركة والحريات السياسية. 

ومن هنا تجئ دلالة ما سبق وأدلى به "فاروق الشرع" أمام مؤتمر اتحاد الكتاب العرب في دمشق مطلع عام 2000، بقوله: "إننا أمضينا سنوات في حالة اللاحرب واللاسلم ونريد تجربة السلام وإعطاءه فرصة"، وهو ما يفسر، ضمن أمور أخرى، سبب اتجاه القيادة السورية لاستئناف المفاوضات غير المباشرة مع إسرائيل برعاية تركية، بعد توقفها قرابة ست سنوات بسبب تباين في الموقفين السوري والإسرائيلي حول حدود الرابع من يونيو/حزيران 1967 وقضايا متعددة أخرى. ويبدو أن الوقت أصبح يشكل عنصراً ضاغطاً على الموقف السوري؛ فالجولان محتل منذ 1967، وتتزايد عمليات تهويده يوما بعد يوم، يضاف إلى ذلك تراجع الاحتضان العربي للقضايا العربية القومية، وضعف مجمل الوضع العربي العام.

ومن هنا تأتي أهمية توقيت زيارة "ساركوزي" من منظور سورية، التي أهدته مسبقاً قرارها بإقامة علاقات دبلوماسية مع لبنان؛ حيث ترغب دمشق في قيام فرنسا بلعب دور ما في المفاوضات السورية-الإسرائيلية، إلى جانب الولايات المتحدة، لتكون الأخيرة شاهدة وضامنة لنتائجها وتذليل ما يعترضها من عقبات.

وإمعانا في حشد مزيد من الدعم الإقليمي والدولي لموقفها، رأت سورية أنه من المناسب عقد اجتماع رباعي تحت عنوان (حوار من أجل المستقبل)، ضم إلى جانبها كل من فرنسا وقطر وتركيا، ويلاحظ أن الدول الثلاث الأول تمثل رئاسات دورية في مجموعاتها الإقليمية، أما تركيا فأصبحت قاسماً مشتركاً وفاعلاً في قضايا المنطقة، وهي ترعى المفاوضات غير المباشرة الجارية بين سورية وإسرائيل، وقد استهدفت هذه القمة إعطاء مظلة إقليمية لجهود سورية لبحث قضايا المنطقة الملحة، ودفع مسار المفاوضات الإسرائيلية-السورية.

وإذا كان الهدف الأساسي من هذه الزيارة هو تحريك بوصلة التوجه السوري في اتجاه متباعد عن إيران؛ فإن التساؤل الذي يطرح نفسه على الفور هو: هل تستطيع دمشق الإقدام على خفض مستوى الارتباط بطهران في ظل الظروف الراهنة؟ وما هي الضمانات التي يمكن أن تعطى لها مقابل ذلك؟. لا شك في أن الموقف السوري يتسم بصعوبة بالغة في هذا الصدد؛ فالقيادة السورية لا يمكنها حالياً القيام بمغامرة سياسية غير محسوبة كهذه، لا سيما أنها أمام طرف إسرائيلي ما زال يتبع سياسة "السلام المراوغ"، ولم يقتنع بعد بجدوى السلام، وهدفه كسب الوقت لتنفيذ باقي المخططات الإسرائيلية، كما أن إسرائيل، في تقدير سورية، تخطط لحرب جديدة في المنطقة، ولذا يقوم الموقف السوري على الحذر والحيطة وتفضيل الانتظار. ومن هنا كان سعي دمشق لحث الولايات المتحدة على الانخراط في المفاوضات السورية- الإسرائيلية، لكن ذلك لن يتسنى إلا بعد الانتهاء من الانتخابات الرئاسية الأمريكية القادمة.

ويتطلب الأمر في فترة انتظار نتائج الانتخابات الأمريكية هذه، أن تعمل سورية بجدية على استعادة الوفاق مع مصر والسعودية، لتعزيز قدرتها التفاوضية، لاسيما أن أسباب الخلاف مع القاهرة والرياض يمكن تجاوزها.

وبصفة عامة يمكن القول إن زيارة "ساركوزي" لدمشق مثلت نقطة انطلاقة جديدة للعلاقات الثنائية بين هذين البلدين وإعادة تطبيعها بعد تجميد استمر لعدة سنوات، كما مثل المؤتمر الإقليمي الرباعي الذي عقد في دمشق وتعرض لقضايا إقليمية عديدة في أقل من ساعتين، دعماً إقليمياً ودولياً معنوياً مهماً لسورية، ودليلاً على بداية خروجها من عزلتها الدولية. أما عن العلاقات السورية-الإيرانية؛ فحتى الآن لا تتوافر لدى دمشق بدائل مؤكدة لها، أو ضمانات كافية تسمح لها بفك ارتباطها الحالي مع طهران، ولا تتوافر الأطراف القادرة على دفع الثمن المقابل. ويصعب على القيادة السورية في ظل هذه المعطيات القيام بإحداث تغيير جوهري في هذه العلاقة، ولذلك فإنها مرشحة للاستمرار إلى أن يتوافر البديل المضمون. ومن هنا تنبع أهمية الدور الفرنسي كقناة لتبادل التطمينات بين الجانبين السوري والإسرائيلي.

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات