"سارس" … اختبار حقيقي للتعاون الدولي

  • 28 أبريل 2003

الخلافات السياسية والتجارية سواء عبر الأطلسي، أو بين الشمال والجنوب، أو في مناطق أخرى من العالم تحول دون التوصل إلى صيغة مثلى في العلاقات الدولية وتقف عائقا دون الاتفاق التام في تطبيق قواعد حرية التجارة، وهذه الخلافات السياسية والتجارية قد أضعفت دور المؤسسات والمنظمات الدولية وأسهمت في تعطيل دورها كمرجعيات رئيسية. والمؤكد أن الأثر السلبي لهذه الخلافات الدولية لا يقتصر على موضوع القضايا الخلافية فقط، بل يطال مجمل أجندة العمل الدبلوماسي الدولي ويهدر سنوات من العمل في بناء هذه المؤسسات التي تلعب الدور الأبرز في الحفاظ على الأمن والاستقرار السياسي والاقتصادي، وهو دور تبرز الحاجة إليه في الوقت الراهن أكثر من أي وقت مضى لتحاشي ردة حضارية تعود بالعالم إلى منطق القوة في السياسة والتجارة. والمؤكد أن انتشار مرض "سارس" ربما يعيد طرح التعاون الدولي في قضايا حيوية كادت تطوى في غياهب النسيان في خضم انشغال العالم بالخلافات حول العراق ومكافحة الإرهاب وغير ذلك من القضايا المركزية التي تستحق بالفعل منحها هذا الاهتمام.

وفي ظل التقارير الرسمية التي تتحدث عن تزايد كبير في معدلات تفشي مرض "سارس" في العديد من دول العالم يصبح التعاون الدولي للسيطرة على هذا المرض ضرورة ملحة، ولا سيما أن خريطة انتشار المرض جغرافيا قد طالت دولا من الشرق والغرب ولم تعد تقتصر على مناطق دون الأخرى، وفي ظل تزايد أعداد الدول التي ينتشر بها هذا المرض يصبح من الصعب -عملياً- إغلاق المطارات والمنافذ الحدودية أمام انتقال البشر من الدول كافة التي سجلت بها معدلات إصابة بهذا الوباء، كما يصبح من الصعب أيضا التفرقة إجرائيا في التصنيفات العلمية بين "مناطق موبوءة" ومناطق سجلت بها حالات إصابة محدودة لم ترق إلى حد الوباء، بل جاءت بسبب حركة السفر والتنقل.

والسبيل للخروج من هذه الإشكاليات هو تكاتف جهود الدول كافة في مجال مكافحة هذا المرض والتنسيق بين السلطات المسؤولة لتطويق آثاره التي تطال اقتصادات العالم أجمع، وما يضاعف من أهمية التعاون الدولي في مكافحة الأمراض والأوبئة هو تنامي مخاوف بعض العلماء من أن يتحول "سارس" إلى وباء عالمي مثلما حدث مع وباء "الإنفلونزا الإسبانية" الذي انتشر عقب الحرب العالمية الأولى، وفتك بنحو 25 مليون شخص، أو ما يزيد على ضحايا هذه الحرب التي تعد واحدة من المحطات التاريخية الفارقة في تاريخ البشرية. إن تحدي مرض "سارس"، الذي لم يتم التوصل إلى علاج له أو لقاح ضده، للإجراءات الصحية العالمية الصارمة وانتشاره في أكثر من 25 دولة يستوجب تكاتف الجهود الدولية لمحاصرة المرض والتوصل إلى طرق علاجية وآليات للتنبؤ بطرق انتشاره، وإذا كان المجتمع الدولي قد فشل في اختبارات عدة لإنهاء النزاعات بالطرق السلمية، كما فشل أيضا في السيطرة على المجاعات المتفشية في أنحاء عدة من العالم، فليس أقل من أن يتكاتف الجميع لمواجهة تفشي الأمراض والأوبئة.

شارك

الفعاليات المقبلة

إصدارات