زيارة نجاد لجزيرة "أبو موسى" وسياسة تصدير الأزمات

  • 18 أبريل 2012

مثلت زيارة الرئيس الإيراني، محمود أحمدي نجاد، الاستفزازية إلى جزيرة "أبو موسى" الإماراتية المحتلة مؤخراً عاملاً إضافياً لإشاعة التوتر في منطقة الخليج العربي، وتعزيز أزمة الثقة القائمة بين إيران ودول مجلس التعاون لدول الخليج العربية، بشكل عام، وبينها وبين دولة الإمارات العربية المتحدة بشكل خاص؛ حيث جاءت هذه الزيارة، مناقضة للاتفاق الذي تم بين دولة الإمارات وإيران على التهدئة ووقف البيانات فيما يتصل بقضية الجزر من أجل توفير المناخ المناسب لحل الخلاف بشأنها من خلال المفاوضات الثنائية. وهو الاتفاق الذي التزمت به دولة الإمارات التزاماً كاملاً، بما في ذلك التوقف المؤقت عن إثارة القضية في المحافل الإقليمية والدولية أملاً في الوصول إلى تسوية سلمية تحافظ على حقوقها التاريخية وسيادتها على جزرها الثلاث التي تحتلها إيران منذ عام 1971 (أبو موسى وطنب الكبرى وطنب الصغرى). غير أن هذا الانتهاك الإيراني للاتفاق جاء ليكشف حقيقة عدم جدية إيران في التجاوب مع المساعي الإماراتية الرامية إلى إيجاد حل لهذه القضية.

وكان طبيعياً أن تواجه هذه الزيارة، التي تمثل سابقة خطيرة وانتهاكاً لسيادة الإمارات على أراضيها، بردود فعل غاضبة ومنددة، ليس فقط داخل الإمارات، وإنما أيضاً على المستويين الخليجي والعربي؛ حيث وصف سمو الشيخ عبدالله بن زايد آل نهيان، وزير الخارجية، الزيارة بأنها "استفزازية وتمثل انتهاكاً صارخاً لسيادة الإمارات على جزرها الثلاث المحتلة"، وأكّد أنها لن تغيّر الحقائق التاريخية التي تثبت تبعية الجزر للإمارات، كما أشار إلى أن استمرار احتلال إيران للجزر قد يمس الأمن والسلم الدوليين باعتبار أن الجزر تقع في منطقة حيوية يمر بها 40% من طاقة العالم، ودعا إيران إلى "الاستماع لصوت العقل لإنهاء هذا الخلاف الذي قد يؤدي إلى عواقب قد لا تستطيع الإمارات، ولا إيران، احتواءها في المستقبل". وفي موازاة ذلك اجتمع سموه مع سفراء الدول الأعضاء في مجلس الأمن لتوضيح أبعاد الموقف الإماراتي المستنكر لهذه الزيارة، وطالبهم بدعم موقف الإمارات العادل في هذه القضية. كما استدعت الإمارات السفير الإيراني لديها، وسلمته مذكرة احتجاج شديدة اللهجة على الزيارة، واستدعت أيضاً سفيرها لدى إيران للتشاور، كما بعثت برسالة احتجاج إلى الأمم المتحدة مدعومة بتوقيع دول مجلس التعاون الخليجي.

إقليمياً، قوبلت الزيارة باستهجان واسع؛ حيث عقد وزراء خارجية دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية اجتماعاً استثنائياً في قطر يوم 17 أبريل 2012، استنكروا فيه الزيارة ووصفوها بالعمل الاستفزازي الذي يتناقض مع سياسة حسن الجوار، وطالبوا الجانب الإيراني بإنهاء احتلاله للجزر الإماراتية والاستجابة لدعوة الإمارات لإيجاد حل سلمي وعادل عن طريق المفاوضات الثنائية أو اللجوء إلى محكمة العدل الدولية. وأشار البيان الصادر عن الاجتماع إلى أن الاعتداء على السيادة والتدخل في الشؤون الداخلية لأي دولة من دول المجلس يعد تدخلاً واعتداء على كافة دول المجلس، وذلك في تأكيد جديد لمفهوم الأمن الجماعي والمشترك لدول مجلس التعاون الخليجي. كما نددت الجامعة العربية بهذه الزيارة في بيان رسمي لأمينها العام الدكتور نبيل العربي الذي أكد أنها تمثل خطوة غير مبررة وخرقاً واضحاً لجهود التهدئة، ولمحاولات معالجة قضية احتلال إيران الجزر الإماراتية الثلاث بالطرق السلمية. واعتبر السفير أحمد بن حلي، نائب الأمين العام للجامعة، الزيارة تحدياً لكل عربي وليس للإمارات فحسب، مؤكداً أن استمرار أزمة احتلال إيران للجزر الإماراتية لا يخدم مصالح إيران مع جيرانها في المنطقة أو الاستقرار والأمن الإقليميين.

دولياً، انتقدت الولايات المتحدة زيارة الرئيس الإيراني لجزيرة أبو موسى، مشيرة إلى أنها ساهمت في تعقيد المشكلة، وأعربت عن دعمها دعوة الإمارات إلى حل النزاع بالطرق السلمية، وهو الموقف نفسه الذي تبنته كثير من دول العالم.

هذا الدعم الواسع إقليمياً ودولياً لموقف الإمارات يعكس بشكل واضح قناعة المجتمع الدولي بعدالة موقف الإمارات بشأن ملكيتها لهذه الجزر، والتقدير الواسع الذي تحظى به سياستها ونهجها الحضاري في إدارة هذه الأزمة؛ حيث أكدت الدولة باستمرار، فعلاً وقولاً، أنها حريصة على إيجاد تسوية سلمية لهذه الأزمة تتوافق مع قواعد القانون الدولي ومبادئ حسن الجوار، سواء أكان ذلك من خلال المفاوضات المباشرة، أو اللجوء إلى محكمة العدل الدولية، في حال تعذّر الوصول إلى حل توافقي بشأن هذه الأزمة. لكن إيران رفضت كل المقترحات والجهود المبذولة لتسوية هذه المشكلة، وهذا التعنت الإيراني يعكس في حقيقته عدم قناعة إيران نفسها بعدالة موقفها وقانونيته؛ إذ لو كانت كذلك لوافقت على دعوة الإمارات إلى عرض النزاع على محكمة العدل الدولية للبت فيه.

وفي واقع الأمر لا يمكن فصل هذا السلوك الاستفزازي الإيراني تجاه دولة الإمارات العربية المتحدة عن سياسات إيران العدائية تجاه محيطها الإقليمي بشكل عام. وهي سياسات تعددت بشكل لافت خلال الفترة الأخيرة. ففي العام الماضي، اتُهمت إيران بالوقوف خلف الاضطرابات السياسية التي شهدتها مملكة البحرين، والتي عرّضت أمن المملكة واستقرارها للخطر الشديد، الأمر الذي دفع دول مجلس التعاون الخليجي إلى التدخل بحسم، وإرسال قوات من درع الجزيرة لمساعدة الحكومة البحرينية على استعادة الاستقرار وحماية المنشآت الحيوية، وهو ما عارضته إيران بشدة. وفي أبريل 2011، أعلنت الكويت عن اكتشاف شبكة تجسس لحساب الحرس الثوري الإيراني، واستدعت سفيرها في طهران، وأعلنت طرد عدد لم يتم تحديده من الدبلوماسيين الإيرانيين المتهمين بالتآمر ضد مصلحة البلاد. وفي 11 أكتوبر 2011 كشفت وزارة العدل الأمريكية عن محاولة إيرانية لاغتيال عادل الجبير سفير السعودية في الولايات المتحدة، كما اتهمت السعودية إيران أكثر من مرة، آخرها في فبراير 2012، بالوقوف وراء أحداث الشغب والاضطرابات التي شهدتها المنطقة الشرقية في المملكة، والتي تقطنها أغلبية شيعية. كما أعلنت مملكة البحرين في نوفمبر الماضي أنها فككت "خلية إرهابية" مكونة من خمسة أفراد كانوا ينسقون مع الحرس الثوري الإيراني لاستهداف منشآت حساسة في البحرين، منها مبنى وزارة الداخلية ومقر السفارة السعودية بالمنامة وجسر الملك فهد الرابط بين البلدين. هذه الأمثلة، تظهر بوضوح أن إيران لا ترغب في الانخراط في أي جهد لتحقيق الأمن والاستقرار في منطقة الخليج العربي، وتؤكد زيف سياساتها ومواقفها وتناقضها، فعلى الرغم من حديثها المستمر عن سعيها إلى تحسين العلاقات مع دول الجوار ورغبتها في إرساء الأمن والاستقرار في المنطقة، فإن سياساتها ومواقفها غير المسؤولة تؤكد خلاف ذلك، وتثير مخاوف الآخرين وشكوكهم في نياتها تجاه جيرانها.

هذا السلوك العدائي الذي لا يخدم مصالح إيران قبل غيرها، فسّره قطاع واسع من المحللين والمعنيين باعتباره محاولة من النظام الإيراني للهروب إلى الأمام عبر إثارة الأزمات الفرعية لصرف النظر عن المشكلات الحقيقية التي يواجهها هذا النظام. فهناك أولاً، الأزمة السياسة الداخلية المتمثلة في الصراع التقليدي بين المحافظين والإصلاحيين من جهة، وفي الصراع داخل تيار المحافظين من جهة أخرى؛ حيث وصل الخلاف الداخلي بين مرشد الجمهورية علي خامنئي ورئيسها محمود أحمدي نجاد إلى ذروته مؤخراً بعد أن أعلن المرشد عن إمكانية تحول إيران من النظام الرئاسي إلى النظام البرلماني، في تهديد ضمني للرئيس نجاد بأنه يمكن أن يفقد صلاحياته الحالية. وقد جاءت نتائج الانتخابات البرلمانية الإيرانية الأخيرة لتؤكد تراجع شعبية نجاد بعد أن خسر تياره عدداً كبيراً من المقاعد لصالح التيار المحسوب على المرشد. وهناك ثانياً، أزمة البرنامج النووي الإيراني، والتي شهدت في الفترة الأخيرة تطورات سلبية ضاغطة على النظام مع تزايد حدة الضغوط الدولية المطالبة بوضع حد لهذا البرنامج، ولاسيما بعد تقرير الوكالة الدولية للطاقة الذرية الأخير نهاية العام الماضي، والذي أشار إلى أن إيران أجرت أبحاثاً تضمنت نماذج محاكاة بالكومبيوتر في عامي 2008 و2009 لا يمكن أن تستخدم إلا لتطوير أسلحة نووية؛ الأمر الذي أدى إلى توسيع نطاق العقوبات الأمريكية والأوروبية المفروضة على إيران، لتشمل حظر بيع معدات ضرورية لقطاع الطاقة الإيراني، وحظر صادرات النفط الإيرانية، وقطع العلاقات مع المصارف الإيرانية، بما في ذلك المصرف المركزي. وقد نالت هذه العقوبات بشدة من الاقتصاد الإيراني الذي بدأ يترنح تحت وطأتها، وهو ما انعكس بشكل واضح في تراجع قيمة العملة الإيرانية، وتباطؤ معدلات النمو الاقتصادي، الأمر الذي فرض ضغوطاً إضافية على النظام الإيراني الذي بدأت شعبيته تتآكل تدريجياً. وفي هذا السياق يمكن النظر إلى زيارة نجاد إلى جزيرة أبو موسى باعتبارها محاولة للعب على العواطف القومية وكسب جزء من شعبيته المفقودة، ومحاولة لصرف الأنظار عن المشكلات الخانقة التي تواجهها البلاد أو يواجهها حلفاؤها التقليديون في المنطقة.

إن الأمر الذي لا شك فيه هو أن تمسك دولة الإمارات بحقها في استعادة سيادتها على جزرها الثلاث التي تحتلها إيران ثابت، ولن يتغير مهما طال الزمن، وأن سياسة فرض الأمر الواقع التي تنتهجها إيران في الجزر، ومحاولة تغيير طبيعتها الديمغرافية، كل ذلك لن يغير الحقائق التاريخية والقانونية التي تثبت تبعية الجزر لدولة الإمارات العربية المتحدة. ومن ثم فالمطلوب هو أن تستمع إيران إلى صوت العقل، كما دعا إلى ذلك سمو الشيخ عبدالله بن زايد آل نهيان، وتستجيب للمبادرات الإماراتية الرامية إلى الوصول لتسوية سلمية وحضارية لهذه المشكلة، وتتوقف عن سياساتها الاستفزازية التي لن تؤدي إلا إلى تعزيز حالة عدم الاستقرار في المنطقة.

Share