زيارة تاريخية لبناء شراكة استراتيجية

  • 19 يوليو 2018

تكتسب الزيارة التي يقوم بها الرئيس الصيني شي جين بينغ إلى دولة الإمارات العربية المتحدة، والتي تبدأ، اليوم الخميس، أهمية كبيرة ليس لأنها الأولى لرئيس صيني إلى الإمارات منذ نحو ثلاثة عقود فقط، ولكن لأنها تأتي أيضاً في سياقات مهمة: أولها، نمو سريع وربما غير مسبوق في العلاقات الثنائية بين البلدين في مختلف المجالات، وخاصة الاقتصادية والتجارية. ثانيها، تطورات إقليمية ودولية متسارعة. وثالثها، منافسة اقتصادية شديدة على مستوى عالمي، تؤججها سياسة الولايات المتحدة الحمائية الجديدة.

منذ الزيارة التاريخية التي قام بها المغفور له، بإذن الله تعالى، الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، للصين عام 1990 ، والعلاقات الإماراتية-الصينية تشهد نمواً مستمراً؛ حيث أسست تلك الزيارة لشراكة قوية بين البلدين يمكننا أن نرى ثمارها بكل وضوح. وقد تطورت هذه العلاقات بشكل كبير خلال فترة حكم صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، وشهدت على وجه الخصوص خلال الأعوام القليلة الماضية قفزات كبيرة، خاصة بعد الزيارات التي قام بها صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي رعاه الله، عام 2008 ، وصاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، حفظه الله، لجمهورية الصين الشعبية في الأعوام 2009 و 2012 و 2015 ، حيث ارتفع التبادل التجاري بينهما إلى معدلات قياسية، وسجلت التجارة غير النفطية بين البلدين 195.8 مليار درهم، مقابل 169 مليار ( العام الماضي ( 2017 درهم بنهاية عام 2016 . وقد استحوذت التجارة الخارجية لدولة الإمارات العربية المتحدة مع الصين على نسبة %14.7 من إجمالي التجارة الخارجية للدولة لعام 2017 والبالغة، وفقاً للتقديرات الصادرة عن وزارة الاقتصاد مطلع العام الحالي، 1.7 تريليون درهم. وبهذا تكون الإمارات الشريك التجاري الأول للصين في المنطقة العربية، وهي ثاني أكبر شريك لها في العالم. وتشير التوقعات إلى استمرار النمو في التجارة بين البلدين خلال هذا العام 2018 والأعوام المقبلة، وذلك في ظل سياسة الانفتاح وبناء الشراكات التجارية المثمرة التي تتبناها الإمارات مع مختلف دول العالم، وتطوير خريطة التعاون التجاري مع الأسواق العالمية الواعد، وعلى رأسها السوق الصينية. لذا فإن زيارة الرئيس الصيني هذه تدل على مدى الاهتمام الذي توليه الصين لدولة الإمارات العربية المتحدة، وأنها حريصة على تطوير علاقاتها معها؛ وخاصة أن الإمارات من أكثر اقتصادات المنطقة حيوية وسرعة في النمو، كما أنها تعتبر مدخلاً ليس لأسواق المنطقة فقط، ولكن أيضاً للأسواق الإفريقية والأوروبية على شواطئ البحرين الأحمر والأبيض المتوسط.

بالمقابل، فإن الإمارات تنظر إلى الصين كقوة اقتصادية عالمية صاعدة، ويمكن في ظل معدلات النمو التي تحققها أن تبني معها شراكة استراتيجية طويلة المدى، يتم عبرها وخاصة أن الإمارات لديها « الحزام والطريق » تفعيل مباردة من الإمكانات التي تمكّنها من لعب دور محوري في هذه المبادرة ليس بحكم موقعها الجغرافي المتميز وحسب، ولكن أيضاً بإمكاناتها الاقتصادية الكبيرة، والأهم طموحاتها غير المحدودة، التي تستند إلى رؤية يمكن من خلالها أن تكون الإمارات شريكاً يسعى الجميع إلى تعزيز علاقاته معه.

كما تنبع أهمية الزيارة أيضاً من توقيتها، فهي تأتي ومنطقة الشرق الأوسط تشهد تطورات غير مسبوقة، خاصة منذ اندلاع ما سمي الربيع العربي؛ حيث تسود حالة من الضبابية مع التغيير الحاصل في التحالفات الإقليمية والدولية؛ وتعمل الإمارات والصين بشكل حثيث من أجل إعادة الاستقرار إلى المنطقة؛ وهناك قدرات كبيرة لدى البلدين للقيام بدور مهم في إيجاد تسويات سياسية للعديد من الإشكاليات والأزمات في المنطقة والعالم.

ولا شك أيضاً أن السياسات الجديدة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، القاضية بفرض رسوم جمركية على الواردات من بعض الدول، وخاصة الصين، تضفي على هذه الزيارة المزيد من الأهمية؛ وهي تمثل فرصة للبلدين للتباحث بشأن طبيعة التعامل مع هذه الوقائع الجديدة، وبحث الخيارات المتاحة لحماية التجارة الدولية ومنع وقوع حرب تجارية ستكون لها انعكاساتها السلبية على الجميع.

نحن أمام زيارة تاريخية بكل المقاييس؛ وهناك آمال كبيرة معقودة على المباحثات التي ستجري خلالها، والتي يُتوقع أن تكون فاتحة لمرحلة جديدة من التعاون بين الإمارات والصين، وتؤسس لشراكة استراتيجية طويلة المدى بين البلدين الصديقين.

شارك

الفعاليات المقبلة

إصدارات