زيارة بوش وآفاق العلاقات الإماراتية-الأمريكية

فتوح هيكل: زيارة بوش وآفاق العلاقات الإماراتية-الأمريكية

  • 15 يناير 2008

اكتسبت الزيارة التي قام بها الرئيس الأمريكي "جورج بوش" إلى دولة الإمارات العربية المتحدة يوم 13 كانون الثاني/يناير 2008، ضمن جولته التي ربما تكون الأخيرة له في المنطقة قبل رحيله عن البيت الأبيض نهاية العام الحالي، أهمية خاصة ليس فقط لأنها الزيارة الأولي لرئيس أمريكي وهو على رأس السلطة للإمارات منذ تأسيسها عام 1971، ولكن أيضاً لأهمية الدلالات التي انطوت عليها هذه الزيارة، وما شهدته من تصريحات ومواقف عكست الرؤية الأمريكية لقضايا المنطقة، والتي عبر عنها بوش بوضوح في خطابه الأساسي ضمن هذه الجولة والذي ألقاه في المحاضرة التي نظمها مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية.

 ويمكن القول بداية إن هذه الزيارة تمثل محطة مهمة في سياق التطور العام الذي تشهده العلاقات الإماراتية-الأمريكية، والذي تسارعت وتيرته بشكل ملحوظ في الفترة الأخيرة، في إطار حرص الإمارات وسعيها المتواصل نحو تعزيز مكانتها الدولية والإقليمية بالشكل الذي يضمن لها الحفاظ على مصالحها الوطنية ويحقق الأمن والاستقرار في المنطقة، وذلك عبر بناء علاقات قوية ومتوازنة مع مختلف القوى الإقليمية والدولية، وعلى رأسها بطبيعة الحال الولايات المتحدة. وقد تجسد هذا التطور في أكثر من مظهر؛ فعلى الصعيد السياسي، تعددت الزيارات المتبادلة بين مسؤولي البلدين في إطار التنسيق المستمر بينهما بشأن القضايا المختلفة، وتبرز هنا الزيارة المهمة التي قام بها الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، إلى الولايات المتحدة عام 1998، والزيارة التي قام بها الفريق أول الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، إلى واشنطن في أيار/مايو الماضي، والتي حفل برنامجها بالعديد من اللقاءات مع كبار المسؤولين الأمريكيين وفي مقدمتهم الرئيس جورج بوش ونائبه ديك تشيني وعدد آخر من أرفع المسؤولين الأمريكيين في المجالات السياسية والاقتصادية والأكاديمية والفكرية، وانتهت بالعديد من النتائج المهمة، من بينها تأسيس مجلس اقتصادي للأعمال بين البلدين لتعزيز الروابط الاقتصادية والتجارية بينهما.

 في المقابل استقبلت الإمارات خلال الفترة القليلة الماضية العديد من المسؤولين الأمريكيين البارزين، على رأسهم نائب الرئيس الأمريكي ديك تشيني، الذي زارها في أيار/مايو الماضي أيضاً، ضمن جولة شملت كذلك السعودية ومصر والأردن، وزوجة الرئيس الأمريكي لورا بوش، التي زارتها في تشرين الأول/أكتوبر الماضي. كما التقى وزير الخارجية الشيخ عبدالله بن زايد آل نهيان أكثر من مرة مع نظيرته الأمريكية كونداليزا رايس، في إطار التنسيق المتواصل بين البلدين بشأن مختلف القضايا الإقليمية.

 وعلى الصعيد الاقتصادي، تعتبر الإمارات ثاني أهم شريك تجاري للولايات المتحدة في المنطقة؛ حيث ارتفع حجم التبادل التجاري بين البلدين من نحو 10 مليارات دولار عام 2005، إلى نحو 13 مليار دولار عام 2006، فيما بلغ حجم التبادل التجاري خلال الشهور العشرة الأولى من عام 2007، نحو 10.3 مليار دولار، بحسب الإحصاءات الرسمية الأمريكية. ويميل الميزان التجاري بين البلدين بشكل واضح لصالح الولايات المتحدة، التي ارتفع حجم الفائض التجاري لها من نحو 7 مليارات دولار عام 2005، إلى 10.3 مليارات دولار عام 2006، فيما بلغ حجم هذا الفائض خلال الأشهر العشرة الأولى من عام 2007 نحو 8.2 مليار دولار. ويتوقع أن تشهد العلاقات الاقتصادية بين البلدين مزيداً من التطور في المستقبل، لاسيما بعد استكمال المفاوضات الخاصة باتفاقية التجارة الحرة بين البلدين، والتي تجمدت منذ شهر آذار/مارس الماضي (2007) نتيجة بعض الخلافات بين الجانبين، خاصة فيما يتعلق بملفي الاستثمارات والعمالة. كما تشير الإحصاءات إلى وجود نحو 750 شركة أمريكية عاملة في الإمارات، هذا فضلاً عن العديد من مجالات التعاون الأخرى بين البلدين، لاسيما في مجال مكافحة الإرهاب وتحقيق الاستقرار الإقليمي.

وتنظر الولايات المتحدة بنوع من الإعجاب والتقدير إلى تجربة دولة الإمارات العربية المتحدة في بناء مجتمع مزدهر ومستقر، وتعتبرها نموذجاً يحتذى به في المنطقة ككل، وهو ما عبر عنه بوش في خطابه المهم الذي ألقاه أمام مركز الإمارات، بقوله: "لقد نجحتم في بناء مجتمع مزدهر في الصحراء وفتحتم أبوابكم للاقتصاد العالمي وشجعتم المرأة على المشاركة في بناء الوطن وأظهرتم للعالم نموذجاً لدولة مسلمة متسامحة مع أتباع الديانات الأخرى، وأنا فخور بأن أقف في وطن لدى أبنائه الفرصة لبناء مستقبل أفضل لأنفسهم وعائلاتهم"، وأشاد الرئيس الأمريكي كذلك بالانتخابات الأخيرة للمجلس الوطني الاتحادي باعتبار أنها تمثل الجزء الأول من برنامج إصلاحي كبير يهدف إلى تحديث نظام الحكم وتعزيز المشاركة. كما تصنف الولايات المتحدة الإمارات ضمن الدول المعتدلة في المنطقة بفضل السياسة المتوازنة التي تنتجها حكومتها تجاه مختلف القضايا الإقليمية. وفي المقابل تنظر الإمارات، مثلها في ذلك مثل باقي دول الخليج العربية، إلى الولايات المتحدة باعتبارها حليفاً استراتيجياً وطرفاً أساسياً في معادلة تحقيق الأمن والاستقرار في المنطقة، وقد جدد بوش في هذا الصدد التزام بلاده بأمن منطقة الخليج وعدم التخلي عنها أو السماح للإرهابيين بالوصول إليها.

 ولا ينفي ما سبق حقيقة وجود بعض جوانب التباين في وجهات نظر البلدين بشأن كيفية التعاطي مع عدد من الملفات الإقليمية المهمة، ومن ذلك على سبيل المثال الملف الإيراني؛ حيث تصر واشنطن على إبقاء جميع الخيارات مفتوحة في التعامل مع هذا الملف، بما في ذلك خيار القوة المسلحة، وتسعى جاهدة إلى حشد حلفائها في دول الخليج والمنطقة لمواجهة الخطر الذي يمثله البرنامج النووي الإيراني عليها، وهو الأمر الذي ركز عليه بوش بوضوح في خطابه أمام مركز الإمارات، والذي شن فيه هجوماً شديد اللهجة على إيران، معتبراً أنها الدولة الأولى الراعية للإرهاب في العالم وأن أعمالها تهدد أمن الدول في كل مكان، مشيراً إلى أنها تقوض آمال تحقيق الأمن في لبنان من خلال دعم حزب الله، وترسل مئات الملايين من الدولارات إلى المتشددين في أنحاء العالم في حين يعاني شعبها من القمع والصعوبات الاقتصادية في الداخل، كما اتهمها بدعم حركة حماس وإرسال أسلحة إلى المقاتلين الشيعة في العراق وبمخالفة قرارات الأمم المتحدة عبر عدم التزامها الشفافية في برنامجها النووي فضلاً عن محاولة ترهيب جيرانها "بصواريخها وخطابها العدائي"، مؤكداً أن الولايات المتحدة تعمل على جمع أصدقائها في العالم لمواجهة هذا الخطر قبل فوات الأوان.

 في المقابل، ورغم عوامل القلق التي تنتاب دولة الإمارات العربية المتحدة، كغيرها من باقي دول مجلس التعاون الخليجي، نتيجة غموض طبيعة وأهداف البرنامج النووي الإيراني، والآثار البيئية والأمنية المحتملة التي يمكن أن يتسبب فيها هذا البرنامج، فضلاً عن استمرار إيران في احتلال الجزر الإماراتية الثلاث (طنب الكبرى وطنب الصغرى وأبو موسى)، فقد أكدت الإمارات أكثر من مرة رفضها فكرة اللجوء إلى الخيار العسكري لحسم الخلاف حول هذا الملف ، وشددت على ضرورة تسوية هذه الأزمة بالطرق السلمية، وبشكل يجنب المنطقة ويلات حرب جديدة؛ نظراً للتداعيات الكارثية التي قد تترتب على ذلك على أمن واستقرار المنطقة ككل.

 وفيما يتعلق بالموقف من الصراع العربي-الإسرائيلي وفي القلب منه قضية فلسطين، ترغب الإمارات في أن تقوم الولايات المتحدة بدور أكثر فاعلية للضغط على إسرائيل للمضي قدماً في مسيرة التسوية السلمية في المنطقة وتنفيذ الاتفاقات التي تم التوصل إليها وآخرها مقررات مؤتمر أنابوليس، للوصول إلى هدف إقامة دولة فلسطينية مستقلة وقابلة للحياة على أساس خطة خريطة الطريق ومبادرة السلام العربية، وهي تتحفظ، كغيرها من دول الخليج، على إقامة أية علاقات طبيعية مع إسرائيل حتى يتحقق السلام الكامل كما تضمنته مبادرة السلام العربية، عكس ما ترغب فيه واشنطن التي تنادي بالتطبيع أولاً كمدخل لتحقيق السلام. كما ترغب الإمارات في قيام واشنطن بدور نشط للوصول إلى تسوية سياسية ناجحة في العراق عبر الإسراع في جهود تحقيق المصالحة الوطنية ووضع حد للاقتتال الطائفي فيه والمحافظة على وحدة هذا البلد واستقلاله.

 غير أن نقاط التباين في مواقف البلدين لا تقلل من أهمية وقوة العلاقات بينهما، والتي انعكست بوضوح في الحفاوة البالغة التي استقبلت بها الإمارات ضيفها الكبير، وفي حرص الرئيس بوش على أن تكون زيارته للإمارات هي المحطة الأهم ضمن جولته الشرق أوسطية. ومع الاعتراف بحقيقة أن العلاقات بين الإمارات والولايات المتحدة تتأسس على قاعدة تاريخية قوية من التفاهم والمصالح المشتركة؛ حيث كانت الولايات المتحدة في طليعة البلدان التي اعترفت باتحاد الإمارات غداة قيامه عام 1971، فإن هذه الزيارة ستفتح بلا شك آفاقاً رحبة أمام هذه العلاقات الاستراتيجية في مختلف المجالات.

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات