زيارة الكاظمي للسعودية وضرورة إعادة العراق إلى عمقه العربي

  • 20 يوليو 2020

تعهَّد رئيس الوزراء العراقي، مصطفى الكاظمي، مباشرةً عقب توليه مهام منصبه رسمياً بعد نيله ثقة البرلمان قبل نحو ثلاثة أشهر، بأن تقوم العلاقات الخارجية للعراق على ثلاثة مرتكزات أساسية هي السيادة والتوازن والتعاون؛ وهو ما يبشّر بصفحة جديدة في تاريخ العراق الحديث ما بعد الاحتلال الأمريكي، وخصوصاً فيما يتصل بعلاقاته الإقليمية وعودته عضواً فاعلاً في محيطه العربي.
دخل العراق، بعد خروج الاحتلال الأمريكي منه، في مرحلة أكثر صعوبة وقسوة تغلغلت فيها إيران في عمقه، وأمسكت بالكثير من خيوط اللعبة السياسية فيه، وعملت على تمزيق نسيجه الاجتماعي؛ من خلال إشعال فتنة طائفية استنزفت موارده وأرواح أبنائه، وتراجَع فيها الدور العربي فيه إلى درجة كان أقرب فيها إلى الانفصال التام عن واقعه، والقطيعة مع مراكز القوى وصناعة القرار فيه.
هذا الغياب العربي عن العراق تعمَّق بشكل أكبر مع مرور الوقت نتيجة تعاقب ساسة عُرِفوا بولائهم الشديد لنظام الولي الفقيه في إيران؛ حتى إن معظم الشواهد، في الكثير من المراحل التي تسلموا فيها زمام الأمور، كانت تؤكّد أن قراراتِ اختيارهم وتنصيبهم وبقائهم في مناصبهم وإقصائهم منها كانت تصدر عن دوائر الأمن والمخابرات الإيرانية.
ويبدو أن رئيس الوزراء الجديد، مصطفى الكاظمي، القادم من خلفية متنوعة امتزج فيها الأمني بالإعلامي -الذي حملته إلى هذا الموقع هبَّة شعبية واسعة النطاق قامت للمطالبة في الدرجة الأولى بمحاربة نفوذ إيران وتدخلها في الشأن العراقي، ثم بمحاربة الفساد المستشري في مختلف القطاعات الحكومية- جادٌّ في الوفاء بوعوده بتنفيذ مطالب المحتجين؛ الأمر الذي يحتاج إلى حسم وعزم في استعادة القرار العراقي المختطَف من ناحية، ثمَّ إعادة ربط العراق بعمقه العربي، وترميم ما لحق بعلاقاته في هذا المجال من أضرار.
إعلان العراق أن أول زيارة رسمية خارجية سيقوم بها مصطفى الكاظمي، بصفته رئيساً للوزراء، ستكون للمملكة العربية السعودية، يحمل دلالات كبيرة على إعادة ضبط البوصلة السياسية العراقية وتوجيهها باتجاه محيطه العربي، وإعادة الدفء إلى العلاقات معه، والعمل على تعزيزها بما يعيد إلى العراق وجهه العربي من ناحية، ويمكّنه أيضاً من الانسحاب ولو تدريجياً من العباءة الإيرانية، التي ما زالت تحاول الاستمرار في الهيمنة على قراره عبر مواصلة دعم وتسليح الميليشيات التي تأتمر بأمر إيران من جانب، والإمساك بخيوط اقتصاده من جانب آخر؛ من خلال إغراق أسواقه بمنتجاتها؛ حيث تشير الإحصائيات إلى أنّ حجم التجارة السنوية بين العراق وإيران يبلغ نحو 12 مليار دولار في حين لا يتجاوز، بين العراق والسعودية على سبيل المثال، 600 مليون دولار.
زيارة الكاظمي للسعودية، التي تأتي بعد نجاح زيارة نائبه ووزير ماليته، علي علاوي للرياض في 21 مايو الماضي، تتضمَّن في أجندتها ملفاً اقتصادياً تريد بغداد طرحه على الرياض كمقدّمة لانفتاح وشراكات اقتصادية أوسع على المستوى العربي، خصوصاً في مجالات الربط الكهربائي، والاستثمار في قطاعات الزراعة والنقل والبتروكيماويات؛ وهو الملف الذي يحتاج فعلاً إلى تجاوب عربي يقطع الطريق على إيران، التي تحاول جاهدة احتكاره، ومنع أي تعاون فيه بين العراق والدول العربية؛ نظراً إلى حساسيته وتأثيره الكبير في نفوذها؛ وهو ما تدلل عليه زيارة وزير الطاقة الإيراني، رضا أردكانيان، لبغداد في شهر يونيو الماضي، التي جاءت مباشرة بعد زيارة علاوي للسعودية التي حققت نجاحاً لافتاً للنظر أقضَّ مضاجع الساسة الإيرانيين.
العراق يشكّل ثقلاً وازناً في معادلة الفعل العربي على الصعد كافَّة؛ فهو بما يملكه من قوة اقتصادية متنوعة الثروات، وثقل سياسي وديموغرافي، وكفاءات وعقول، قادرٌ على لعب دور مؤثر وإيجابي في خدمة القضايا والمصالح العربية ودعمها؛ وتعزيز حالة التكامل المنشودة؛ الأمر الذي يجعل من الضروري وضع استراتيجية سعودية، وربَّما عربية، بعيدة المدى تتميز بالنَّفَس الطويل، وتركّز على دعم مساعيه إلى التخلص من النفوذ الإيراني، وتتضمن مشروعات اقتصادية واجتماعية وتنموية تلامس حياة الناس هناك، وتقارباً سياسياً دائماً وناشطاً فاعلاً يحافظ على زخمه، ويستفيد من الظروف الدولية المواتية.

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات