روح التضامن العربيّ

  • 17 مايو 2011

لقد كانت مناسبة اختيار الأمين العام الجديد لـ "جامعة الدول العربية"، أول من أمس، معبّرة بجلاء عن إمكانات التوافق الكامنة في مسار العمل العربي المشترك، وقدرة العرب على تجاوز الخلافات والتغلّب عليها، وهذا ما وضح من سحب دولة قطر مرشّحها للمنصب وإقدام مصر على تغيير مرشّحها وترشيح وزير خارجيتها بدلاً منه من أجل المحافظة على قاعدة التوافق في اختيار الأمين العام، وهي القاعدة المعتمدة منذ إنشاء الجامعة عام 1945، وقد عبّر سمو الشيخ عبدالله بن زايد آل نهيان، وزير الخارجية، عن الدلالات المهمة لما حدث بقوله "إن قطر أعطتنا درساً وأملاً بأن التضامن العربي قادر على مواجهة أي خلافات".

إن العمل العربي المشترك في حاجة ماسّة إلى استلهام روح التضامن التي ظهرت في اختيار أمين عام "جامعة الدول العربية" والحرص عليها، والسعي الحثيث إليها، من أجل مواجهة التحدّيات الكبيرة التي تواجه العالم العربي على المستويات السياسية والاقتصادية والأمنية والاجتماعية والثقافية وغيرها، وهي تحدّيات ضخمة ومعقّدة ولا يمكن مجابهتها بفاعلية إلا من خلال تعاون عربي تمثّل "جامعة الدول العربية" ساحته وعنوانه. ولعله من حسن الطالع أن تظهر هذه الروح التوافقية الإيجابيّة في ظل الظروف الحالية التي تمرّ بها المنطقة العربية بما تنطوي عليه من مشكلات وتعقيدات ضخمة، تحتاج إلى رؤى عربية واحدة ومتّسقة للتعامل معها من أجل الحفاظ على المصالح العليا للعرب وتأكيد حضورهم القوي على الساحتين الإقليمية والدولية، ودورهم الأساسي في إدارة قضاياهم وملفّاتهم بعيداً عن أي محاولات للتدخّل في شؤونهم الداخلية أو استغلال أي تباينات في وجهات النظر في ما بينهم للنفاذ إلى المنطقة ومحاولة التأثير في تفاعلاتها وتوجّهات الأحداث فيها خدمة لأجندات وأهداف خاصة.

تؤكد تجارب التاريخ أن الخلافات العربية-العربية تؤدّي إلى ضعف العرب وتشجّع بعض القوى على التدخّل في شؤونهم واللعب بمصائر أوطانهم والتأثير السلبي في استقرار مجتمعاتهم، وهذا ما يفسّر حالة الترحيب والارتياح على المستويين الرسمي والشعبي التي سادت العالم العربي عقب إعلان اختيار أمين عام "جامعة الدول العربية" بالتوافق، والتفاؤل الواسع بأن يكون ذلك مقدّمة لمرحلة جديدة من مراحل العمل العربي المشترك، حيث هناك إدراك عربي عام لخطورة المرحلة وما تتطلّبه من تصوّرات عربية واحدة في التعامل مع معطياتها ومتغيراتها.

أمام الدول العربية ملفّات وأزمات وقضايا صعبة تتعلّق بأمنها واستقرارها وتنميتها وعلاقاتها الخارجية، والمأمول أن تنعكس روح التضامن، التي أظهرتها عملية اختيار أمين عام "جامعة الدول العربية"، على منظومة العمل العربي المشترك خلال الفترة المقبلة لتكون أكثر فاعلية وحيوية وتأثيراً في مجريات الأمور عربياً وإقليمياً ودولياً بما يحفظ للعرب مصالحهم وهويّتهم في منطقة تموج بتحوّلات كبيرة وتكثر فيها مصادر الخطر وعدم الاستقرار.

Share