روحاني يحاول استمالة الشعب في خطاباته

  • 18 مارس 2021

تشهد وسائل الإعلام الإيرانية فيضًا خطابيَّا لا يتوقف لعدد من المسؤولين من أعلى الهرم إلى قاعدته، ما يجعل هذه الخطابات جديرة بالنظرة التحليلية الناقدة التي تفضي إلى رصد اتجاهات صاحب الخطاب، والتوصل إلى فهم أعمق لما وراء النص ومراميه الحقيقية.

مضمون الحدث
• في اجتماع الحكومة الإيرانية الذي عقد الأسبوع الماضي ألقى حسن روحاني، الرئيس الإيراني، خطابًا يمكن تصنيفه على أنه خطاب سياسي جماهيري، إذ إن نظرة متفحصة إلى الخطاب تُظهر بجلاء أنه كان موجهًّا إلى الشعب قبل أن يكون موجهًّا إلى الحكومة، وهذا ما يشهد به القياس الكمي للمفردات؛ فقد تكررت كلمة الشعب في الخطاب ما يقرب من 40 مرة، وهذا ما يرجح أن المتلقي المستهدَف من هذه الرسالة هو الشعب، الذي جهد روحاني في العمل على استمالته قبيل الانتخابات في ظلّ واقع محبط ومستقبل غامض الملامح، فرفْع العقوبات الاقتصادية عن طهران لا يزال أملًا يراود الساسة والشعب، بعد تولي جو بايدن رئاسة الولايات المتحدة الأمريكية، وهذا الأمل لمّا يتحول إلى حقيقة بعد، وقد لا يتحول أبدًا.

تحليل وتعليق
• أولًا: تقنيات الخطاب
• ارتكز خطاب روحاني على ثلاث ركائز:
• محاكاة المشاعر الشعبية: يدرك الرئيس الإيراني أن الشعب متعطّش إلى خطاب سياسيّ يكون معنيًّا به وبمعاناته أولًا، فاتخذ موقعه منذ البداية إلى جانب الشعب مشدّدًا على مسؤولية الحكومة الثقيلة أمام الشعب حتى في ظل العقوبات، وأن الشعب غير راضٍ عن الجهود التي تُبذل ويطالب بالمزيد برغم إدراكه للصعوبات التي تفرضها العقوبات، ومع ذلك فالشعب محقٌّ، وهو معيار كفاية هذه الجهود من عدمها.
• البراغماتية: مال جزء كبير من خطاب الرئيس الإيراني نحو الذرائعية (البراغماتية)، كي لا تبقى الأيديولوجيا هي الجزء الظاهر وحده، فالفائدة العملية هي معيار يتفق عليه الجميع، لذا فقد برهن على دعمه لمطالبات المواطنين بإبعاد السماسرة عن السوق وتوفير السلع الأساسية بأن الحكومة أنفقت 10 مليارات دولار لتوفير السلع الأساسية، واتخذت إجراءات عملية بهذا الخصوص وهي القرارات الجديدة المتعلقة بإحداث انفراجات أمام الأسواق الحدودية ليؤثر ذلك في أسعار السلع.
• الاتكاء على سلطة الدين ومهابته: معلوم أن الجمهور يتلقى الخطاب ويستجيب له حين يبدي الخطيب احترامًا للقيم الممجدة لدى المخاطبين، لذا فقد استغل الرئيس الإيراني مناسبة ذكرى الإسراء والمعراج، وتحدث مطولًا عن بعثة النبي، صلى الله عليه وسلم، والتحول الكبير الذي أحدثته البعثة في المجتمع الجاهلي، وأكد أن نهج النبي الكريم هو النهج ذاته الذي تسير عليه الدولة الإيرانية، هادفًا من ذلك كله إلى التأثير في الشعب وإضفاء القداسة على نظام الحكم.
• ثانيًا: ما وراء الخطاب
بدت الانتخابات القريبة الموجِّه الخفي لموضوعات خطاب روحاني برمتها، فهي الشاغل الحالي الأكبر للنظام، وتكشف عن ذلك ظواهر خطابية منها:
• التوزيع الضمني للأدوار في الخطاب بين السلطة والشعب والمعارضة كان لمصلحة الشعب، فهو الآن الطّرف المعوَّل عليه في مستقبل إيران الذي ستصنعه نتائج الانتخابات، فوردت كلمة (الشعب) أربعة أضعاف كلمة (الحكومة) في الخطاب، بينما غاب تمامًا أي ذكر للمعارضة بهدف صرف الأنظار عنها في هذا التوقيت المهم.
• اللجوء إلى التصنيفات المتعارضة كان محدودًا كي لا يؤدي الإسراف في درجة كثافتها إلى إهدار فاعليتها التي قامت على عرض وجهين: أحدهما مضيء مرغوب فيه، والآخر قاتم مكروه، فعندما يكون الشعب مع الحكومة فإنهما سينتصران، وإن حدثت فجوة فإن الضرر والهزيمة سيصيبان الجميع، بالاتحاد سنصل إلى النصر، وبعدم الاكتراث بالشعب لن ننتصر.
• توظيف الثوابت، إذ احتل حديث روحاني عن التاريخ الإسلامي والبعثة النبوية ما يزيد على ثلث الخطاب، وكان استحضار مبدأ الشورى في عصر النبوة استحضارًا انتقائيًّا لتعزيز التوجه المطلوب وهو تعزيز الثوابت بكيفية لا يبقى فيها للمتغير مكان، ليتوصل في النهاية إلى أن النبي المرسل كان يعدّ رأي الشعب هو الأصل، وهو يهدف من وراء ذلك إلى دفع الشعب إلى تكوين الآراء قبيل الانتخابات من دون الاجتهاد في التمحيص.

الخلاصة
• خطاب الرئيس روحاني لم يكن خطابًا موجّهًا إلى الحكومة يحاسبها وينتقدها ويطالبها بخدمة الشعب كما يبدو في ظاهره، بل كان خطابًا يهدف في المقام الأول إلى تجييش الشعب لمصلحة النظام قبيل الانتخابات، ما يعدّ تضليلًا سياسيًّا يعمل على السيطرة على التفكير الجمعي عبر تقنيات صوغ الخطاب.

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات