رهانات وأولويات على ضفاف البحر الميت

  • 22 يونيو 2003

كثيرة هي القضايا والنقاشات المطروحة على أجندة المنتدى الاقتصادي العالمي الذي بدأ أمس على ضفاف البحر الميت بالأردن، ففي ظل وجود مئات الشخصيات الدولية، وهذا الحشد الفريد من القيادات السياسية والاقتصادية بل والعسكرية أيضا ممثّلة في الأمين العام لحلف شمال الأطلسي جورج روبرتسون، تتأكد العلاقة الوثيقة بين الاقتصاد ومتغيرات أخرى ليست تابعة بالضرورة ولكنها تعكس شبكة المصالح والارتباطات التي تؤثر وتتأثر ببعضها بعضا ضمن علاقات متداخلة ومعقدة. وإذا كانت إدارة المنتدى قد ركّزت على أن تتمحور اللقاءات حول بناء أجواء المصالحة الشاملة في منطقة الشرق الأوسط، سواء بين الفلسطينين والإسرائيليين، أو تنقية الأجواء الدولية وتجاوز إفرازات حرب العراق، والسعي نحو إحلال التعاون محل الصراعات، عبر ما تصفه إدارة المنتدى بجلب "روح دافوس" إلى منطقة الشرق الأوسط لعلها تفلح في درء أجواء التشاؤم وأنباء العنف والاغتيالات السائدة في المنطقة، فإن الرهان على النمو الاقتصادي ودبلوماسية التنمية في الشرق الأوسط ربما يستوجب توافر عوامل ومتطلبات كثيرة.

فإلى جانب إحلال السلام الشامل والعادل والدائم في الشرق الأوسط، فإن نجاح رهانات النمو الاقتصادي يتطلب أيضا توافر الإرادة لدى دول المنطقة كي تستفيد من ثورة المعلومات أو "الموجة الثالثة" التي باتت محركا للاقتصاد الجديد، حيث فرضت هذه المعلومات نفسها كمحرك جديد للتنمية الاقتصادية، كما أسهمت في تبدّل أنماط الأداء الاقتصادي بدرجة وطريقة تقتربان مما أحدثته الثورة الصناعية في الاقتصاد الزراعي خلال القرن الثامن عشر. والمأمول أن تسعى دول المنطقة إلى مواكبة سرعة التحولات في أنماط المعرفة التي أصبحت موردا اقتصاديا أساسيا في عصر المعلومات، فالمعلومات باتت الطريق نحو جمع الثروات واحتلت بذلك مكانة بارزة ضمن الموارد الطبيعية التقليدية مثل الأرض ومصادر الطاقة والعمل ورأس المال، ومن يتخلّف عن هذا الركب بات مهدداً بالتخلّف الاقتصادي وتوابعه وتأثيراته السلبية المتفاقمة، فالمنافسة لم تعد إقليمية أو محدودة بل باتت ضمن فضاء اقتصادي رحب لا يعترف بالمسافات والحدود الجغرافية التقليدية، ما يهدد بالتالي باتساع الفجوات التكنولوجية وأيضا الاقتصادية والمعيشية ما لم تفطن دول المنطقة إلى ما يدور حولها من تحولات في الذهنيات والأطر المعرفية.

رفض التهميش في مواجهة تيارات العولمة الجارفة ينبغي ألا يكون مجرد شعار وكلمات تتردد داخل الغرف المغلقة أو عبر شاشات التلفزة، بل ينبغي أن يترجم إلى سياسات واقعية تنطوي على خطط تنفيذية لتفادي الوقوع ضحية للعولمة والسعي بجدية نحو الاندماج في اقتصاد عالمي مفتوح وامتلاك المقدرة على المنافسة، فتيارات العولمة لم تعد خيارا انتقائيا بل باتت واقعا يوميا ملموسا، والتحدي القائم يكمن في سبل مواجهة انعكاساتها السلبية.

إن الآمال في أن يكون التعاون الاقتصادي هو السبيل إلى سلام حقيقي في الشرق الأوسط يتطلب قناعات ذاتية وإرادة سياسية إسرائيلية تتجاوب مع الطموحات العربية في بناء سلام دائم وشامل وعادل كما يتطلب بلوغ هذا الهدف أيضا "خارطة طريق" تضمن لحاق اقتصادات دول المنطقة بقطار العولمة السريع في مساراته كافة.

شارك

الفعاليات المقبلة

إصدارات