رسائل من وراء الكهف!

جون بروني: رسائل من وراء الكهف!

  • 31 يوليو 2007

في مطلع يوليو/تموز الماضي (2007) خرج علينا الرجل الثاني في تنظيم القاعدة "أيمن الظواهري" برسالتين صوتيتين لفتتا الانتباه لسببين مهمين، أولهما: أن كلمات هذا الزعيم الإرهابي ستشحذ أصحاب العقلية المماثلة له على الاستمرار في سلوكياتهم الإرهابية. وثانيهما: ما يعكسه واقع ظهور هذا الرجل من آن ٍ لآخر وإلقاؤه لخطبه السمعية والمصورة من مكمنه (أو مكامنه)، من إشارة قوية على بقائه محتمياً بأتباعه المخلصين هو وزعيم القاعدة الأول "أسامة َبن لادن".

ولكن إلى أي مدى يشير ذلك إلى قوة تنظيم القاعدة وحيويته؟ في الحقيقة لا يمكننا قول كثير في هذا الصدد، فالمعلومات المتوافرة حول هذا التنظيم وقدراته ليست كافية لتجعلنا نحكم على مستوى قوته أو قدراته، ويؤكد هذا المعنى ما ورد في "تقرير الاستخبارات الوطني الأمريكي" الصادر حديثاً حول التهديدات الإرهابية المحيقة بالأراضي الأمريكية؛ حيث يقول: "عندما نستخدم كلمات مثل (نظن، أو نخمن، وهما تعبيران يتم استعمالهما غالباً بالترادف أو التزامن، أو عبارات مثل نقدر، أو نرجح، أو استنادا ً إلى ..)، فإننا حينئذ نحاول إصدار حكم مبني على الاستنتاج وليس على الحقيقة، فالأحكام المبنية على معلومات ناقصة أو مشوهة لا تعتبر حقيقة أو معرفةً أو برهاناً..". غير أن هذه المصطلحات تعطينا فكرة واضحة وعميقة في الوقت نفسه عن طبيعة الحرب العالمية على الإرهاب، والتي شـُنت لنسف البنية التحتية للإرهاب الدولي المتأسلم من جذورها. إنها تخبرنا بأن حربنا تلك قد صارت إلى الخسران. وبالفعل، فلو حسبنا مقدار ما دفعته أمريكا وحلفاؤها على السواء من دماء وثروات ثمناً لها، لوجدنا أن تلك الحرب التي تتزعمها الولايات المتحدة لم تقض إلا على قدر قليل من الإرهاب، على حين ألحقت خسائر كبيرة بالمدنيين في تلك الدول التي شاء حظها العاثر أن تشهد التطاحن بين القوى التي تقودها أمريكا من ناحية، والإرهابيين المتأسلمين من ناحية أخرى.

لقد أكثر صانعو سياسات بوش في البيت الأبيض من التذرع بالصبر؛ حيث طالبوا مرة تلو أخرى بمنحهم مزيداً من الوقت حتى يتسنى لهم سحق عدو ٍ بالغ الخطورة والمراوغة، وظنوا أن مزيداً من المال والسلاح والقوات سيمكنهم من تحقيق النصر، غير أنه لا يوجد بطبيعة الحال شيء مؤكد أو مضمون في مجالي السياسة والحرب. وفي الواقع فإن الطبيعة المرنة لأي نزاع سياسي أو عسكري عادة ما تجعل النتائج المتوقعة منه لمختلف الأطراف غير تلك المأمولة، لاسيما إذا استمر لمدة طويلة، فكلما طال أمد الصراع ظهرت نتائج جديدة غير متوقعة أو مرغوبة وفرضت نفسها على أرض الواقع.

ويمكننا أن نأخذ من الحرب العالمية على الإرهاب مثالاً على ما نقول، فلقد أجَّجَ الهجوم على العراق في عام 2003 المشاعر الجهادية الأصولية في بلد لم يسبق أن عرف تلك المشاعر قبل الاجتياح الأمريكي له، وتلك كانت نتيجة غير مقصودة بالطبع. وإذا ما نظرنا إلى أفغانستان، فإننا سنجد، في ظل انتفاء الهزيمة العسكرية الحاسمة لحركة طالبان خلال عامي 2001/2002، أن من نجا من عناصر هذه الحركة سُمح لهم بالتحرك بحرية وبإعادة تنظيم أنفسهم من جديد، والانتظار لخوض القتال مرة أخرى فيما بعد، وتلك أيضاً نتيجة لم تكن مقصودة. أخيراً ومن خلال إثقال المسلمين المقيمين في البلدان الغربية بالرقابة المشددة التي بلغت حد انتهاك خصوصيتهم وبقوانين الاحتجاز التي سـُنت أساسا لزيادة أمن المواطنين غير المسلمين، فإن ذلك زاد من احتمالات انقلاب المسالمين منهم إلى الأصولية، ناشرين بدورهم الخوف بين غير المسلمين، وتلك هي الأخرى نتيجة غير مقصودة.

وستزيد دهشتنا إذا ما تأملنا جيداً ة في مجريات الحرب العالمية على الإرهاب منذ إطلاقها وحتى اليوم؛ حيث نرى أن هناك تفاوتاً بالغاً في أسلوب خوض تلك الحرب ما بين الولايات المتحدة والجهاديين، فبينما نجحت الجماعات المتطرفة والعناصر الإرهابية في توريط أكبر قوة عسكرية في العالم في مستنقعين كبيرين (العراق وأفغانستان)، فإن هذه الجماعات أو الخلايا الإرهابية (جماعات وأفراداً) ليست لديهم القدرة على تقويض أو إضعاف النظام الدولي بشكل مباشر. فبدون وجود قيادة مركزية لهؤلاء تقوم بوضع الخطط السياسية اللازمة لقلب النظام الدولي، وتقترن بالقدرة على إنشاء وتدريب وتجهيز وقيادة قوى عسكرية حاشدة تكفي لذلك، ستتلاشى تلك الكينونات الإرهابية ذات الأهداف والشخصيات والقوالب التنظيمية المتصارعة فيما بينها.. نعم قد تكفي إمكانياتها لتحتل عناوين الأخبار، لكنها أقل من أن تحفظ لها حملتها الثورية ضد دولة أو مجموعة من الدول.

إن قوة المجموعات الإرهابية على وجه العموم، والقاعدة على وجه الخصوص، تعتمد اعتماداً بالغاً على الطريقة التي تستجيب بها الدول للأعمال الإرهابية، فإذا اختارت دولة ما أن يفوق رد فعلها العمل الإرهابي نفسه، فإن سلوكها ربما يكون في هذه الحالة متعمداً لتحقيق مكاسب سياسية معينة يمكن الوصول إليها من خلال سياسة الشدة والحسم. لكن زعماء الإرهاب من ناحية أخرى قد يرغبون في مثل هذا الرد المبالغ فيه لما قد يؤدي إليه غالبا من تماسك بنيانهم وزيادة قوتهم، ولاسيما إذا أسفر رد الفعل هذا عن وقوع ضحايا غير مقصودين نتيجة الاستخدام المبالغ فيه للقوة العسكرية، فهذه العناصر ستبدو خلال خوضها لحرب العصابات وكأنها ضحايا لقمع الدولة، وهو ما يسمح لزعاماتهم باجتذاب وتجنيد مزيد من العناصر الجديدة من بين المقموعين والمشردين والمحرومين من حقوقهم داخل هذه الدولة. وكلما تمادت الدولة في القمع اكتسب الزعماء الإرهابيون مزيداً من التأييد والدعاية لأجندتهم الخاصة، حتى يصبح هؤلاء وكأنهم هم قلب وجوهر المقاومة الشرعية.. تلك تحديداً هي الآلية التي نراها بوضوح في خضم الحرب الراهنة على الإرهاب.

إن القاعدة تجني الكثير بإتيانها أقل القليل من الأعمال. فَجـُّـل ما يحتاجونه هو الظهور وكأنهم يحضرون لارتكاب مزيد من الفظاعات من دون حاجة بالفعل لارتكابها. وحتى عندما يقوم بعض أفراد التنظيم غير الماهرين بالهجمات كما رأينا في لندن وجلاسجو، فإن ذلك سيكون كافياً من الناحية السياسية ليدفع المملكة المتحدة لإظهار قوتها.. إنه لمن سوء الطالع أن قلة فقط من الحكومات الغربية لا تبالغ في ردة فعلها على العمليات الإرهابية.

لاشك أن الدول في حاجة الآن إلى مزيد من الدهاء حتى تنصب الفخ المحكم للإرهاب. فكلما خـُفِفَ الاحتقان المتولد عن التهميش والاضطهاد السياسي والاجتماعي في الدول المضطربة رغب الناس في نبذ الإرهابيين ومن تعاطف معهم. إن شعور المرء بقيمته في دولته بغض النظر عن التفاوت الثقافي أو العرقي أو الطائفي، كفيل بتقليص انخراطه في أعمال العنف ضدها، أو تقديم الدعم لمن يقدم على فعل ذلك.

علينا أن نتذكر أن الأفكار المتطرفة لـ "أسامة بن لادن" و"الظواهري" لا يمكن أن تنمو وتزدهر إلا في بيئة مضطربة تسود فيها فوضى الاستشهاد. ولا شك في أن الرجلين يستفيدان من المغامرات الفاشلة التي تقوم بها الدول ومن رغبة الساسة الملحة في عدم الظهور أمام ناخبيهم بمظهر الضعيف. إن طموح رؤساء الدول والحكومات في الظهور بمظهر قادة الحرب في الوقت الذي لا توجد فيه حرب حقيقية يمكن خوضها، كما يتضح من التاريخ المعاصر، يعكس قدراً كبيراً من التهور والخطورة، ويخلق حالة من عدم الاستقرار غير المبررة. ومع ذلك فعادة ما يكون من السهل إظهار الشجاعة والقدرة على التحدي طالما كان مصدر الخطر بعيداً.

Share