رابطة الجوار العربي: الجدوى واحتمالات التطبيق

  • 12 أبريل 2010

قدم الأمين العام للجامعة العربية، عمرو موسى، في قمة سرت العربية الأخيرة اقتراحا بإنشاء رابطة لدول الجوار العربي يتم في إطارها وضع أسس لسياسة تعاون جديدة مع دول الجوار المحيطة بالعالم العربي، في مقدمتها إيران وتركيا ودول أخرى في جنوب المتوسط وأفريقيا، تقوم على تعظيم المصالح المشتركة وتحقيق الأمن لكل أطراف هذه الرابطة.

يلحظ المتابع للشأن العربي أنه ليس هناك حتى الآن استراتيجية متفق عليها في إطار مؤسسات العمل العربي، وعلى رأسها جامعة الدول العربية، للتعامل مع القضايا والمشكلات الإقليمية المختلفة، التي يتم مواجهتها غالباً بشكل فردي ومشتت وأحياناً متضارب. وقد جاء اقتراح عمرو موسى في هذا الشأن في الوقت الذي تواجه فيه المنطقة العربية مرحلة بالغة الخطورة. فهي تشهد منذ عقود حالة من انعدام الوزن على المستويين الإقليمي والدولي، اتسع معها نطاق أقلمة القضايا العربية وتدويلها نتيجة للطوفان السياسي الذي عصف بروابط التضامن العربي، ومتاهة الخلافات العربية-العربية المزمنة، التي جعلت المنطقة العربية تشهد حروباً باردة عربية-عربية، أدت إلى حدوث مزيد من الاختلال في التوازنات الإقليمية، وصعود الأدوار الإقليمية غير العربية على حساب الأدوار العربية. وكان الحصاد المر في النهاية يتمثل بأن العرب أصبحوا يعيشون فراغ القوة المرير على كافة المستويات، في الوقت الذي راكمت فيه إسرائيل عناصر قوتها واستمرت في تكريس فجوة القوة بينها وبين الدول العربية مجتمعة، وعادت بنشاط ملحوظ إلى سياسة تأليب دول الجوار الجغرافي للمنطقة العربية ضد المصالح العربية، ومن مظاهر هذا التحرك جولة ليبرمان، وزير خارجية إسرائيل، الأخيرة في بعض الدول الإفريقية بهدف تطويق الدول العربية المعنية.

وربما تكون حالة الضعف العربي الراهنة هي سبب خشية بعض الدول العربية من القيام بالحوار مع دول كإيران حتى لا ينعكس هذا الضعف على مخرجات هذا الحوار ومضمونه.

ومن المعروف أن أغلب التجمعات الإقليمية تولي اهتماماً خاصاً بمناطق جوارها الجغرافي المباشر، وتعمل على تأمينها بإقامة آليات لتنمية المصالح المشتركة معها، وتقوم لتحقيق هذا الغرض بوضع رؤى جماعية تجاه دول الجوار على نحو ما يقوم به الاتحاد الأوروبي تحت مسمى "السياسة الأوروبية تجاه الجوار الجغرافي". وعلى الرغم من أن الواقع العربي الراهن قد لا يوفر مقومات إقامة حوار متوازن ومأمول مع دول الجوار، فإن ذلك لا يمنع من استكشاف سبل الدخول في هذا الحوار على النحو الذي يحقق المصالح العربية، بل ربما يكون ذلك سبباً في استنهاض هذا الواقع المر. وقد أشار الأمين العام إلى هذا المعنى بقوله "إذا لاقى هذا الاقتراح قبولاً عربياً سيعتبر قراراً تاريخياً يمكن أن يغير من طبيعة الحركة الإقليمية ويسهم في ترشيدها وتفعيلها".

وقد تحفظت بعض الدول العربية مثل مصر والسعودية على هذا الاقتراح، في حين أيدته دول عربية أخرى بدرجات متفاوتة. وترى الدول المتحفظة أن حال ضعف النظام العربي وتراجعه الراهن يفرض على دول هذا النظام التركيز أولاً على إصلاح هذا النظام بإعادة الاعتبار إليه وليس بالهروب إلى دول الجوار. فمع أهمية التوجه نحو تعزيز العلاقات مع دول الجوار من أجل دفع إسرائيل لإعادة التفكير في سياساتها الرافضة للسلام، فإن ذلك لن يؤدي بالضرورة إلى تفعيل النظام العربي، الذي تتركز مشكلته الأساسية في تراخي أعضائه عن دعمه. ويرى أصحاب هذا الرأي أن النظام العربي في حالة تقهقر ودفاع عن النفس، فيما تبدو الأطراف الإقليمية الأخرى أكثر قوة وقدرة على تغير معادلة الحوار لصالحها، الأمر الذي يفرض إصلاح النظام العربي أولاً حتى يمكن الدخول في هذا الحوار من منطلق قوة وبرؤية موحدة تساعد على الحفاظ على المصالح العربية.

أما الفريق الآخر فيرى أن الأوضاع العربية الراهنة هي التي تبرر الدعوة إلى تبني هذا الاقتراح لإعادة التوازن إلى المنطقة العربية، والرُشد إلى التصرفات الإسرائيلية المتغطرسة. فالدعوة إلى الحوار مع دول الجوار لا تعني التقليل من مقومات النظام العربي لصالح أي نظام آخر كالنظام الشرق أوسطي، بل إن النظام العربي مطالب في هذه المرحلة على وجهة الخصوص بأن يعيد النظر في خلافاته الداخلية المزمنة من ناحية، وأن يعمق علاقاته مع دول الجوار من ناحية أخرى، وذلك لتوليد ضغوط إقليمية موازية تدعم الموقف العربي تجاه قضاياه العادلة، ويرى هؤلاء أنه إذا ما تم وضع أسس عربية مشتركة للحوار مع دول الجوار تسترشد بالمصالح العربية العليا فإن نتائج مثل هذا الحوار سيخدم بلا شك المصالح العربية.

وقد تركز التباين في الآراء حول اقتراح الأمين العام للجامعة العربية على جدوى الدخول في حوار مع إيران تحديداً. فبالنسبة إلى تركيا هناك توافق عربي عام حول أهمية تعميق آليات الحوار معها، وترحيب بدورها الإقليمي المتزايد في المنطقة، كما أن هناك حالات عدة من التنسيق السياسي الناجح بين تركيا وعدد من الدول العربية. وبطبيعة الحال فإن لتركيا طموحات إقليمية، لكنها تدير هذه الطموحات في إطار توافقي مع أعضاء النظام العربي. وقد تم إنشاء منتدى لـ" التعاون العربي-التركي" عام 2009، كما حصلت تركيا على صفة مراقب في الجامعة العربية، وأقامت مستويات عدة للتعاون الاستراتيجي مع دول عربية كمصر وسورية.

بالمقابل فإن السياسات الإيرانية أصبحت مثيرة لقلق ومخاوف الدول العربية، فإيران تتبنى سياسة تدخلية في الشؤون العربية الداخلية، وتحاول فرض إملاءاتها على دول الخليج العربية بصفة خاصة، كما تسعى إلى إشاعة عدم الاستقرار في جوارها الجغرافي. وآخر مظاهر هذه التدخلات الإيرانية كان تدخلها في الشؤون الداخلية اليمنية ودعمها لحركة الحوثيين. ولا تخفي إيران طموحاتها الإقليمية غير العادية المستندة إلى قوتها العسكرية، وسعيها إلى أن تصبح القوة الإقليمية المهيمنة في منطقة الخليج، وأن يكون لها دور رئيس في إرساء بنية هيكلية أمنية خاصة بها في المنطقة تستبعد منها أي دور عربي من خارج منطقة الخليج،  كما تحاول أن تستغل حالة الضعف العربي الراهنة بترسيخ وجودها كلما كان ذلك ممكناً،  ما أشعر دول الخليج، والدول العربية عموماً، بالقلق والمخاوف المبررة من هذا السلوك، يضاف إلى ذلك إصرارها على مواصلة احتلال الجزر الإماراتية الثلاث ورفضها للتحكيم الدولي في هذه القضية،  وكذلك موقفها الغامض في ملفها النووي، والذي يعكس بدوره رغبة طهران في أن تصبح قوة إقليمية مهيمنة في منطقة الخليج. ومجمل هذه المواقف والسلوكيات تشكل ?في تقدير بعض المراقبين- عقبة أساسية في سبيل التقارب العربي-الإيراني، كما يرى هؤلاء أن فتح حوار مع إيران في ظل المعطيات الراهنة سيمثل تسويغاً لمواقفها السلبية تجاه المنطقة العربية.

في المقابل هناك من يرى أنه مع الأخذ في الاعتبار المخاوف العربية المبررة تجاه سياسات إيران، فإن التعامل مع هذه المخاوف وحل الإشكاليات العالقة لن يتم في غياب الحوار مع إيران واتباع سياسة المقعد الخالي. فقد ارتضت الدول العربية منذ وقت طويل ترك الملف الإيراني بكل تفرعاته للدول الكبرى، على أمل أن يؤدي ذلك إلى تسوية، ولكن هذه التسوية إذا تمت في غياب العرب، فإنها ستجيء بالضرورة على حسابهم وضارة بمصالحهم، ولاسيما مصالح دول الخليج العربية، وستؤدي إلى تكريس حالة الاستقالة العربية من حل المشكلات الإقليمية مع إيران.

ويرى بعض المحللين والسياسيين أنه يمكن الخروج من هذا المأزق عبر تفويض الأمين العم للجامعة العربية بإجراء حوار استطلاعي يستكشف من خلاله مدى إمكانية إجراء حوار إيجابي شامل مع إيران لحل المشكلات الإقليمية العالقة معها دون أي تنازلات عربية أو التخلي عن التحفظات العربية الراهنة على السياسات الإيرانية.

ويبدو أن عمرو موسى مستوعب ومتفهم لهواجس بعض الدول العربية تجاه إيران، ولاسيما مشكلة استمرار احتلالها للجزر الإماراتية الثلاث، وتدخلها المتواصل في الشؤون الداخلية العربية، لهذا تبنى اقتراحاً متدرجاً في تنفيذ فكرة الرابطة مع الأطراف الإقليمية المعنية. فهو يرى أن تكون نقطة البدء مع تركيا، التي نوه بسياستها الإقليمية ووصف دبلوماسيتها بالكفاءة والفاعلية، في حين وصف سياسة إيران بالعاصفة، وأنها "ذات تأثير لا يخفى على مجمل الوضع الأمني بالمنطقة"، كما أشار بوضوح إلى خطورة إثارة الصراع الشيعي-السني، واعتبره تهديداً لاستقرار المنطقة.

ومع ذلك يرى موسى أن الحوار الاستكشافي مع إيران بشأن القضايا الإقليمية العالقة معها ضروري لاستطلاع مدى استجابتها لإعادة النظر في مواقفها، مشيراً في هذا الصدد إلى حوار الأطراف الغربية مع إيران على الرغم من الخلافات الشديدة معها،  ومضيفاً أن الحوار في جميع الأحوال ضروري مع من نختلف معهم. ونتيجة لتباين المواقف العربية حول اقتراح الأمين العام فقد تم الاتفاق على إحالة مناقشته إلى القمة العربية الاستثنائية التي ستعقد في أكتوبر المقبل.

ويبقى التساؤل عن احتمالات حدوث توافق عربي على سياسة "رابطة الجوار" أمراً مشروعاً، وسيتوقف الأمر بطبيعة الحال على نجاح مؤيدي هذا الاقتراح في إقناع معارضيه بحججهم. فإذا كانت المخاوف العربية المبررة من السياسات الإيرانية لا تشكل أجواء سياسية مواتية لإقامة علاقة حوار تتسم بالندية مع إيران، فإن الاستمرار في سياسة الابتعاد وعدم القيام بإجراء أي حوار مع طهران لن يساهم في حل الإشكالات العالقة معها. ومن هنا فإننا مع الرأي القائم بأن الحوار الاستطلاعي الذي اقترحه عمرو موسى يشكل حلاً وسطاً لاستكشاف مدى استعداد إيران لإحداث تغير إيجابي في سياستها تجاه المنطقة العربية. وعلينا ألا نعبر النهر قبل الوصول إليه. ومن المفيد أن نعطي الحوار الاستكشافي المقترح فرصته، وننتظر نتائجه ونحكم عليها في حينه، فإذا لمسنا موقفا إيرانياً إيجابياً سعينا إلى تطويره، وإذا اكتشف الأمين العام للجامعة أنه أمام فجر كاذب واستمر التعنت الإيراني فلن نواصل هذا الحوار. وربما يحفز تنشيط العلاقة مع تركيا إيران على تغيير سياستها. وهناك مثل فرنسي يقول: إن من لا يخاطر بشيء لن يكسب شيئاً.

Share