رؤية نقدية للتقرير الأمريكي حول الإرهاب

د. عبدالعزيز شادي: رؤية نقدية للتقرير الأمريكي حول الإرهاب

  • 25 مايو 2008

عندما نفكر في التعاطي النقدي مع تقرير الإدارة الأمريكية حول الإرهاب لعام 2007 والصادر في مطلع شهر مايو/أيار الحالي (2008)، فإننا نؤسس هذا التفكير على معطيين مهمين: الأول؛ أن منتج هذا التقرير يهدف بالمقام الأول إلى صناعة المعرفة الخاصة بالظاهرة الإرهابية، ليس فقط داخل دوائر الرأي العام الأمريكي، بل أيضاً لدى الرأي العام الدولي وأجهزة صنع السياسة الدولية، بعبارة أدق تسعى الإدارة الأمريكية إلى تكوين الذهنية الدولية الخاصة بهذه الظاهرة بما يتوافق ورؤيتها لها، كما تريد أن تحول ما أنجزته في مجال مكافحة الإرهاب إلى مواثيق ترصد فيها التحديات والاقترابات المتعلقة بها، وبعبارة أخرى، تريد الإدارة الأمريكية أن تحتكر وتقود عملية صنع الصورة والسياسة الدوليتين في مجال مكافحة الإرهاب اعتماداً على ما تتمتع به من وضع مهيمن عالمياً؛ فالقوة تصنع الحق وتدعو له.

 الثاني؛ أن هذا التقرير هو الأخير في عهد إدارة الرئيس بوش، التي اتسم عهدها بمحاربة الإرهاب بشكل لم يسبق له مثيل في تاريخ الإدارات الأمريكية، ومن ثم فإنه يصبح من الأهمية بمكان بالنسبة لهذه الإدارة توثيق إنجازاتها واستراتيجياتها في مجال مكافحة الإرهاب في عامها الأخير، وبالتالي فإن مراجعة هذا التقرير تعد على درجة عالية من الأهمية لنرصد مدى نضج تلك الإدارة في التعامل مع الإرهاب.

 لقد رصد التقرير حالة التنظيمات الإرهابية في العالم، وكان جلّ تركيزه على تنظيم القاعدة، وما تفرع عنه من تنظيمات وتحالفات في مختلف مناطق العالم؛ معتبراً أن هذا التنظيم وحلفاءه لا يزالون يشكلون "الخطر الإرهابي الأكبر على الولايات المتحدة وشركائها". وركز بشكل خاص على نشاطات التنظيمات الفرعية للقاعدة التي تزايدت في كثير من المناطق، لاسيما في بلاد المغرب العربي؛ حيث زادت أنشطة وهجمات "تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي" ولاسيما في الجزائر، وعرض لنشاط الجماعة الإسلامية المقاتلة في ليبيا، وأثبت ولاءها لتنظيم القاعدة، لكنه أشار في المقابل إلى تدهور موارد وعلاقات تنظيم القاعدة في العراق والصومال وموريتانيا، مؤكداً أن ذلك التدهور لم يمنع تطور القدرات الإعلامية للقاعدة، وازدياد قدرتها على الوصول إلى جماهير متنوعة من خلال الإنترنت. ولكن التقرير تجاهل حقيقة أن نجاح تلك الجماعات كان نتيجة لاستغلالها إحباطات الشعوب الإسلامية النابعة من سقوط بغداد، وتدهور الوضع في السودان، والغزو الأثيوبي للصومال وتطورات الأوضاع في فلسطين المحتلة.

 وأبرز التقرير التحول المهم في أسلوب الجماعات الإرهابية من الهجمات الخاطفة إلى حرب العصابات، وذلك من خلال ما يسمى بالخلايا النائمة التي تنتظر اللحظة المناسبة للمشاركة في العمليات الإرهابية التي تستنزف القدرات الخاصة بالمجتمع المستهدف، وتبرز خطورة تلك الخلايا في سعيها لامتلاك أسلحة دمار شامل، واعتبر التقرير ما يحدث على الحدود الأفغانية-الباكستانية نموذجًا للأسلوب الجديد لحرب العصابات؛ حيث استطاعت طالبان أن تعيد ترتيب أوراقها، وأصبحت قادرة على تعبئة موارد مالية وبشرية تستنزف بها حكومتي أفغانستان وباكستان بشكل بات يهدد الدولة الباكستانية.

 كما أشار التقرير إلى حركات إرهابية جديدة مثل جند الشام وعصبة الأنصار وفتح الإسلام داخل المخيمات الفلسطينية في لبنان؛ واصفاً هذه المخيمات بأنها تمثل ملاذًا آمنًا لظهور ونمو حركات التطرف والإرهاب في ظل ضعف الحكومة في لبنان، ولكن التقرير لم يفسّر أسباب نمو هذه الحركات، وتجاهل دور الاحتلال الإسرائيلي ومسؤوليته عن نشأة تلك المخيمات بكافة خصائصها، والتي يعتبرها مسؤولة عن خلق تلك الحركات التي عدها التقرير إرهابية.

 لم يختلف التقرير في تعريفه للإرهاب، رغم ادعاء القائمين عليه عكس ذلك، عن التعريفات الواردة في تقارير السنوات السابقة؛ فالإرهاب هو فعل متعمد له دوافع سياسية يستهدف المدنيين غير المشاركين في عمليات عسكرية، وينظر التقرير إلى الإرهاب على أنه تكتيك تستخدمه حركات متنوعة، بعضها إسلامي كالقاعدة، وبعضها غير إسلامي كحركة فارك في كولومبيا، وهنا نجد الخلط الدائم بين الإرهاب وحركات التحرر والحركات الانفصالية وحركات التمرد وعصابات الجريمة المنظمة، ويدعي التقرير وفقاً لذلك أن حركة حماس وحزب الله حركتان إرهابيتان، وهو أمر يتناقض مع رؤية كل من الشعب الفلسطيني والشعب اللبناني للحركتين.

 ومن بين المفاهيم التي لم تختف من فكر الإدارة الحالية مفهوم الدول الراعية للإرهاب، والذي شمل ذات الدول التي تضمنتها التقارير السابقة وفي مقدمتها؛ إيران وسورية وكوريا الشمالية والسودان وكوبا، وهي دول في مجملها مناهضة للسياسة الأمريكية، الأمر الذي يؤكد الطابع السياسي غير المهني للتقرير. ومن بين هذه الدول، ركز التقرير على إيران التي وصفها بالدولة الأولى الراعية للإرهاب، والأكثر خطورة على الأمن القومي الأمريكي، مبرراً ذلك على أساس استراتيجيتها الداعمة للإرهاب الإقليمي والدولي؛ فالأمن القومي الإيراني قائم على ردع أي هجمات محتملة من إسرائيل أو الولايات المتحدة، كما أن دعم نفوذ إيران الإقليمي غالبًا ما يستهدف طرد الولايات المتحدة من الشرق الأوسط وإضعاف الوجود الأمريكي في المنطقة. وتستخدم إيران ورقة حزب الله في لبنان والميليشيات الشيعية في العراق لزعزعة استقرار الترتيبات الأمريكية هناك. ولكن التقرير تجاهل حقيقة أن ما وصلت إليه إيران من قدرة على التأثير إقليمياً راجع في المقام الأول إلى زوال الكوابح الجيواستراتيجية بفضل انهيار الدولة العراقية على أيدي التحالف الأمريكي-البريطاني، فما كان لإيران أن تمسك بأوراق اللعبة الإقليمية لولا انتهاء الدولة العراقية وصعود الطائفية والمذهبية كبديل للهوية العراقية الموحدة.

 ومن أهم التحديات التي عرضها تقرير هذا العام ظاهرة التطرف الإسلامي في أوروبا، ويجدر التنويه هنا إلى حدوث تطور إيجابي في اقتراب التقرير من هذه الظاهرة، وبرز ذلك في أكثر من مؤشر، مثل: رفض فكرة الربط بين التطرف الإسلامي في أوروبا من جانب وطبيعة الإسلام من جانب آخر، والاعتراف بوجود إحباطات لدى الشباب الأوروبي تستغلها جماعات التطرف والإرهاب؛ حيث رفض التقرير النظر إلى هؤلاء الشباب على أنهم مصدر تهديد، بل اعتبرهم هدفاً محتملاً للتجنيد بواسطة الحركات الإرهابية لا بدّ من إنقاذه بواسطة قيادات المجتمع المدني المحيطة به، والحيلولة دون نجاح حركات الإرهاب في كسب تعاطف هؤلاء وتجنيدهم وإشراكهم في هجماتها الإرهابية، وذلك من خلال اتباع منهج الوقاية الشاملة.

 ويعد مفهوم الملاذات الآمنة من بين المفاهيم المهمة التي تعامل معها هذا التقرير بقدر كبير من الاهتمام، ولم يقتصر التعامل على الرصد والتحليل، بل تجاوز ذلك إلى وصف العلاج الناجح للقضاء على تلك الملاذات؛ حيث عرف الملاذ الآمن بأنه منطقة غير محكومة، أو محكومة بحكومة ضعيفة غير مستقرة، أو افتراضية (الإنترنت) تسمح للجماعات التي تهدد المصالح الأمريكية بالوجود والتنظيم والتجنيد والتدريب والدعوة والتمويل بشكل آمن نظراً لضعف قدرة الحكومة أو لتورطها ورضائها أو للسببين معاً. وبناءً على ذلك عدّد التقرير مناطق متنوعة في أفريقيا وآسيا، مشيراً إلى نجاح الحرب على الإرهاب في تقليص تلك الملاذات الآمنة، وتحويل التعاطف مع حركات الإرهاب إلى عداء مجتمعي لهم، مما أدى إلى عدم استقرار قيادات الإرهاب؛ حيث أصبحت موضعاً للمطاردة والهروب الدائم بسبب ما أمدت به الولايات المتحدة حلفاءها وشركاءها من قدرات، وما تم من تنسيق في مجال تبادل المعلومات، وما قدمته من دعم لبناء القدرات والمؤسسات في مناطق عدة من العالم، وشمل القوة الناعمة وكذلك القوة الصلبة، بهدف مساعدة المجتمعات التي عانت من الإرهاب.

 وركز التقرير كذلك على النجاحات التي حققتها بعض الدول في مجال محاصرة الإرهاب من خلال برامج إعادة التأهيل التي قدمتها دول كالسعودية، التي نجحت في تحويل عدد من المتطرفين إلى مواطنين مسالمين. ويمكن هنا أيضاً ذكر الحالة المصرية، التي قدمت نموذجاً لم يهتم التقرير بإبرازه؛ حيث أعلنت جماعتا الجهاد والجماعة الإسلامية عن مراجعتهما للأيديولوجية التي كانتا تتبنيانها في الماضي ضد الدولة في مصر. ولم ينس التقرير البعد الدولي في مواجهة الإرهاب؛ حيث أشار إلى أهمية تعبئة الإرادات والموارد الدولية لمواجهة الإرهاب، وشدد كذلك على فعالية التحالف الدولي في تلك المواجهة، سواء في الشرق الأوسط أو في أوروبا، وأعطى أمثلة على قدرة هذا التحالف على إحباط العديد من المحاولات الإرهابية، كما اهتم بإبراز التكامل بين الأدوات الأمنية والسياسية والاستراتيجية والمؤسسية وأثر ذلك على مكافحة الإرهاب سواء داخل الولايات المتحدة أو خارجها.

 وفي الخاتمة، لابد من الاعتراف بأنه رغم وجود درجة عالية من النضج في مفاهيم تقرير هذا العام، وفي الاقتراب المقترح منه للتعامل مع ظاهرة الإرهاب، فإنه مازال يمثل انعكاساً بدرجة أو بأخرى لرؤية الولايات المتحدة، وليس فقط الإدارة الجمهورية، للإرهاب، والتي غالباً ما تعكس درجة ملحوظة من النفعية في السياسة الأمريكية، ففي يوم من الأيام كان عرفات إرهابياً، ثم استقبله كلينتون في البيت الأبيض استقبال الفاتحين، ثم تحول إلى عقبة في طريق السلام، فالنفعية أو البرجماتية كانت ومازالت هي سمة السياسة الأمريكية.

 وتعكس تلك البرجماتية المفهوم الأمريكي للمصلحة الوطنية كما تصوغه المؤسسات الأمريكية وليس الإدارات الحاكمة، جمهوريةً كانت أو ديمقراطيةً؛ فصلب نظرية الأمن القومي الأمريكي تحدده المؤسسات، فهي التي تحدد التهديدات، وهي التي تعطي مرونة لصانع السياسة ومنفذها في تحويل مصادر هذه التهديدات إلى أشكال جديدة من التفاعلات، ففي السياسة الأمريكية لا توجد صداقة دائمة أو عداء دائم، فالقاعدة كانت يوماً أداة أمريكية لاستنزاف الاتحاد السوفيتي السابق، وها هي ذي تصبح العدو الأكبر للأمن الأمريكي.

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات