رؤية عميقة لإحياء الحضارة العربية

  • 14 فبراير 2017

قدَّم صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، خلال الجلسة الحوارية التي عُقِدت، أول من أمس، ضمن القمة العالمية للحكومات، رؤية عميقة وشاملة لكيفية إحياء الحضارة العربية، وإعادة إسهاماتها في الحضارة الإنسانية، وهي الرؤية التي تنطلق من نجاح التجربة الإماراتية في التنمية والبناء، بالنظر لما تتضمنه من أسس ومرتكزات يمكن الاستفادة منها عربياً في استئناف مسار التنمية، وإحياء الحضارة العربية العريقة. أول جوانب هذه الرؤية تتمثل في الإدارة الفاعلة والناجزة، حيث قال سموه في هذا الشأن: «إن العالم العربي لديه الإمكانات المطلوبة كافة، الإمكانات البشرية المؤهلة والمتعلمة والأموال، ويمتلك الأراضي الخصبة والموارد، ولا ينقصه إلا الإدارة، إدارة الحكومات والاقتصاد والموارد البشرية والبنية التحتية، فالإدارة هي أهم العناصر». لا شك أن الإدارة تمثل أهم أسس النجاح، حيث تشير تجارب الدول المتقدمة إلى أنه لا نهضة حقيقية من دون إدارة فاعلة للموارد وتوظيفها بشكل أمثل لتحقيق التقدم بمفهومه الشامل. ثانيها، الاستثمار في بناء الإنسان، باعتباره الثروة الحقيقية التي تقود مسيرة التنمية والبناء، حيث قال سموه: «إن أكبر إنجاز في الإمارات على الإطلاق يتمثل في صناعة الإنسان، فالإنسان هو القادر على كل شيء، إنسان قادر على إدارة الاقتصاد والمال، إنسان وصل إلى مصاف الأوائل». وهذه حقيقة واضحة، فالإنسان هو محور الرؤية التنموية في الإمارات منذ إنشائها في عام 1971، ويقع في مقدمة أولويات القيادة الرشيدة واهتمامها، من منطلق إيمانها بأن العنصر البشري أهم عناصر قوة الدولة الشاملة، وأكثرها تأثيراً في الحاضر والمستقبل. ثالثها، الإيمان بقيمة التخطيط الذي يقرأ الواقع ويستشرف المستقبل جيداً من خلال أدوات وآليات قابلة للتنفيذ، حيث قال سموه: «إن الرؤية لا تكفي، ولابد من تخطيط وخطة، ومن خلالها يمكن معرفة وتوقع المستقبل والاستعداد له، والتنفيذ يجب ألا يواكب الرؤية والتخطيط، ودونه فلا فائدة منه».

وبالنظر إلى تجربة الإمارات، يتضح أنها منذ نشأتها عام 1971 وهي تدرك قيمة التخطيط الاستراتيجي، باعتباره المدخل نحو ترجمة أهدافها وطموحاتها في مختلف المجالات، فما كانت لتصل إلى ما وصلت إليه من نهضة شاملة في المجالات كافة من دون هذا التخطيط بعيد المدى، الذي يرسم الأهداف ويضع الآليات التي تنفذها. رابعها، محاربة الفساد لأنه العائق الرئيسي أمام أي تقدم، حيث قال سموه: «الفساد في الحكومات والدول سبب التخلف، وهنا في دولة الإمارات لا نسمح بالفساد أبداً، ولا نسكت عن خطأ». وهذه حقيقة دامغة، فالدول التي ينتشر فيها الفساد تتراجع فيها معدلات التنمية والعكس، ودولة الإمارات تقدم نموذجاً في محاربة الفساد، بدليل تصدرها بلدان منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، بصفتها الأكثر شفافية والأفضل على مستوى مكافحة ممارسات الفساد ضمن مؤشر مدركات الفساد 2016، الذي أصدرته حديثاً منظمة الشفافية الدولية، ما يؤكد أنها تمتلك إطاراً قانونياً وتشريعياً مكنها من محاصرة الفساد إلى أقصى درجة ممكنة. خامسها، الاستثمار في الشباب، لأنهم طاقة كبيرة ينبغي العمل على توظيفها بشكل فاعل، والاستفادة منها في دعم مسيرة النهضة العربية، حيث نصح سموه في هذا الشأن الجامعة العربية أن تفتح مجالاً للشباب العربي والمشاريع الجديدة، وتفتح المجال للمتخصصين، واقترح سموه أن يكون للجامعة فرع للشباب في دولة الإمارات العربية المتحدة، وأبدى سموه استعداد الدولة لإطلاق دورات تدريبية للشباب ليصبحوا جاهزين للقيادة والإدارة.

هذه الرؤية العميقة والمتكاملة، التي تقف وراء نجاح تجربة التنمية في الإمارات، تقدم وصفة ناجحة لإحياء الحضارة العربية، ووضع العالم العربي على الطريق السليم، طريق البناء والتنمية والاستثمار في الإنسان، لأن الدول العربية لا ينقصها أي شيء للحاق بركب الحضارة العالمي، لأنها صاحبة حضارة عريقة، وقادرة على استئنافها مجدداً بما تمتلكه من موارد وإمكانيات هائلة، لكن تبقى الإدارة الفاعلة والإرادة القوية والتخطيط الاستراتيجي المستقبلي وتمكين العنصر البشري والانفتاح البناء على العالم، وهذا ما تقدمه الإمارات من دروس يمكن الاستفادة منها والبناء عليها، من أجل إحياء الحضارة العربية.  

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات