رؤى مهمة لفكر مستنير ووسطي

  • 20 مايو 2015

خرجت الندوة العلمية التي نظمها مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية، أمس الثلاثاء، تحت عنوان "السراب: الفكر المستنير في مواجهة الإرهاب" برؤى وتصورات ثرية تسهم في بناء فكر مستنير ووسطي، قادر على التصدي للأوهام التي تحاول الجماعات الدينية السياسية تسويقها في المجتمعات العربية والإسلامية، هذه الندوة التي تمحورت حول كتاب "السراب" أحدث مؤلفات سعادة الدكتور جمال سند السويدي، مدير عام مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية، وشارك فيها كوكبة من العلماء والخبراء في حركات الإسلام السياسي من داخل دولة الإمارات العربية المتحدة وخارجها، أكدت ضرورة الاهتمام في هذه المرحلة بالجانب الفكري والثقافي في الحرب ضد القوى الدينية الظلامية التي تدّعي الحديث باسم الإسلام، وتشيع أجواء الاحتقان الديني والطائفي بين شعوب منطقتنا، وتتغذى على خداع البسطاء عبر شعارات زائفة لم تقدم لهم سوى الوهم والدمار والدم. 

لقد عبّرت كلمة سعادة الدكتور جمال سند السويدي في افتتاح الندوة عن طبيعة الخطر الذي تشكله جماعات الإسلام السياسي وتياراته، باعتبارها أخطر التحديات التي تواجه كثيراً من الدول العربية والإسلامية، لأنها تشترك كلها في استغلال الدين الإسلامي الحنيف لتحقيق أهداف سياسية، وتأجيج الصراعات بين أصحاب الطوائف والمذاهب والأديان، فضلاً عن أن هذه الجماعات لا تعبر عن الإسلام وإنما هي انحراف عن تعاليمه السمحة، وأنها تهدد المسلمين أكثر من غيرهم، ولذلك وجبت المواجهة الفكرية الحاسمة لها، المواجهة التي لا تقلّ أهمية عن المواجهة الأمنية أو العسكرية. 

في ظل الخطر الذي تشكله هذه الجماعات الدينية السياسية، فإننا بحاجة إلى رؤى جديدة لصياغة فكر مستنير قادر على تفنيد الأوهام التي تسوقها هذه الجماعات، فكر يؤمن بالانفتاح والحداثة والعصرنة، كي نستطيع كدول عربية وإسلامية أن نواكب مسيرة التنمية والتطور والإسهام الفاعل في الحضارة الإنسانية، ولعل الرؤى والتصورات المهمة التي قدمها الخبراء المشاركون في هذه الندوة يمكن البناء عليها في سبيل تحقيق هذا الهدف: أولها، تفعيل المواجهة الفكرية والثقافية لكشف الأوهام التي تروجها هذه الجماعات الدينية السياسية، وإنهاء الذرائع التي تقف وراء تغلغلها في بعض المجتمعات العربية والإسلامية، عبر تعبئة الموارد المادية والمعنوية التي تملكها الدولة والمجتمع المدني في وجه هذه الجماعات. وثانيها، إبعاد الدين عن السياسية، والاستفادة من التجربة الأوروبية في هذا الشأن، فإذا كان الفصل بين الدين والسياسة في أوروبا في العصور الوسطى هو طريقها نحو التقدم العلمي والارتقاء الإنساني، فبإمكانه أن يقود إلى النتائج نفسها في العالمين العربي والإسلامي. وثالثها، العمل على تصحيح صورة الإسلام باعتباره دين العلم والعقل والمنطق والتسامح والحوار وقبول الآخر، لا كما يقدم من جانب هذه الجماعات، باعتباره ديناً منغلقاً متعصباً رافضاً للآخر، فالحضارة الإسلامية ترتبط في جوهرها بقيم هذا الدين ومبادئه السمحة ووسطيته التي ظلت لعقود بمنزلة صمام الأمان للحفاظ على أمن المجتمعات العربية والإسلامية واستقرارها. ورابعها، التحرك باتجاه الإصلاح الديني والتنوير جنباً إلى جنب مع الإصلاح المجتمعي وتحرير إرادة البشر، بما يقطع الطريق على سعي هذه الجماعات والتنظيمات إلى بناء عمق اجتماعي مستغلة أي تقصير للدولة في تأدية دورها وفي تقديم الخدمات الكافية والمناسبة للمواطنين. 

إذا كان المأزق الذي تشهده الكثير من مجتمعاتنا العربية والإسلامية هو في جانب منه نتاج للمخرجات الفكرية لهذه الجماعات الدينية السياسية التي توظف الدين لصالح أهدافها الانتهازية في الوصول إلى السلطة، والقفز على ثوابت المجتمعات وتهديد أمنها واستقرارها، فإن التحرك الجاد نحو بناء فكر مستنير ووسطي هو المدخل نحو تحصين مجتمعاتنا من هذه الجماعات، ووضعها على طريق التنمية والتطور والتحديث.

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات