ديمقراطية الكويت وحتمية تطويرها

عبدالوهاب بدرخان: ديمقراطية الكويت وحتمية تطويرها

  • 13 يوليو 2006

كانت معركة انتخابية ساخنة تلك التي شهدتها الكويت، طبعا بمقاييس ومعايير كويتية أصبحت معروفة؛ فالكلام يمكن أن يصبح عنيفا إلى درجة كبيرة في المسائل الداخلية، لكنه لا ينقلب عنفاَ خالصا.

 لم يكن خافيا أن الطابع الرئيس لهذه الانتخابات أنها صراع أو مواجهة سياسية بين الحكم والمعارضة. ثم إن النتائج تحدثت عن نفسها، إذ كان المعارضون 29 نائباَ فزادوا إلى 35، وللمرة الأولى يتبلور تقارب مصالح بين فئات مختلفة التوجهات. أي إنها معارضة تجمع الليبرإلى والقومي إلى الإسلامي والسلفي، والجميع يعبر عن آراء متطابقة تجاه عناوين هيمنت على الحملة الانتخابية: الإصلاح السياسي، ومكافحة الفساد، والقضايا الاجتماعية، ومستقبل التنمية.

 عشية الاقتراع كان المحللون، كويتيين وغير كويتيين، متفقين على أن الحكم أخطأ بحل مجلس الأمة والدعوة إلى انتخابات، إذ كانت حساباته بأن مجلسا أقل معارضة سيخرج من صناديق الاقتراع. لماذا؟ لأن الأزمة التي أدت إلى حل المجلس تتعلق بمسألة تقليص الدوائر الانتخابية من 25 إلى 10 أو 5 دوائر. وهذا مطلب شعبي زاد حدة وإلحاحا مع دخول المرأة على الخط وازدياد عدد الناخبين بدرجة كبيرة. ولم يكن الحكم معارضا لتقليص الدوائر بل على العكس مبادرا إلى إظهار سيئات النظام الانتخابي الحالى. لذلك لم يكن مضطرا لوضع نفسه فى موقع مضاد للرأي العام، كما لم يكن مضطرا لحل المجلس بسبب هذه القضية تحديدا.

 لا شك أن تطورات الأزمة، منتصف مايو/أيار 2006، وتحفز المعارضة لاستجواب رئيس الوزراء حسمت الاتجاه إلى حل المجلس. فالحكم تصرف دائما على أساس أن مثل هذا الاستجواب خط أحمر ينبغي أن يأخذه النواب في الاعتبار. لكن النواب يريدون إسقاط هذا الخط الأحمر بعدما فُصل منصب ولي العهد عن منصب رئاسة الوزارء، ولعلهم يتجهون مستقبلا إلى المطالبة بالمزيد من إسقاط الخطوط الحمراء.

 يبقى هذا موضوعا للمستقبل، ولن يكون حسمه سهلا أو بسيطا، لأن الأسرة الحاكمة لا تزال معتبرة صيغة مناسبة للكويت، وصمام أمان من صراعات السياسيين كما هي معروفة تقليديا في بلدان أخري. إلا أن الأوضاع التي مرت بها الأسرة منذ الغزو العراقي وبعض العوامل الأخرى فتحت ثغرات كثيرة في "العقد" المبرم بينها وبين سائر فئات الشعب، وهذه شهدت بدورها تبدلات؛ إذ ازداد نفوذها المالى والاقتصادي من دون أن تجد مسارات لترجمته على صعيد الإصلاح والتنمية والتطوير.

 تبدو هناك حاجة إلى مراجعة، وبالتالى إلى إصلاح في بعض أساسيات النظام الذي نشأ في ظروف محددة جعلته في حينه رائدا ومتقدما. كانت عوارض التقادم قد ظهرت منذ عقدين تقريبا، إلا أن تطورا مهما حصل وكشف "العورات" إذا صح التعبير؛ إنه دخول النساء إلى المعترك. كن نصف المجتمع الملغى أو المهمل أو المجهّل، وأتاح غيابهن للذكور أن  ينفردوا باللعب سياسة واقتصادا، وعندما حصلن على حقوقهن ظل الذكور يمنون أنفسهم بأن تبقى هذه الحقوق مجرد كم عددي يضاف إلى لوائح الناخبين، لكن الأمر يتعلق بتغيير جوهري لايمكن التعامل معه كأنه بلا مؤثرات وانعكاسات سواء على الحكم أو على الطبقة السياسية.

 لم يكن دخول المرأة مجرد تغيير في المشهد، وإنما استتبع جملة تغييرات. فهذه المعركة الانتخابية جاءت مفاجئة وسريعة، ولم تعط فكرة واضحة وعميقة عما طرأ على العملية السياسية، لكنها مع ذلك أتاحت للمرأة أن تقدم لمسات جديدة على الأطروحات، كما أتاحت مقاربة مختلفة للشأن السياسي وللتعاطي مع العادات والتقاليد التي درج عليها رجال السياسة. لم تكن المرشحات نبيلة العنجري وفاطمة العبدلي ورولا دشتي يلقين خطابات صاخبة ومثيرة للعواطف، وإنما كن يخاطبن العقول، ويطالبن بالكف عن طرح العناوين والاختباء وراءها، بل بطرح حلول إيجابية وعملية. فالنساء لا يحبذن استنساخ تجربة الرجال في ممارسة السياسة، وإنما يطمحن إلى المساهمة في إصلاح عميق سلس، ويتطلعن إلى بث روح النزاهة فى إدارة الشأن العام.

 هناك عمل كثير يتم في العمق؛ دورات تدريبية متلاحقة ومتنقلة، داخل الكويت وخارجها، لتأهيل أكبر عدد من النساء لإدراك حقوقهن وممارستها على نحو علمي وتنظيمي. ولا شك أن هذه الورشة لم تكتمل بل لا تزال في بدايتها، لكن بعض ملامحها ظهر خلال الحملة الانتخابية الأخيرة، ولابد أن تتبلور أكثر في الحملة المقبلة. وإذا توصلت الحكومة والمجلس الجديد إلى توافق على تقليص عدد الدوائر فإن الانتخابات المقبلة ستشهد دخول المرأة إلى نادي النواب المنتخبين. ومع ذلك يجري تداول اقتراحات بتخصيص "كوتا" نسائية، أسوة بتجارب بلدان أخرى، إلا أنها لا تزال في مرحلة البحث لتفادي أي إشكالات دستورية.

 التجربة الديمقراطية فى الكويت مفعمة بالخصوصيات، لكنها أدت غرضها في صون الاستقرار الداخلي وترسيخه، ولابد من النظر في تطويرها طالما أنها مطالبة بالتعبير عن المجتمع وتقلباته. دخول المرأة على الخط جعل الإصلاح حتميا وملحا؛ إذ لم يعد رجال السياسة قادرين على احتكار المسؤولية العامة، ولا على المحافظة على "روتين" سياسي ناله الكثير من التكاسل والصدأ.

Share