ديك تشيني وإدارة نزاعات المنطقة

د. عماد حرب: ديك تشيني وإدارة نزاعات المنطقة

  • 27 مارس 2008

جاء نائب الرئيس الأمريكي ديك تشيني إلى الشرق الأوسط مرة ثانية في جو من القلق والانقسام اللذين يخيمان على مشكلاته. وشملت رحلته العراق (في الذكرى الخامسة للحرب عليه) وأفغانستان وعُمان والمملكة العربية السعودية وإسرائيل والضفة الغربية وتركيا. وبالنظر إلى توقيت الرحلة والبلدان التي شملتها، يمكن القول إن مهمة تشيني هذه المرة اكتفت بالتركيز على كيفية إدارة نزاعات المنطقة، بشكل يسهم في إنقاذ ما يمكن إنقاذه من تركة الرئيس بوش في آخر سنة من سنوات حكمه. بكلمات أخرى، وبعكس بعض الآراء السائدة، لم تكن مهمة تشيني الدفع باتجاه مغامرات عسكرية جديدة ووشيكة، بل كانت تمريناً آخر على لعبة التخبط بسياسات مرتبكة ونتائج غير محسومة.

 بدأ نائب الرئيس الأمريكي، الذي كان من مهندسي المغامرة العراقية غير المحمودة، رحلته بزيارة مفاجئة للعراق، وكأن هذا البلد مازال بحاجة لمفاجآت أخرى. وتخلل اجتماعاته بالقادة العراقيين ولقاءاته مع القادة الأمريكيين الميدانيين هجومٌ بالمدافع على المنطقة الخضراء في العاصمة، وهجوم آخر انتحاري في مدينة كربلاء المقدسة راح ضحيته نحو مائة شخص بين قتيل وجريح. وانتهت لقاءاته مع القادة الأكراد في شمال البلاد بتقديم تأكيدات أمريكية أن واشنطن لم تهجر الأكراد في نزاعهم مع تركيا، وأنها تقدر محاولاتهم المستمرة من أجل تحقيق المصالحة بين أفراد النخبة السياسية العراقية. ولسوء حظ تشيني، رفض القادة السنة ولائحة رئيس الوزراء الأسبق إياد علاوي والصدريون الاشتراك في مؤتمر المصالحة الوطنية بسبب دعوات غير لائقة واتهامات للحكومة بأنها غير جادة وغير مخلصة للمهمة. كما أدى تجدد القتال، في مدينة البصرة ومدن أخرى، بين الأجهزة الأمنية العراقية ومليشيات عدة، منها جيش المهدي التابع لمقتدى الصدر، إلى زيادة تعقيد الحرب المستمرة في العراق.

 ويبقى العراق أكبر المشكلات التي تؤثر بشكل مباشر على السياسة الخارجية الأمريكية في الشرق الأوسط، وذلك بالطبع نتيجة تحليل السيد تشيني ورفاقه المبسّط للقضية العراقية، والتي أدت في النهاية إلى غرق الولايات المتحدة بما لا يعقل تسميته بغير كلمة "مستنقع". ولأسباب داخلية وخارجية، لا تستطيع أمريكا التخلص من هذا الوضع غير المقبول؛ فهي لا تستطيع هجر البلد وسحب جنودها منه، ولا تستطيع أن تلتزم بالدفاع عنه إلى أمد غير محدود، رغم تطمينات الرئيس بوش؛ فلقد أُهرق كثير من الدم وصرفت الأموال الطائلة وتبددت الهيبة الأمريكية، وأي قرار متسرع حول مغادرة البلد حالاً أو البقاء فيه إلى ما لا نهاية ستكون تكلفته أكثر. لهذا جاءت زيارة تشيني كمحاولة لمساعدة الإدارة على الوصول إلى حل وسط يقوم على أساس البقاء في العراق بأقل عدد ممكن من القوات، مع الضغط على العراقيين للإسراع في بناء مؤسسات دولتهم التي يمكن أن تحكم البلد وتحميه. ولكن المشكلة هي أن المصالحة الوطنية المطلوبة والتي ستساعد الولايات المتحدة على الخلاص من مغامرتها الرديئة، متصلة بشكل جذري بالمواجهة المفتوحة مع إيران، والتي ما ينفك السيد تشيني يحرض عليها.

 ويجب ألا ننسى أن طهران تقوم بما يكفي لتبقى على رأس لائحة خصوم أمريكا في الشرق الأوسط؛ فهي تتدخل في العراق، ولها ملف نووي مستقل وتأثير على سوريا و"حزب الله" اللبناني وحركة "حماس" الفلسطينية. ولا يتوقف الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد عن التذكير بأن إسرائيل، وهي حبّ السيد تشيني الثاني بعد الولايات المتحدة، دولة غير شرعية ويجب تدميرها، كما يجب رفع اليد الأمريكية عن الشرق الأوسط.

 جاء نائب الرئيس الأمريكي أيضاً ليساعد في إدارة عملية السلام الفلسطينية-الإسرائيلية المتعثرة، وليُظهر اهتمامه بالمعالجة الإسرائيلية الدموية لقطاع غزة والضفة الغربية، وعدم احترامها لشريكها الفلسطيني الرئيس محمود عباس، واستمرار بنائها للمستوطنات. وفي النهاية، وقف السيد تشيني يقرّع الفلسطينيين؛ لأنهم حسب اعتقاده لا يفعلون ما فيه الكفاية للدفاع عن سكان سديروت، ناسياً في نفس الوقت أن يذكر أن سكان غزة ومدن الضفة الغربية يحتاجون لنفس الدفاع من هجمات إسرائيل. كما أن السيد تشيني يريد إقناع العالم، وسيفشل في ذلك على الأرجح، بأن إسرائيل ستقوم بما يجب لمساعدة الرئيس بوش في تحقيق وعده بتأسيس دولة فلسطينية قبل نهاية 2008. ولا يمكن إغفال حقيقة مهمة، وهي أن إسرائيل تفعل ما تفعل؛ لأن مكتب السيد تشيني يحبط أي نقد فعّال وحقيقي من البيت الأبيض لها، ويدعم سياساتها بالكامل.

 ولم يغفل نائب الرئيس في تصريحاته تقديم الدعم للحكومة اللبنانية ولرئيس الوزراء اللبناني فؤاد السنيورة في معركتهما مع المعارضة، التي يرأسها "حزب الله" المدعوم إيرانياً، والتي يساعدها نظام الرئيس بشار الأسد في سوريا. ولكن دعم الحكومة اللبنانية لا يزال شكلياً إلى حد كبير؛ لأن الولايات المتحدة غير جاهزة للدخول في مواجهة مع الحزب أو مع سوريا؛ فمحاربة هؤلاء كانت ولا تزال من مسؤوليات إسرائيل، التي لا تشمل حساباتها بالضرورة البحث عن طرائق لحل مشكلات النظام السياسي اللبناني. وهذا لا يعني بالطبع أن واشنطن غير مهتمة بما يحصل في لبنان، ولكنها تريد فقط الحل الذي يتفق ورؤيتها الخاصة للوضع هناك.

 وأخيراً، تضمنت رحلة السيد تشيني مهمة تخفيف المشكلات بين تركيا والقادة الأكراد العراقيين الذين يشتكون من كونهم وُضعوا بين مطرقة الاحتياجات الاستراتيجية والأمنية التركية وسندان الوطنية الكردية. وقد تسببت العملية التركية الأخيرة في شمال العراق للتخلص من حزب العمال الكردستاني بهز العلاقات بين واشنطن وحلفائها الأكراد، وهذا ما دفع نائب الرئيس للتحرك؛ فلكل من تركيا والأكراد أهمية استراتيجية في التفكير الأمريكي، وذلك لأسباب مختلفة، فتركيا عامل استقرار في المنطقة، ويمكن الاعتماد عليها لتلعب دوراً في استقرار العراق وفي لجم سوريا، رغم رفضها لطلب تشيني بالمساعدة في أفغانستان، بينما يمكن للأكراد لعب دور موازنٍ في العملية السياسية العراقية، ويمكن استخدامهم كحلفاء سريين في نشاطات معادية لإيران.

 لقد ردد نائب الرئيس الأمريكي وسيردد تلك الكلمات التي يمكن أن تساعد الولايات المتحدة على تقوية موقعها في الشرق الأوسط بعد مغامرات إدارة الرئيس بوش غير المحمودة منذ عام 2001. ولكن ما يبقى غير واضح، هو مدى تأثير السيد تشيني على الذين قابلوه والذين ينتظرون إشارة واضحة بأن هناك تغييراً ما في سياسة واشنطن تجاه قضايا الشرق الأوسط. ومن المعروف أن إدارة النزاعات تحتّم وجود توجه منفتح تجاه القضايا الشائكة، وفهم كامل لها، وتواضع كاف للاعتراف بالأخطاء الماضية والقبول بالتعلم منها، ولكن إذا تمعنّا بحقيقة أن الداعي إلى الطريقة القاسية في التعامل مع مشكلات الشرق الأوسط هو الذي أتى ليتباحث حولها، فسنعلم أن أيّاً من هذه المشكلات لمْ، ولنْ، يحصل على الحل الشافي في أي وقت قريب.

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات