ديربان-2.. مكافحة العنصرية أم الدفاع عنها؟

ديربان-2.. مكافحة العنصرية أم الدفاع عنها؟

  • 26 أبريل 2009

كان من المفترض أن يشكل مؤتمر الأمم المتحدة الثاني لمكافحة العنصرية، المعروف باسم "ديربان-2"، والذي عقد في جنيف خلال الفترة من 20 إلى 24 إبريل/نيسان 2009، منبراً لحشد الجهود الدولية من أجل مواجهة خطر تنامي العنصرية والتعصب، الديني والعرقي والحضاري، الذي عانت منه البشرية طويلاً، ومثل تهديداً لقيم السلام والأمن والتنمية والتعايش المشترك في العالم كله. غير أن ما شهده هذا المؤتمر، خلال انعقاده وقبله، من تحركات دؤوبة من قبل الدول الغربية لمنع إدانة الممارسات العنصرية الإسرائيلية، والتشويه المتعمد للدين الإسلامي تحت شعار حماية حرية التعبير، بدا وكأنه محاولة للدفاع عن هذه الممارسات العنصرية والتغطية عليها، وليس إدانتها والسعي إلى وضع حد لها.

وبالعودة إلى المؤتمر الأول، الذي عقد في مدينة ديربان بجنوب أفريقيا في بداية سبتمبر/أيلول 2001، يمكننا بوضوح ملاحظة أن النتائج التي خرج بها هذا المؤتمر كانت أكثر إيجابية وفعالية، ولاسيما فيما يتعلق بإدانة الممارسات العنصرية الإسرائيلية، من المؤتمر الأخير؛ فقد خرج مؤتمر "ديربان-1" بقرار أعاد الاعتبار للقرار التاريخي الذي اتخذته الجمعية العامة للأمم المتحدة في عام 1975، والذي أعلن "أن الصهيونية هي شكل من أشكال العنصرية والتمييز العنصري"، معتبراً "أن أنظمة عنصرية مثل إسرائيل وحركات عنصرية كالصهيونية محمية أكثر من ضحاياها"، كما تضمنت مقررات ذلك المؤتمر فقرات أساسية عن حقوق الشعب الفلسطيني، وفي مقدمتها حقه في تقرير مصيره والحصول على كافة الحقوق الإنسانية دون تجزئة أو تمييز‏، فضلاً عن ضرورة التزام إسرائيل بالتوقف عن الإجراءات العنصرية التي تتخذها، والالتزام بقواعد القانون الدولي الإنساني‏. وعلى الرغم من أهمية ما تضمنه المؤتمر الأول من قرارات؛ فإن نتائجه سرعان ما تلاشت وتم تناسيها بسبب هجمات الحادي عشر من سبتمبر 2001، التي وقعت بعد ثلاثة أيام فقط من انتهاء هذا المؤتمر، والتي استنفرت جميع دول العالم للمشاركة فيما عرف بـ"الحرب العالمية على الإرهاب"؛ تلك الحرب التي تم استغلالها على أسوأ ما يكون لإضفاء المشروعية على الممارسات العنصرية التي تزايدت بشكل كبير بعد هذه الهجمات، وبخاصة ضد العرب والمسلمين، الذين اتُهموا بالمسؤولية عنها.

وخلال السنوات الثماني التي فصلت بين مؤتمري ديربان الأول والثاني، لم توقف إسرائيل ممارساتها العنصرية، بل تمادت في هذه الممارسات بشكل غير مسبوق، وشملت هذه الممارسات بناء جدار الفصل العنصري، الذي أكدت محكمة العدل الدولية عدم مشروعيته وطالبت بإزالته وتعويض الفلسطينيين المتضررين منه؛ وإعلان يهودية الدولة؛ وعمليات التطهير العرقي المتواصل التي تمارسها بحق الفلسطينيين من خلال القيام بهدم منازلهم وتهجيرهم من أراضيهم بهدف الاستيلاء عليها؛ وعمليات الحصار والتجويع التي تفرضها على سكان قطاع غزة منذ عام 2006 بدعوى إضعاف حركة حماس التي تولت الحكم في القطاع بعد انتخابات ديمقراطية أشاد بنزاهتها الجميع؛ وأخيراً، وليس آخراً، الجرائم العنصرية التي ارتكبتها أثناء عدوانها السافر على لبنان صيف عام 2006، والذي تسبب في مقتل 1200 شخص وتدمير عشرات الألوف من المنازل وغيرها من مرافق البنية الأساسية المدنية، وعدوانها الأخير على قطاع غزة، والذي تسبب في مقتل أكثر من 1500 فلسطيني وإصابة نحو 4000 آلاف آخرين، وغيرها كثير من الجرائم التي وصفتها مؤسسات حقوقية دولية بأنها تمثل "جرائم حرب" و"جرائم إبادة" و"جرائم ضد الإنسانية".

وانطلاقاً من ذلك، فقد عملت الدول العربية والإسلامية، خلال الاجتماعات التحضيرية لمؤتمر "ديربان-2"، على أن تتضمن الوثيقة الختامية للمؤتمر إدانة واضحة للممارسات العنصرية الإسرائيلية، ونجحت هذه الدول، بدعم من دول من أفريقيا وأمريكا اللاتينية، في أن تُضمّن المسودة الأولية لهذه الوثيقة انتقادات لإسرائيل لتطبيقها سياسة العقاب الجماعي ضد الشعب الفلسطيني في قطاع غزة، من حصار اقتصادي وتقييد لحركة المعابر والإغلاق المستمر لها، وتصنيفها كـ"دولة قائمة على الاحتلال وبناء المستوطنات وتستند إلى أسس وقوانين عنصرية"، الأمر الذي قوبل بحملة انتقادات واسعة من جانب إسرائيل، التي دعت حكومات الدول الغربية إلى مقاطعة هذا المؤتمر بدعوى أنه أصبح يمثل "منصة للهجوم على السامية"، و"منبراً مناهضاً لإسرائيل". ووجدت هذه الدعوة استجابة سريعة من قبل كثير من الحكومات الغربية؛ حيث أعلنت كل من الولايات المتحدة وألمانيا وأستراليا وكندا ونيوزيلندا مقاطعتها للمؤتمر، أما الدول الأوروبية التي شاركت فيه، فقد تعهدت مسبقاً بمعارضة أي توجه لإدانة إسرائيل، أو لتحويل المؤتمر إلى منبر إعلامي لفضح سياساتها وانتهاكاتها لحقوق الإنسان. وكانت فرنسا أكثر الدول المشاركة تشدداً؛ حيث أكد الرئيس نيكولا ساركوزي أن بلاده "لن تسمح بأن يتحول المؤتمر إلى ساحة لمهاجمة إسرائيل".

غير أن ذلك لم يمنع من توجيه بعض الانتقادات لإسرائيل على ممارساتها تلك، وجاءت أقوى هذه الانتقادات من جانب الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد، الذي وصفها بأنها "دولة عنصرية"، مطالباً بوضع حد لتجاوزتها، وهو الموقف الذي ووجه بانتقادات عنيفة وواسعة؛ حيث سارعت وفود 23 دولة أوروبية بمغادرة قاعة المؤتمر أثناء إلقاء نجاد كلمته، فيما أعرب الأمين العام للأمم المتحدة عن "الأسف" للكلام المناهض لإسرائيل، الذي جاء في خطاب نجاد، معتبراً أنه يتعارض مع هدف المؤتمر، كما وصف الرئيس الفرنسي الخطاب بأنه "دعوة إلى الحقد العنصري ينبغي عدم السكوت عنها"، ووصفه رئيس الوزراء البريطاني جوردن براون بأنه "مسيء واستفزازي"، بينما وصفته واشنطن بأنه "حاقد ومشين". كما انسحبت وفود ست دول أوروبية أيضاً من قاعة المؤتمر عندما وصف ممثل ليبيا إسرائيل بأنها دولة عنصرية.

وقد تمكنت الدول الأوروبية المشاركة في المؤتمر بالفعل من منع إدانة إسرائيل بشكل صريح في الوثيقة الختامية الصادرة عنه؛ حيث خلت الوثيقة من أي إشارة إلى الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية، والممارسات العنصرية الإسرائيلية بحق العرب والفلسطينيين، وتضمنت عوضاً عن ذلك فقرة تنص على تأكيد الحاجة للتصدي لجميع أشكال ومظاهر العنصرية والتمييز العنصري وكره الأجانب بما في ذلك في المناطق الخاضعة للاحتلال الأجنبي، كما نصت الوثيقة في بند مستقل على وجوب عدم نسيان المحرقة بحق اليهود أبداً.

ولم تكن إدانة إسرائيل هي نقطة الخلاف الوحيدة التي شهدها المؤتمر، فقد كانت هناك نقاط خلافية أخرى، منها الخلاف حول إضافة بند يدين "التشهير بالأديان"، وهو البند الذي اقترحت الدول الإسلامية تضمينه في الوثيقة الختامية، حتى لا تتعرض الأديان إلى الإهانة والانتقاد تحت مزاعم حرية التعبير، مثلما حدث خلال أزمة الرسوم المسيئة للرسول الكريم العام الماضي، والتي أثارت استياء ملايين المسلمين حول العالم. وقد رفضت الدول الأوروبية هذا البند واعتبرت أن هذا المفهوم لا يتسق مع مواثيق حقوق الإنسان، ونجحت في استبعاده من الوثيقة الختامية. غير أن هذه الوثيقة أكدت في المقابل أن التحريض على الكراهية على أساس الدين يمثل انتهاكاً صريحاً لحقوق الإنسان، وأنه لا يمكن التذرع بحرية التعبير أو الاحتماء بحرية الرأي لإهانة المقدسات وازدراء الأديان. كما اعتبرت أن معاداة الإسلام هي شكل من أشكال العنصرية، مثلها مثل معاداة السامية. ومن هذه النقاط الخلافية أيضاً، مسألة الحرية الجنسية "الشذوذ"، التي أصرت الدول الغربية والأمريكية اللاتينية على إدراجها في الوثيقة الختامية، ورفضتها الدول الإسلامية على أساس أنها تتناقض مع مبادئ الفطرة والشريعة الإسلامية.

وبشكل عام، وعلى الرغم من أهمية النتائج التي أسفر عنها مؤتمر الأمم الثاني لمناهضة العنصرية، ولاسيما فيما يتعلق بتشديده على ضرورة مواجهة خطر العنصرية والتعصب، الذي يتصاعد في جميع مناطق العالم، ويقف خلف كثير من المشكلات والصراعات ونزعات التطرف والصدام بين الأديان والحضارات التي يعانيها عالم اليوم؛ فإن إصرار الدول الغربية على حماية إسرائيل ومنع إدانة سياساتها العنصرية والتمييزية ضد الفلسطينيين والعرب يوجه رسالة سلبية مفادها أن المؤتمر تحول من محفل دولي لمناهضة العنصرية إلى مدافع عنها، وأن سياسة المعايير المزدوجة مازالت هي الحاكمة للمواقف الغربية تجاه العرب والمسلمين حتى في هذه القضايا ذات البعد الإنساني.

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات