دول مجلس التعاون تملك الموارد اللازمة لمعالجة ندرة المياه

  • 1 أبريل 2012

في مقابلة حصرية مع موقع مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية على شبكة الإنترنت، ناقش البروفيسور بيتر روجرز، أستاذ كرسي جوردون ماكاي في الهندسة البيئية بجامعة هارفارد، مجموعة من القضايا المتصلة بأمن وإدارة المياه، وتحلية المياه المالحة، والتغيّرات المناخية. وقد أُجريت المقابلة على هامش مشاركته في أعمال المؤتمر السنوي السابع عشر لمركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية الذي عُقد يومي 26 و27 مارس 2012، تحت عنوان "أمن الماء والغذاء في الخليج العربي".

س1: كيف تقيّم عملية إدارة الموارد المائية في العالم بصورة إجمالية؟

ج: أعتقد أن الوضع يختلف من مكان لآخر، فهناك دول مثل أستراليا قامت بعمل جيد للغاية في مجال إدارة الموارد المائية، على الرغم من تعرضها لحالات جفاف وفيضانات خطيرة جداً. فهم يملكون على ما يبدو بنية منظمة للغاية في إدارة الأمور، وهذا أمر إيجابي. أما في الولايات المتحدة فالمسألة مجزّأة، حيث يوجد لدينا عدد كبير من الأشخاص المسؤولين عن هذا القطاع؛ ذلك أنه بلد شاسع، وهناك العشرات من الوكالات الفيدرالية التي لديها سيطرة على جوانب منه، ومن الصعب جداً تقديم تقييم شامل لعملية إدارة الموارد المائية؛ إذ إن هناك 50 ولاية، ولكل من هذه الولايات قوانينها الخاصة بإدارة مواردها المائية، وبالتالي فالأمر مربك جداً.

س2: ما هي أوجه الشبه والاختلاف بين الوضع في دولة الإمارات العربية المتحدة ومنطقة الخليج من ناحية، والمناطق التي وصفتها للتو؟

ج: ثمّة أوجه شبه بين دول الخليج العربية؛ فحتى الدول التي تحظى بمزيد من الأمطار مثل سلطنة عمان لا تزال تعاني مشكلة الجفاف وندرة مصادر المياه العذبة. أنا لا أعرف كثيراً عن المنظمات السياسية الإقليمية في هذه المنطقة، ولكنني أعتقد أن هناك حاجة إلى إيجاد آلية تنظيمية يمكن من خلالها معرفة ما يقوم به الجميع، وكيف يتواصلون عبر مختلف الدول. هذه الآلية يمكن أن تكون في شكل حكومة إقليمية مثل مجلس التعاون لدول الخليج العربية، كما أن وجود منبر يستطيع الناس أن يلتقوا خلاله من حين لآخر ويناقشوا هذه الأمور، يمكن أن يساعد في إيجاد بدائل جيدة للتعامل مع هذه المسألة. إن الاجتماعات الرسمية الكبرى جيدة، ولكنها لا تحرز تقدماً حقيقياً، في حين أن الاجتماعات التي تتم على مستويات أقل وفي أجواء مريحة بين معاوني الوزراء والأشخاص التقنيين يمكن أن تكون مفيدة ونتائجها إيجابية.

س3: أحد مجالات خبراتك واهتماماتك هو دراسة تأثير السكان في تنمية الموارد الطبيعية، فكيف ينطبق ذلك على موارد مثل الماء والغذاء؟

ج: لا تكمن مشكلة السكان بدرجة كبيرة في الأرقام المطلقة، بل في المرحلة التي يصبحون فيها أغنياء وأثرياء. فهناك مشكلات بدأت تحدث في دول كالصين أو الهند، تشهد معدلات نمو مرتفعة في مستوى الدخل، حيث ترتب على ارتفاع مستويات الدخل تزايد الطلب على نوعية أفضل من المياه والغذاء. والواقع أن الغذاء هو العامل الرئيسي؛ لأن نوعية الغذاء عالي الجودة تستهلك من الماء عشرة أضعاف ما تستهلكه الحبوب، وهكذا ينتقل الناس إلى أعلى السلسلة الغذائية، من السعي للحصول على مواد غذائية بسيطة جداً إلى غذاء أكثر تعقيداً، ويزداد بالتالي الطلب على المياه بمعدلات كبيرة. وحتى عندما لا يبلغ الناس هذه الدرجة الكبرى من الغنى –يلاحظ المرء ازدياد عدد الفقراء بين سكان المدن – فإن تغيّر سلوكهم الغذائي، ينعكس على معدل استهلاكهم. فهم يحتاجون إلى مزيد من المياه والوجبات السريعة؛ لأنهم ليس لديهم الوقت. إن الأمر مختلف عن كون المرء مزارعاً في الأرياف حيث يعيش في تناغم أكبر مع الطبيعة، في حين يستهلك الناس في المدن محاصيل أعلى قيمة، مما يجعل الأمر أسوأ عشر مرات من مجرد الزيادة في عدد السكان.

س4: ما الذي يحمله المستقبل لمنطقة الخليج التي تعاني شحاً في المياه؟ هل ستكون أفضل أو أسوأ حالاً مقارنة مع غيرها من المناطق القاحلة؟

ج: تعد منطقة الخليج العربي تقريباً أكثر المناطق جفافاً في العالم، وهذا ما يتضح من جميع البيانات، ولكن موارد المياه تختلف عن إمدادات المياه. الشيء الذي يقلقني، ويقلق كثيراً من الناس، هو التغيرات المناخية. في هذه المنطقة، حتى إن حدثت الأمور الأسوأ، ما يزال لديك الموارد اللازمة التي تمكنك من شق طريقك للخروج منها، في حين أن أماكن أخرى، مثل شمال أفريقيا، تعاني ورطة حقيقية؛ لأنها لا تملك قاعدة الموارد الصناعية التي تساعد على التحرك، واستيراد المواد الغذائية ودفع تكاليف تحلية المياه وغير ذلك، أضف إلى ذلك أنه عند تحلية المياه المالحة هناك نسبة تراوح بين 40 و50٪ من المياه التي يتم التخلص منها في محطات المعالجة تكون أعلى تركيزاً وملوحة. فالمشكلة هي وجود كمية هائلة من العناصر المعدنية والمعادن الثقيلة في مياه البحر، غير أنه يمكن إنشاء صناعات إعادة التدوير للاستفادة منها. وهذا الأمر يمكن القيام به في منطقة الخليج.

س5: هل ضاعت قضية الأمن المائي في خضم النقاشات الكبرى الدائرة حول البيئة في جميع أنحاء العالم؟ وما هو الحل في رأيكم؟

ج: ظاهرة التغيّر المناخي أصبحت تمثل مشكلة معقدة جداً ومثيرة للجدل سياسياً، ولذلك فمن الصعب جداً الوصول إلى أي حلول مهمة لها، لكن لا ينفي حقيقة أن مشكلة المياه مازالت ضخمة ومهمة هي الأخرى. عندما تتحدث إلى أشخاص في الأجهزة الحكومية والوكالات الدولية، مثل بنك التنمية الآسيوي والبنك الدولي وغيرهما، وتلقي نظرة على ما تقوم به من إنفاق ودعم، تجد أن البنك الدولي قد عاد إلى الاهتمام بمشروعات الزراعة والري والسدود، والتي لم تكن تمثل نسبة كبيرة في السنوات العشر الماضية، فقد أصبحت هذه المشروعات تستحوذ على نحو 25% من القروض الآن. والأمر قريب من ذلك بالنسبة إلى بنك التنمية الآسيوي. وفي رأيي أن المشكلة تكمن في أن القطاع الخاص لا يشارك بما فيه الكفاية في البحث عن حلول لمشكلة الأمن المائي.

س6: ولكن هل تكفي القروض وحدها لحل المشكلات الغذائية في العالم؟

ج: أعتقد أنه يمكن حل مشكلات الغذاء العالمية عن طريق زيادة الأنشطة الصناعية والتجارية. ويمكن المساهمة في ذلك من خلال المشروعات الزراعية الكبرى التي تتمتع بتسهيلات، كأن تكون مساحتها 10,000-20,000 هكتار من الزراعة الآلية، حيث توفر فرص عمل للمزارعين، وتدر دخلاً عليهم وعلى البلاد. كنت أعمل في لاوس في الآونة الأخيرة، وأعتقد أنها يمكن أن توفر الغذاء لمنطقة جنوب شرق آسيا قاطبة من أراضيها فحسب، بشرط أن يكونوا على استعداد لتغيير السياسة الزراعية من زراعة صغار المزارعين إلى أساليب الزراعة الآلية العالمية والحديثة. لقد لجأت دول مثل البرازيل إلى التحديث الذي كان له أثر هائل، ويمكنك أن ترى كيف أن البرازيليين قد استحوذوا على أسواق فول الصويا في العالم.

س7: يقال إن ما يقرب من نصف المياه المحلاة في العالم يتم إنتاجه في دول مجلس التعاون. كيف يمكن مقارنة ذلك بمشروعات تحلية المياه الكبرى في جميع أنحاء العالم؟

ج: لقد أسهمت مشروعات تحلية المياه في تغيير الأمور عما كانت عليه في بلدان الخليج، فلولا هذه المشروعات لكان الأمر أسوأ مما هو عليه بكثير، وبالتالي فإن ذلك هو صمام الأمان الذي جعل التغيير ممكناً. وحتى في الولايات المتحدة، في مقاطعة أورانج، فقد لجؤوا إلى إعادة معالجة مياه الصرف الصحي. وهم يفعلون ذلك؛ بسبب انخفاض إمدادات المياه من شمال كاليفورنيا. فقد كان هناك ملايين الناس يعيشون في جنوب كاليفورنيا يأتيهم الماء من الشمال، ثم قام دعاة حماية البيئة والقضاة بحملة لوقف الإمدادات من خلال دلتا سان جواكين بسبب الأضرار التي لحقت بالبيئة. وهكذا أصبح الناس فجأة في نهاية شبكة القناة يدركون أن الخيارات ستكون محدودة جداً. في السابق كانوا يعالجون النفايات ويدفنونها في المحيط، أما الآن فهم يقومون بمعالجة النفايات وإعادة تدويرها، وإعادتها مرة أخرى إلى المياه الجوفية حيث يتم مزجها مع الماء الصالح للشرب على الفور. هذه هي أمثلة على التغيّرات الكبرى التي حدثت في جميع أنحاء العالم.

س8: من المتوقع أن يتضاعف إجمالي الطلب السنوي على المياه بدولة الإمارات العربية المتحدة بحلول عام 2030. هل سيشكل ذلك خطراً على الأمن المائي في البلاد؟

ج: لا أعتقد أن درجة الخطر ستكون عالية، بل إن هذه المنطقة ربما تكون خالية من المخاطر، أو أن المخاطر فيها قريبة من الصفر، بسبب الموارد المتوافرة لديكم. إذا نظرتم إلى الأمر من جهة توافر إمدادات المياه فربما يبدو الأمر خطيراً، ولكن عندما ننظر إليه من جهة توافر الموارد المائية نجد أنه ليس خطيراً. فالتقنية هي المفتاح، ولولاها لكان الوضع سيئاً.

Share