«دول مارقة» تسعى لتجاوز العقوبات الدولية عبر عملات رقمية وطنية

  • 7 أكتوبر 2019

حذر خبراء سياسيون واقتصاديون مؤخراً من أن بعض الدول بدأت في التحول إلى استخدام عملات رقمية وطنية كمحاولة لتجاوز العقوبات المالية المفروضة عليها من المجتمع الدولي. وتعمل الولايات المتحدة الأمريكية وحلفاؤها على فرض حظر على التعاملات المالية مع الأشخاص والشركات والحكومات التي توسم بأنها مارقة على القانون الدولي، أو تلك التي تدعم الإرهاب.
يتم تطبيق العقوبات بمساعدة المصارف، والمؤسسات المالية الدولية، وجمعية الاتصالات المالية العالمية بين البنوك عبر نظامها «سويفت» العالمي. لكن العملات المشفرة لا تعمل ضمن هذه المنظومة، فمبدأ عملها يقوم بشكل كبير على تغييب الوسطاء الماليين في التحويلات والمشتريات من حول العالم. وبالنسبة إلى الدول الخاضعة للعقوبات، فإن إنشاء عملة وطنية مشفرة أمر يستحق المحاولة، ويغري أكثر من مجرد استخدام العملات الرقمية المتداولة كالبيتكوين؛ فعلى الرغم من أن عملة البيتكوين مثلاً لا تخضع لأي جهة رقابية، لكن أصبح من السهل نسبياً على أجهزة إنفاذ القانون والاستخبارات تتبع مدفوعاتها في أي مكان بالعالم.
ولكن من خلال عملة رقمية خاصة، فإن الدولة ستكون قادرة على التحكم في كيفية عملها ومن يمكنه الوصول إليها. في هذا الصدد بالتحديد، أبدت كل من إيران، وفنزويلا، وكوريا الشمالية، وحتى روسيا والصين، اهتماماً بإنشاء عملاتها الوطنية المشفرة التي يرسمها قادتها كأدوات تساعد إما في تجاوز القوة المالية الأمريكية وتأثيرها في اقتصاداتها، أو في تفادي العقوبات الدولية المفروضة عليها.
تفكير النظام الإيراني بإنشاء عملته الرقمية تنامى خاصة بعد إعلان الولايات المتحدة انسحابها في مايو 2018 من اتفاق دولي لرفع العقوبات عن طهران مقابل قيود على برنامجها النووي، حيث قدّم رئيس اللجنة البرلمانية الإيرانية للشؤون الاقتصادية، محمد رضا بوربراهيمي، بعد الانسحاب بفترة وجيزة فكرة العملة المشفرة الوطنية كوسيلة لإيران لتجنب المعاملات بالدولار الأمريكي خلال اجتماع عُقد في العاصمة الروسية موسكو مع ديمتري ميزنتسيف، رئيس لجنة مجلس الاتحاد الروسي للسياسة الاقتصادية، الذي بُحثت خلاله كذلك فكرة استخدام العملات الوطنية الرقمية للبلدين لتبادل السلع والبضائع فيما بينهما.
فنزويلا من جهتها كانت قد تلقت مساعدات تقنية من موسكو عندما أطلقت عملتها المشفرة «بترو» في فبراير 2018. لكن مع فشل هذه العملة الرقمية، واستمرار البلاد في حالة من الفوضى العارمة والتضخم المفرط لعملتها الوطنية «البوليفار»، فإن نظام الرئيس نيكولاس مادورو يحاول الآن تطبيق محفظة رقمية لتحويل عائدات خدمات السفن في موانئها والضرائب من مطاراتها، بما في ذلك العائدات التي تجمعها من الطائرات عند تزودها بالوقود، لعملة البيتكوين وغيرها من العملات المشفرة، التي يتم تحويلها بعد ذلك إلى بورصات في هونغ كونغ، وبلغاريا، وروسيا، والصين، من أجل استبدالها بمقابل نقدي من العملات الصعبة.
أما بالنسبة إلى كوريا الشمالية، فلها نشاط كبير بالعملات المشفرة منذ أيامها الأولى، وأظهرت خبرة تقنية متقدمة في مجال تعدينها، بل وفي اختراقها؛ حيث اتهم تقرير للأمم المتحدة، صدر في عام 2018، صراحة نظام «كيم جونغ أون» بسرقة ما يقرب من ملياري دولار أمريكي عبر سلسلة من الهجمات الإلكترونية المتطورة التي ارتبطت باختراق بنوك ومنصات رقمية لتبادل العملات المشفرة بأكثر من 10 دول. لكن باحثين في الأمم المتحدة وخبراء في الأمن السيبراني يؤكدون أن أنشطة القرصنة هذه ترتبط بمجموعة اختراق تدعى «لازاروس» على علاقة وثيقة بنظام «كيم جونغ أون»، وهي المجموعة نفسها المسؤولة عن سرقات إلكترونية كبيرة من البنك المركزي في بنغلاديش عام 2016، هذا بالإضافة إلى مسؤوليتها عن الاختراق المدوّي لاستوديوهات سوني في عام 2014.
الجديد في الموضوع هو وجود دلائل تشير إلى توجّه الدولة الشيوعية حالياً نحو إنشاء عملة وطنية مشفرة، وأن نظامها قد اجتاز بالفعل المراحل الأولى نحو تطوير هذه العملة ضمن محاولاتها المستمرة الالتفاف على النظام المالي العالمي، الذي تسيطر عليه الولايات المتحدة. إذن، تبرز قضية العملات الرقمية الوطنية من الدول التي توسم بأنها راعية للإرهاب كتطور مقلق للغاية، والتي نرى أنها يمكن أن تساهم مستقبلاً بتغذية بؤر جديدة من الفوضى والتطرف، وبشكل قد لا يمكن وقفه أو السيطرة عليه. ومع إدراكنا بأن هذه التهديدات قد تطال بشرورها أي دولة، فإن الوعي العالمي لا بد له من تجاوز المصالح الفردية والتوجه لبناء قدرات رادعة مشتركة تتصدى لهذه التهديدات عبر منظومة عمل دولية موحدة.

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات