دول "المثلث العربي" بعد "اتفاق الدوحة"

عبدالوهاب بدرخان: دول "المثلث العربي" بعد "اتفاق الدوحة"

  • 9 يونيو 2008

تتطلع العديد من العواصم العربية إلى احتمال أن يشكل "اتفاق الدوحة" بين أطراف الأزمة اللبنانية حافزاً للعمل على ما اصطلح على تسميته "تنقية الأجواء العربية"، وهو ما يعني في الظرف الراهن إنهاء شبه القطيعة السياسية بين دول "المثلث العربي" التاريخي، أي مصر والسعودية وسورية. وكانت القاهرة والرياض اكتفتا بتمثيل متدنٍ في القمة العربية في دمشق، أواخر آذار/مارس الماضي، احتجاجاً على امتناع سورية عن القيام بمساهمة إيجابية في تسهيل انتخاب رئيس جديد في لبنان، كخطوة أولى لحلحلة الأزمة.

 الآن، وقد توصلت الدوحة إلى إنجاز اتفاق سياسي نُفذ البند الأول فيه، أي انتخاب ميشال سليمان رئيساً، وبات تنفيذ البند التالي وشيكاً مع تشكيل حكومة جديدة برئاسة فؤاد السنيورة على أساس منح المعارضة عدداً من الحقائب الوزارية يساوي الثلث زائداً واحد، مما يمكن هذه المعارضة من تعطيل أي قرار حكومي لا توافق عليه. الآن، يعتبر المتابعون، ولاسيما القطريين والسوريين، أن في الإمكان استثمار الزخم الإيجابي لهذا الاتفاق في الأزمات الأخرى ومحاولة حلها بالمنهج نفسه، أو على الأقل في تبديد التشنج في علاقات مصر والسعودية من جهة، وسورية من جهة أخرى.

 وبعد قمة الرياض بين الملك عبدالله بن عبدالعزيز والرئيس حسني مبارك لم يبد أن البلدين مستعجلان أو متحمسان لفتح صفحة جديدة مع سورية، أولاً؛ لأن خلافهما معها لم يكن حول لبنان فحسب، وإنما يشمل الوضع الفلسطيني؛ حيث تحاول القاهرة التوصل إلى تهدئة في غزة ولا تلمس تعاوناً سورياً في هذا المجال، ويمتد إلى العراق؛ حيث يشتد التنافس العربي-الإيراني على النفوذ، وكذلك ينطوي الخلاف أيضاً على الموقف من إيران نفسها وحدود العلاقة معها. وثانياً، سجل الجانب المصري-السعودي أن "اتفاق الدوحة" جاء إثر هجوم مسلح من جانب حلفاء سورية في لبنان لترهيب الأكثرية الحكومية، وهو ما لم يقرأ فيه المصريون والسعوديون ملمحاً إيجابياً، بل على العكس اعتبروا أن دمشق وقفت إلى جانب من استخدم "سلاح المقاومة" لحسم أزمة سياسية داخلية.

 وإذ تدافع قطر عن فكرة البناء على الدينامية التي خلفها الاتفاق اللبناني، ولا تتردد في عرض خدماتها، إلا أنها لا تعتزم الدخول في وساطات لا ترغب فيها الأطراف المعنية. ولا يغيب عن بال الدوحة أنها نجحت في إنجاز ذلك الاتفاق؛ لأن الدول المرجعية (الولايات المتحدة، مصر، السعودية، سورية، وإيران) إما تعاونت ودعمت جهودها بشكل مباشر أو واكبتها من دون أن تعرقلها. وهذا لا ينفي طبعاً أن إدارتها للحوار اللبناني وللاتصالات مع تلك الدول المرجعية كانت ناجحة وأحياناً حاسمة في اتجاه التوصل إلى الاتفاق.

 ورغم أن القاهرة والرياض لا تجدان أن دمشق كانت قد فعلت ما توقعتاه منها، إلا أن الرئيس السوري بدأ جولة عربية قد تقوده إلى بيروت لتهنئة الرئيس الجديد، وكأنه يسعى إلى الظهور بعد "اتفاق الدوحة" كرئيس مصالح ومسالم. ويستند الرئيس بشار الأسد إلى كونه رئيساً للقمة العربية للقيام بجولة علاقات عامة للاستفادة على صعيدين: الأول، متابعة الاتصال الذي بدأ مع الزعماء العرب خلال القمة والعمل على تزخيمه. والثاني، الإيحاء بأن سورية تقف وراء التحسن في الوضع اللبناني.

 لكن اتفاق الدوحة، يحتاج إلى تحصين داخلي، ولا بد لذلك من شيء من التوافق العربي. غير أن السلبية التي تتسم بها الدبلوماسيتان المصرية والسعودية لم تفشل فقط في تعريض الأكثرية الحكومية (المفترض أنها تحظى برعاية سعودية-أمريكية) للاعتداءات والاستباحات المسلحة، بل إنها تركت الساحة خالية ومفتوحة للسوريين والإيرانيين. والواقع أن الدول العربية، حتى تلك التي لا تحبذ التوجهات السورية عادة، لا تستطيع أن تتجاهل عجز السلبية المصرية-السعودية وعدم جدواها، بمقدار ما تعارض اندفاع سورية وراء الاستراتيجية الإيرانية. ويعزى الانكماش الدبلوماسي المصري-السعودي إلى فشل السياسة الأمريكية وتخبطها في المنطقة، ما انعكس إخفاقاً لـ "اتفاق مكة" بين الفلسطينيين واستخداماً للسلاح في لبنان.

 ولعل ما استدعى القمة الثنائية المصرية-السعودية للتشاور، أن هناك العديد من الوساطات العربية التي تسعى إلى دفع أطراف "المثلث العربي" للتحاور وتحقيق انفراج في الأجواء العربية. لكن مصر والسعودية لا تجدان في التصرفات السورية ما يشجع على الدخول في حوار؛ فدمشق ذهبت بعيداً في خيارها الإيراني ولم تعد منخرطة في حماية مصالح النظام العربي الرسمي وفقاً للسياسة التقليدية، لذلك لا ترى مصر والسعودية أي جدوى في مصالحة مع دول عربية تربكهما وتطمح إلى جرّهما إلى خطها المغامر. كما أن هاتين الدولتين الكبريين لا تريدان الانخراط في لعبة ما هو مطلوب أو غير مطلوب من سورية بعد تجربتهما في شأن لبنان. كل ما تتوقعانه هو أن تكف سورية عن إحراجهما، وهما تراقبان المفاوضات السورية-الإسرائيلية عبر القناة التركية لمعرفة الوجهة التي ستتخذها دمشق في حال تقدم هذه المفاوضات فعلاً، يضاف إلى ذلك أن القاهرة والرياض لن تتعاونا مع دمشق كـ "رئاسة للقمة"، وستتركها تلعب هذا الدور من دون أن تعوّل عليه.

 يذكر أن الفتور ساد علاقات سورية مع مصر والسعودية غداة اغتيال رئيس الوزراء اللبناني السابق رفيق الحريري واضطرار سورية إلى سحب قواتها من لبنان؛ إذ شعرت دمشق بأن القاهرة والرياض مالتا إلى توجيه الاتهام لها بالضلوع في اغتيال الحريري، واعتبرت أن هذا الموقف ليس في مصلحتها. وعلى رغم أن المصريين والسعوديين عرضوا مساعدة السوريين، إلا أن ذلك تم على أساس أنهم متهمون ومتورطون. لكن سورية أصّرت دائماً على أنها غير معنية بقضية الاغتيال، وتوقعت من مصر والسعودية في حال مشاركتهما في اتهامها أن تكونا أكثر تفهماً لمصالحها العليا كدولة ونظام. ومع الوقت تحوّل الفتور إلى استياء وتشنج؛ لأن النظام السوري اعتبر أن مصر والسعودية تركتاه لمصيره، بل إنهما تورطتا في مؤامرات أمريكية لإسقاطه. ولا شك أن تداعيات الحرب الإسرائيلية على لبنان صيف 2006 وازدياد الارتباط السوري بإيران وتصاعد العبث السوري بالأوضاع اللبنانية والفلسطينية والعراقية، بتعاون وثيق مع إيران، قضت على ما تبقى من ثقة بين أطراف "المثلث العربي"، إذ وجدت مصر والسعودية أنهما في جانب مناقض تماماً للجانب الذي تنشط فيه سورية.

 وفيما تتصاعد الأصوات المطالبة بتحرك الجامعة العربية لـ "تنقية الأجواء العربية"، تتكاثر الاقتراحات لعقد اجتماع استثنائي لوزراء الخارجية، أو قمة مصغرة تبادر إحدى دول الخليج للدعوة إليها، أو لترتيب وساطة مكوكية بين العواصم المعنية. لكن الرئاسة السورية للقمة العربية تبدو عاملاً معوقاً لهذه الجهود، خصوصاً أن سورية لا تبدو راغبة أو حتى قادرة على وضع حد للدور الإيراني للجمه والحؤول دون تدخله المتزايد في الشؤون العربية. وهذا كاف في حد ذاته لإحباط أي تجاوب مصري أو سعودي مع هذه المساعي، إلا إذا نضجت في الاتصالات السرية ظروف تشجع القاهرة والرياض على تجاوز الاعتبارات التي تمنعهما اليوم من استعادة الحوار مع دمشق.

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات