دول الخليج والطاقة النظيفة

مالك عوني: دول الخليج والطاقة النظيفة

  • 5 ديسمبر 2007

كشفت قمة "أوبك" الثالثة التي عقدت يومي 18 و19 نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، في العاصمة السعودية الرياض، عن توجه خليجي قوي لدعم بحوث الطاقة النظيفة. فبعد إعلان المملكة العربية السعودية في اليوم الأول من القمة، عن مبادرتها بشأن تخصيص مبلغ 300 مليون دولار أمريكي لتكون نواة لبرنامج يمول البحوث العلمية المتصلة بالطاقة والبيئة والتغير المناخي، سارعت كلٌّ من دولة الإمارات العربية المتحدة، والكويت، وقطر، في اليوم التالي، إلى التبرع بمبلغ 150 مليون دولار، للغرض ذاته.

وتبدو أهمية هذا التوجه، في ضوء ما كشف عنه التقرير النهائي للجنة الحكومية الدولية حول التغير المناخي، وهي لجنة تابعة للأمم المتحدة، يوم 17 نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، أي قبل يوم واحد فقط من انعقاد القمة، من أن التغيرات المناخية أصبحت تمثل حقيقة واقعة، بل ومتسارعة. وأوضح التقرير أن المرحلة المقبلة ستشهد تكشف الآثار المدمرة لتلك التغيرات التي حدثت فعلاً في مناخ الكرة الأرضية، والتي لا يمكن وقفها، محدداً غاية ما يمكن للجهود الدولية أن تقوم به، في وقف تفاقم تلك الآثار مستقبلاً، بشرط إنفاق مليارات الدولارات سنوياً لهذا الغرض.

 وفي الواقع فإن المبادرات الخليجية للاستثمار في مجال الطاقة النظيفة ليست وليدة هذه القمة، فقد سبقتها مبادرات أخرى عدة، لعل أهمها مبادرة "مصدر" التي أطلقتها إمارة أبوظبي العام الماضي. وبحسب ما تكشف تصريحات المسؤولين الخليجيين، فإن الجهود الخليجية في هذا الصدد تنصرف إلى بعدين أساسيين: أولهما، تطوير طاقة نظيفة من الوقود الإحفوري التقليدي ذاته. وثانيهما، تطوير أنماط بديلة من الطاقة النظيفة، مثل الطاقة النووية، أو الحيوية، أو طاقة الشمس والرياح.

ومع أهمية مواجهة خطر التلوث الناتج عن تزايد استهلاك الطاقة، فإنه لا يمكن الركون إلى هذا المتغير البيئي فقط لتفسير التوجه الخليجي الجديد نحو تطوير مصادر الطاقة النظيفة، فهناك منافع أخرى يمكن أن تحققها دول الخليج من هذا التوجه. وفي هذا الإطار، يمكن للمرء أن يلاحظ ثلاث مجموعات رئيسية من المنافع. أولاها: تأكيد الوجه الإنساني للثروة الخليجية الناتجة عن الطفرة النفطية الحالية؛ فرغم أن ارتفاع أسعار الطاقة الحالي ناجم بالأساس عن زيادة الطلب في الدول المتقدمة وفي الهند والصين، ولم يأت نتيجة لقرار من الدول المنتجة، فإن الإعلام الغربي، عادة ما يتهم دول "أوبك"، بأنها مسؤولة عن خفض مستوى معيشة عدد كبير من سكان العالم، نتيجة ارتفاع تلك الأسعار. بل إن هذا الإعلام أشاع خلال الطفرة النفطية الأولى في منتصف سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، صورة سلبية للخليجي تحديداً باعتباره يستخدم ثروته لاستغلال البشرية. ولعلنا نلمس تداعيات تكرس تلك الصورة في الاتهامات، التي تبدو معدة سلفاً، والتي توجه، حالياً، لدول الخليج العربية بانتهاك حقوق العمالة الوافدة فيها.

واتسع سيل هذه الاتهامات الإعلامية الغربية التي حفزتها الطفرة النفطية الحالية، لتشمل كذلك، اتهام دول الخليج تحديداً، وبدون دليل ملموس، باستخدام تلك الفوائض الضخمة لدعم أنشطة "الإرهاب". وقد كانت تلك الاتهامات بارزة في سلسلة مقالات خصصها الكاتب الأمريكي الشهير، توماس فريدمان، لحث الشركات والحكومة الأمريكية، على البحث عن بدائل للنفط تحرر الولايات المتحدة من الاعتماد على النفط المستورد. في هذا السياق، تحوَّل ارتفاع أسعار النفط إلى أداة لاستثارة العداء والكراهية للعرب تحديداً.

ويبدو من تداعيات إشاعة صورة "الإرهابي" التي أُضيفت لصورة "المستغل"، مساهمتها في مفاقمة العداء المسبق الذي بدأ يشيع في الدول الغربية عامة إزاء أية استثمارات خليجية. وليست ببعيدة الأزمة التي أثارها في الولايات المتحدة استحواذ شركة موانئ دبي العالمية على حقوق إدارة ستة موانئ أمريكية، وكذلك الحملة المتصاعدة حالياً إزاء صناديق الاستثمار الحكومية، وفي مقدمتها الخليجية. بعبارة أخرى، فإن تلك الصور المتحيزة والمغلوطة التي يروج لها الإعلام الغربي مستغلاً الأعباء الاقتصادية الناجمة عن ارتفاع أسعار النفط، تتجاوز حدود التأثير المعنوي، لتلقي آثاراً مادية تهدد مصالح دول الخليج العربية. ولعل المساهمة الخليجية في البحث عن حلول تحد من تفاقم مشكلة التغير المناخي التي ستضر بالبشرية جمعاء وليس فقط بمسببيها، يمكن أن تعزز صورة إنسانية، تساهم في تغيير الصورة السلبية النمطية التي رسخها الإعلام الغربي للشخصية الخليجية، بشرط وجود خطة ترويج إعلامي قوية وعالمية.

أما المجموعة الثانية من المنافع، فتتعلق بالمساهمة في تحرير اقتصاديات النفط من الضغط السياسي في الدول الغربية، والذي قد يهدد استقرار سوق النفط على المديين المتوسط والبعيد. ففي مواجهة ارتفاع أسعار النفط، يجري الحديث عن استخداماته باعتبارها من أكثر العوامل المسببة لظاهرة "الاحتباس الحراري"، للترويج لضرورة البحث عن بدائل له، ليس تحسباً لمرحلة ما بعد النفط، بل للتخلي عن الاعتماد عليه وعلى منتجيه في أقرب مدى زمني ممكن. ولعل من أبرز مظاهر هذا التوجه الغربي، إقرار الكونجرس الأمريكي يوم 28 يونيو/حزيران 2005، مشروعاً شاملاً لإعادة هيكلة قطاع الطاقة الأمريكي بأسره وتقليص اعتماد الولايات المتحدة على النفط الأجنبي، عن طريق تطوير التقنية الجديدة ومصادر الطاقة البديلة؛ وكذلك إعلان الرئيس الأمريكي، جورج بوش، في مطلع شهر أبريل 2006، عن خطة لدعم أبحاث الطاقة البديلة، رُصد لها نحو 20 مليار دولار، في مرحلتها الأولى فقط. وقد تم استخدام هذا التبرير في فرض ما يعرف بضريبة الكربون في الدول الغربية لتقليل استخدام الوقود الإحفوري، تلك الضريبة التي أدت إلى مزيد من ارتفاع أسعار النفط دون أن تعود على الدول المنتجة للنفط بأي فائدة.

وإذا كانت تلك المساعي الغربية لتقليص الاعتماد على النفط بل وللتخلي عنه في أقرب وقت ممكن، من شأنها إثارة مخاوف منتجيه بشأن استقرار الطلب عليه لمدى زمني طويل، فإن استثمار دول الخليج العربية في تطوير استخدامات نظيفة للوقود المتولد عن تكرير النفط من شأنه أن يساهم في تقليص حاجة مستهلكي النفط الكبار للتخلي السريع عنه. فمن جهة، سيحد نجاح تلك الاستثمارات من توظيف حجة البيئة كمبرر للدعوة إلى التخلي عن النفط. ومن جهة ثانية، سيؤدي ذلك، حال تحققه، إلى خفض تكلفة استخدام وقود النفط كمصدر للطاقة، نتيجة انتفاء الحاجة إلى فرض ضريبة الكربون المشار إليها، والانخفاض المتوقع في التكلفة الحدية لاستهلاك وقود النفط. وليس من المرجح أن يؤدي هذا العامل الأخير تحديداً إلى انخفاض الطلب الكلي على النفط، مثلما قد يتبادر للذهن للوهلة الأولى، إذ إن هذا الانخفاض الحدي في تكلفة استهلاك وقود النفط ستعزز من الطلب عليه للاستفادة من انخفاض التكلفة الإنتاجية.

وفي خلاصة تحليل هذه المجموعة من المنافع يتضح أن الاستثمار في إنتاج طاقة نظيفة من النفط، وخفض تكلفتها الحدية، سيحد من العوامل المحفزة للدول الصناعية المتقدمة لتسريع تخليها عن النفط، ما يضمن استدامة طلب مستقر عليه. ويعد هذا الطلب المستقر هاما بشكل خاص للدول المنتجة، والدول الخليجية في مقدمتها، لضمان تدفقات مالية منتظمة تتيح لتلك الدول الحفاظ على وتيرة التنمية المتسارعة التي تشهدها حالياً، وتأمين جدوى استثماراتها التي تقدر بمليارات الدولارات في تطوير قطاع الإنتاج النفطي، والتي تستهدف الوفاء بطلب يتوقع تزايده على النفط في المستقبل لا تراجعه بالتأكيد.

وترتبط المجموعة الثالثة من المنافع بإمكانية تأسيس قطاعات اقتصادية واستثمارية جديدة، يمكن أن تعزز النمو الاقتصادي الراهن لدول الخليج وتنوع مصادر دخلها، وتضمن لها، على المدى البعيد، استدامة النمو في حقبة ما بعد النفط. فنجاح جهود دول الخليج لتطوير تكنولوجيا تتيح زيادة كفاءة استهلاك الوقود المتولد عن تكرير النفط، يمكن أن يتيح لتلك الدول، من جهة، أن تقيم صناعة معرفية سيكون من المؤكد وجود طلب عالمي غير محدود عليها؛ لأنها ستؤسس لجيل جديد من أدوات الإنتاج والمنتجات وفق هيكل تكلفة يقل جوهرياً عن القائم حالياً. كما يمكن لتلك الدول من جهة أخرى، أن تؤسس قاعدة صناعية متنوعة، لإنتاج أدوات الإنتاج والمنتجات ذاتها. وغني عن الذكر هنا ما سيكون لذلك من أثر في تنويع مصادر الدخل، والتأسيس لمرحلة نمو جديدة في دول الخليج.

أما فيما يتعلق بالاستثمار في تطوير مصادر طاقة بديلة، فإنه سيكون الضمانة على المدى الطويل لاستدامة النمو في تلك الدول في حقبة ما بعد النفط؛ ففي ظل حقيقة أن النفط مآله إلى نضوب، فإن تلك الطاقة البديلة ستكون هي بلا منازع طاقة المستقبل. والاستثمار في هذا النوع من الطاقة هو استثمار بعيد المدى. ولكن مع وجود صعوبات تواجه إنتاج الطاقة البديلة بشكل يحقق جدوى اقتصادية تفوق النفط، فلا يتوقع لتلك المصادر الإضرار بالطلب على النفط في المدى المنظور، لاسيما أن بعض تلك المصادر ما زالت تعاني من مشكلات خطيرة تعيق استخدامها لإنتاج الطاقة على نطاق واسع. فالطاقة النووية تثير مشكلات سياسية وأمنية نتيجة المخاوف من انتشار تكنولوجيا إنتاج تخصيب اليورانيوم والتي يمكن استخدامها في إنتاج أسلحة نووية. كما أن إنتاج الطاقة الحيوية من المحاصيل الزراعية الغذائية، أثار تحذيرات عالمية من مخاطر تسببه بأزمة عالمية في إنتاج الغذاء، قد تهدد بمجاعات خطيرة. وبالتالي، يظل إنتاج الطاقة من المصادر المتجددة مثل الرياح والطاقة الشمسية هو الخيار الأنسب، وإن كان ما زال الأقل تطوراً وكفاءة اقتصادية. ومع غنى منطقة الخليج بتلك المصادر المتجددة، إذ تعد من أكثر مناطق العالم من حيث عدد أيام سطوع الشمس على مدار العام، فإن دول الخليج باستثمارها في تطوير تكنولوجيا إنتاج الطاقة من المصادر المتجددة بشكل اقتصادي، سيتاح لها امتلاك معرفة ستشكل ثروة المستقبل، وكذلك القدرة على إنتاج الطاقة التي يمكن بيعها للعديد من دول العالم، التي لا تتوافر لها الظروف الطبيعية ذاتها.

يبقى في النهاية ضرورة التشديد على عاملين هامين لضمان تحقيق دول الخليج أقصى استفادة ممكنة من الاستثمار في الطاقة النظيفة. أولهما، أن الاستثمار في بحوث الطاقة هو دالة في عملية بحثية أوسع نطاقاً؛ فبحوث الطاقة هي في الواقع نتاج امتزاج تطور البحوث في أكثر من علم، تشمل الهندسة والفيزياء والكيمياء والهندسة الوراثية، فيما يتعلق بإنتاج الطاقة الحيوية مثلاً. بعبارة أخرى، فإن الاستثمار في بحوث الطاقة يقتضي تأسيس قاعدة علمية وبحثية واسعة النطاق. أما ثاني هذين العاملين، فهو ضرورة توطين تلك القاعدة العلمية والصناعات التي يمكن أن تتأسس عليها في دول الخليج ذاتها، حتى يتاح لها من جهة امتلاك حقوق الملكية الفكرية لنتائج تلك البحوث، ومن جهة ثانية، تعزيز فرص النمو الاقتصادي من خلال وجود تلك الصناعات في الدول الخليجية ذاتها.

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات