دول الخليج: مساعي وشروط المساهمة في مواجهة الأزمة المالية العالمية

أحمد السيد النجار: دول الخليج ... مساعي وشروط المساهمة في مواجهة الأزمة المالية العالمية

  • 16 نوفمبر 2008

في بداية الشهر الجاري (نوفمبر/تشرين الثاني2008) قام رئيس الوزراء البريطاني جوردون براون بزيارة لدول الخليج العربية ليحثّها على استخدام فوائضها المالية، التي تراكمت في فترة الطفرة النفطية الأخيرة، في المساعدة على حل الأزمة المالية العالمية الراهنة من خلال المساهمة في تمويل صندوق الإنقاذ المالي الذي يشرف عليه صندوق النقد الدولي، والذي بلغت مخصصاته نحو 250 مليار دولار، ومن خلال الاستمرار في ضخ الاستثمارات المباشرة وغير المباشرة في شرايين النظام المالي العالمي، وضمنه بالتأكيد النظام المالي البريطاني.

وقبل هذه الزيارة البريطانية كان نائب وزير الخزانة الأمريكي قد زار منطقة الخليج أيضاً مطالباً المسؤولين فيها بإبقاء تدفق الاستثمارات الخليجية إلى الأسواق الأمريكية من خلال الصناديق السيادية الخليجية التي تبالغ المصادر الصحفية الغربية في تقدير حجم الثروات التي تديرها، وتقول إنها بلغت خمسة (5) تريليونات دولار، وهي طريقة غربية معتادة لخلق ضغوط معنوية على بلدان الخليج بتصويرها على أنها بالون منتفخ بالأموال، وأن من واجبها استخدام هذه الأموال في مساندتهم في حل أزمتهم المالية التي أصبحت عالمية.

والحقيقة أن المنطق الذي حرك المسؤولين الأمريكيين والبريطانيين نحو منطقة الخليج طلباً لاستخدام الأموال الخليجية في ضخ الاستثمارات للبلدين، ومساندة برنامج صندوق النقد الدولي الذي تحول منذ سنوات طويلة إلى العمل كوكيل لهم في مواجهة البلدان النامية، هو منطق النظر لكل العالم من منظور المصلحة الغربية الخاصة شديدة الأنانية، فليس هناك ما يبرر لهذين البلدين بالذات، طلب أي مساندة خليجية؛ لأنهما في عام 1998 عندما انهارت أسعار النفط من سلة خامات أوبك إلى 12.3 دولار للبرميل، واضطرت دولة نفطية عملاقة مثل السعودية إلى اقتراض 12 مليار دولار لسد عجز الموازنة العامة للدولة، لم يقدما أي مساندة من أجل رفع أسعار النفط إلى مستويات معتدلة أو عادلة. وذلك الموقف بالذات هو ما جعل رومانو برودي رئيس الوزراء الإيطالي السابق، والذي يتمتع بوازع ضميري وأخلاقي؛ أن يصرح في عام 2000، عندما ارتفعت أسعار النفط إلى 27.6 دولار للبرميل في المتوسط في العام المذكور، بأن الدول المستوردة تستحق تحمل أعباء هذا الارتفاع لأنها لم تمد يد المساعدة للدول المصدرة عندما انهارت أسعار النفط عام 1998.

والحقيقة أن البلدان العربية في منطقة الخليج العربي، والتي راكمت فوائض مالية كبيرة من الطفرة النفطية الأخيرة، ينبغي أن تنظر إلى توظيف هذه الفوائض من منظور مصلحتها الوطنية قبل أي شيء آخر، وأن تركز بصورة أساسية على معالجة أوضاع القطاع المالي لديها، وعلى تنشيط النمو وتشغيل رأس المال وقوة العمل لديها في نشاطات اقتصادية منتجة في الصناعة والخدمات، تضيف للاقتصاد قوة منتجة للثروة بصورة متجددة ودائمة، بدلاً من نموذج اختزان القيمة في الذهب أو العقارات، أو استخدامها في المضاربات المدمرة في البورصة أو أسواق العملات أو حتى السلع. ويكفي بلدان الخليج، الحصة التي نالتها من الخسائر الناجمة عن الأزمة المالية الأمريكية والعالمية الراهنة، سواء من خلال انهيار أسعار النفط، أو الخسائر الهائلة لمستثمريها ومؤسساتها المالية الذين كانت لهم استثمارات في الأسهم وفي سندات الشركات المالية وغير المالية المتداعية في الولايات المتحدة وأوروبا، أو الخسارة في أسواق العملات التي شهدت أسعارها تغيرات حادة بعد اندلاع الأزمة، والتي كان كثير منها خارج الحسابات الاقتصادية والمنطقية، وارتبطت أساساً بتحركات كبار المضاربين. وقد اعترفت بعض المؤسسات المالية العربية بخسائرها من جراء الأزمة، وكان أكبرها خسارة المؤسسة المصرفية العربية لنحو مليار دولار، وخسارة بنك الخليج الكويتي لأكثر من 740 مليون دولار.

وتجدر الإشارة إلى أن قيمة الإيرادات النفطية الخليجية المعبرة عن حجم الطفرة النفطية، قد ارتفعت من مستواها المتدني للغاية والبالغ 58.5 مليار دولار عام 1998، إلى 83.2 مليار دولار عام 1999، و134.4 مليار دولار عام 2000، ثم إلى 169.6 مليار دولار عام 2004، و259.7 مليار دولار عام 2005، ونحو 310 مليارات دولار عام 2006، حتى بلغت 355 مليار دولار عام 2007. ومن المتوقع أن تبلغ نحو 450 مليار دولار في العام الحالي. وبالتالي فإن هناك مبالغات كبيرة بشأن الأموال المتراكمة التي نجمت عن هذه الطفرة.

ومن البديهي أن الوفرة المالية لدى دول الخليج تستدعي قيامها بدور نشط في تعزيز الوضع الداخلي لاقتصاداتها الوطنية من خلال تمويل استثمارات في قطاعات الاقتصاد العيني الحقيقي كالصناعة والخدمات وحتى الزراعة في البلدان التي توجد بها إمكانيات زراعية، ويمكن للدول الحريصة على نموذج الاقتصاد الحر، أن تبيع هذه المشروعات بعد ذلك في فترة الرواج الاقتصادي، وإن كان من الضروري تأكيد أن النمط الرأسمالي العالمي الراهن يمر بمرحلة تغير فارقة الآن؛ حيث أصبح في الواقع العملي، بعد التدخلات الهائلة للدول في اقتصاداتها عبر عمليات ضخ السيولة والتأميم الكلي والجزئي للكثير من المؤسسات المالية والاقتصادية المتداعية، أقرب للنموذج "الكينزي"، الذي يدعو الدولة الرأسمالية للقيام بدور كبير في الاقتصاد لحفظ التوازن الاقتصادي الكلي، ولضمان مستوى مرتفع من تشغيل قوة العمل ورأس المال. كذلك فإن الدول الخليجية مدعوة لاستخدام الفوائض المالية المتاحة لديها في تطوير شركات حكومية صانعة للأسواق للسيطرة على المضاربات في أسواق الأسهم فيها لمنع الانهيارات أو الارتفاعات غير المبررة؛ حيث تحتفظ هذه الشركات الصانعة للأسواق بحصص كبيرة من أسهم الشركات المدرجة في السوق، وتتدخل مشترية للأسهم عندما تنخفض أسعارها عن قيمتها الحقيقية بصورة غير مبررة ومرتبطة بعوامل معنوية أساساً مما يوقف انخفاضها، وتتدخل بائعة للأسهم التي ترتفع أسعارها بصورة غير مبررة نتيجة المضاربات، مما يوقف ارتفاعاتها غير المنطقية التي تحول البورصات إلى بالونات قابلة للانفجار في أي لحظة.

كما أن بلدان الخليج مدعوة أيضاً إلى استخدام فوائضها المالية المتراكمة في تأسيس صندوق مشترك لجميع دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية، أو صناديق قطرية، تقوم بدور محوري في صنع الأسواق وتمويل الاستثمارات في المنطقة العربية على أسس اقتصادية تعود عليها بالنفع الاقتصادي، وتساعد بصورة واضحة على بناء نفوذ اقتصادي إقليمي قوي بتكلفة محدودة؛ لأن أسعار الأسهم والأصول تراجعت في البلدان العربية منذ بدء الأزمة المالية العالمية وحتى الآن. كما أن أي تطور في الاقتصاد الخليجي الحقيقي سيرتبط أكثر بالتبادل مع المحيط الإقليمي العربي ليستفيد من انخفاض نفقات النقل والتأمين التي تعطيه ميزات على أي إنتاج قادم للمنطقة العربية من مناطق أبعد جغرافياً.

ويمكن لدول الخليج أن تساهم في صندوق الإنقاذ المالي التابع لصندوق النقد الدولي، ولكن بشروط واضحة، وهي أن تكون هذه المساهمة ضمن مساهمات تقدمها كل الدول الصناعية المتقدمة والدول صاحبة الفوائض المالية الكبيرة، وعلى رأسها الصين واليابان ودول شرق آسيا، وأن تكون حصة بلدان الخليج موازية لحصتها من الناتج العالمي وليس أكثر. كما أن هذه المساهمة ينبغي أن ترتبط بإصلاح صندوق النقد الدولي والنظام النقدي الدولي ذاته، فلابد من تعديل الكتل التصويتية في الصندوق لصالح حصول دول الفائض المالي العربي على حصة تصويتية أكبر على قدر مساهمتها في أي زيادة للسيولة أو لرأس مال الصندوق إذا تقرر ذلك. كما أن وضعية الدولار كعملة احتياط دولية يجب أن تتغير لصالح سلة من العملات بنسب متوازية مع حجم اقتصادات بلدان هذه العملات، وحصتها من الناتج العالمي ومن الصادرات الدولية. ومن المؤكد أن الدول الخليجية ستضمن أن تكون لعملتها الموحدة حصة معقولة في أي عملة دولية، في حال توصلها إلى عملة حسابية خليجية مشتركة بنسب تحويل محددة من كل عملة خليجية إلى هذه العملة الموحدة، لحين تحويلها إلى عملة مستخدمة في السوق بالفعل على غرار وحدة النقد الأوروبية التي تحولت إلى اليورو بعد ذلك.

باختصار على دول الخليج أن تكون مستعدة لتوظيف الفوائض المالية المتراكمة لديها في تطوير اقتصاداتها وفي استغلال الفرص السانحة لشراء أصول الشركات القوية في المنطقة العربية وأسهمها بأسعار منخفضة في الوقت الراهن، وأن تكون مستعدة للمشاركة في تقديم المساندة المالية الدولية شرط أن تتم في إطار إصلاح النظام الاقتصادي الدولي وزيادة نفوذها المالي العالمي ومكانتها داخل صندوق النقد الدولي.

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات