دول الخليج بمواجهة العواصف العربية

  • 13 أبريل 2011

تشهد منطقة الخليج العربي حالياً بعض تداعيات الانتفاضات الشعبية في العالم العربي وارتداداتها. وقد حاولت دول مجلس التعاون الخليجي أن تتعامل مع تلك التحولات بمبادرات إيجابية أو بحيادية، إلا أن التطورات ما لبثت أن استدعتها إلى اتخاذ مواقف أو خطوات حاسمة أحياناً. ومع ذلك، ظل الميل السائد لديها إلى أن تكون التحولات لمصلحة الاستقرار للدول وشعوبها كافة، كذلك إلى استعدادها لأي مساعدة أو مبادرة تطلب منها لتذليل عقبات أو حل إشكالات يمكن أن تخفف المواجهات هنا أو هناك.

خلال شهر آذار (مارس) الماضي استدعت الأحداث تدخلاً لدول مجلس التعاون أولاً في البحرين، وثانياً في الأزمة الليبية. ومطلع نيسان (أبريل) الحالي اضطرت للتدخل في اليمن. وقد سلط ذلك الأضواء على الدور الذي باتت تلعبه دول الخليج رغم نهجها التقليدي المتحفظ والمحافظ، فهي تفضل عادة عدم التدخل تجنباً لأي تدخل في شؤونها، ولئلا تقحم في جدل ومهاترات لا ترغب فيها. لكن المنطق السياسي الذي فرضته التحولات رشح دول الخليج لأدوار كانت تتصدى لها عادة دول أخرى على رأسها مصر. ولذلك أسباب أهمها أن دول الخليج أعطت مؤشرات إلى أنها مستقرة، وأن أنظمتها لا تعاني تشكيكاً في شرعيتها، فضلاً عن أن تحالفاتها الدولية جعلت أمنها جزءاً لا يتجزأ من استراتيجية دولية غير معرضة للاهتزاز مهما كانت التحديات.

كان لافتاً أن مناخ الانتفاضات الشعبية في العالم العربي فرض نفسه ومفاعيله على مختلف القضايا والنزاعات التي كانت، ولا تزال، تشغل المنطقة. فجأة طرأ جمود يصعب تفسيره أحياناً، بدءاً من أفغانستان، مروراً بالعراق وفلسطين ولبنان، وصولاً إلى أزمة الملف النووي الإيراني، التي دخلت ما يشبه الهدنة المؤقتة. لعل مرد ذلك إلى محورية العالم العربي في السياسات الدولية، وأيضاً إلى أن التغيير الحاصل والمتوقع كان منتظراً منذ أكثر من عقدين. ورغم اختلاف المقاربات الدولية لكل بلد عربي وتحولاته، فإن الدول الكبرى ما لبثت أن بنت رؤية شبه موحدة للتعامل معها. غير أن إيران انفردت بمحاولاتها سواء لركوب الموجة، والإيحاء بأنها متأثرة بثورتها التي مضت عليها ثلاثة عقود، أو لاستغلال الأحداث لتسجيل بعض المكاسب الإقليمية.

هذا ما ظهر بوضوح في الحدث البحريني، حيث كان يمكن للاحتجاجات الشعبية والمطالبة بالإصلاح السياسي أن تفضي إلى توافق بين الحكم والمعارضة على قاعدة تطوير "الميثاق الوطني" وتفعيله. لكن إيران انتهزت كون الجماعات المحتجة من الشيعة، فاخترقت حركتهم ودفعتهم إلى التطرف بحيث أصبحت المطالبة بالإصلاح مطالبة، بل سعياً إلى تغيير النظام. وما كان ممكناً أن يعالج بالحوار والتفاهم تحت سقف الممكن والمعقول، أصبح عصياً على التفاهم؛ مما تطلب العودة إلى الحلول الأمنية التي عادة ما لا تحل أي مشكلة. والأهم أن التدخل الإيراني، المرفق بدور مباشر لـ"حزب الله" اللبناني، دق أجراس الإنذار في مختلف العواصم الخليجية، التي ما لبثت أن اعتمدت تحليلاً موحداً مفاده أن إيران تتدخل في البحرين لتنال من الاستقرار الخليجي عموماً، ثم اعتمدت تصوراً موحداً للرد تمثل بإرسال قوات "درع الجزيرة"، ولو بأعداد رمزية، بطلب من حكومة المنامة ولمساعدتها على تجاوز الجانب الأمني من الأزمة وللحد من الضغوط التي تتعرض لها لتقديم تنازلات سياسية. وقد استوجب هذا التدخل الذهاب خلافاً للرغبة المعلنة للولايات المتحدة بصفتها حليفاً أمنياً.

ليس أدل على الحسم الذي تميزت به هذه الخطوة من ردود الفعل الإيرانية عليها، إذ حاولت طهران عبثاً تقديمها على أنها "تدخل غير مقبول"، أو "غير مشروع"، بل اعتبرتها "احتلالاً"، متجاهلة ما هو معروف ومعلن من حقائق مجلس التعاون الذي ترتبط دوله بتعاقدات دفاعية يمكن تفعيلها تلقائياً وبالتفاهم والتضامن بين هذه الدول. وفيما بعد أثبت القضاء الكويتي وقائع اكتشاف شبكات عدة للتجسس لمصلحة إيران، فوفر دعائم إضافية لاتهام إيران بالتدخل في الشؤون الداخلية لبلد خليجي. ولا شك أن بيان وزراء خارجية دول مجلس التعاون، في اجتماعهم الثالث خلال شهر، وبعض المواقف الحكومية التي واكبته، قد شكلت تحذيراً ردعياً من أن التوتر الإقليمي بلغ ذروته وتنبغي فرملته لأن طرفيه –الخليجي والإيراني- لا يبحثان عن مواجهة. وكان على طهران أن تستخلص الدروس من فشلين واضحين تعرضت لهما في البحرين والكويت، وبدا أنهما نتيجة خطأ في تقدير المواقف.

بالنسبة إلى ليبيا، كان تطرف النظام في ردّه على اندلاع الثورة الشعبية ضده قد أقلق العالم، وبات البلد مرشحاً لمجازر وإبادات معلنة إذا لم يطرأ أي تدخل خارجي يجبر النظام على إعادة النظر في خططه وحساباته. وباستثناء قلة من الدول في العالم، كان هناك شبه إجماع على وجوب التدخل، لكن إرث التدخل في العراق فرض التردد على الولايات المتحدة والدول الأوروبية. لذا جرى البحث عن مشاركة عربية، أو بالأحرى مظلة عربية، وإذا أمكن إسلامية أيضاً، لأي قرار دولي. لم تجد دول مجلس التعاون الخليجي صعوبة في التوصل إلى رؤية مشتركة طرحت على الجامعة العربية تحت عنوان "حماية المدنيين" في ليبيا. ورغم اعتراض بعض الدول أمكن اتخاذ القرار الذي مهد لاعتماد القرار في مجلس الأمن. ولم يقتصر الدور الخليجي هنا على الجانب السياسي، بل تجاوزه إلى المشاركة في العمليات العسكرية التي بدأت بقيادة أمريكية قبل أن تنتقل إلى قيادة الحلف الأطلسي. وفيما تشارك دولتا قطر والإمارات بوحدات جوية رمزية، فإن ذلك أشار إلى مباركة خليجية عامة لهذه الخطوة التي تعتبر سابقة في سياسات مجلس التعاون، خصوصاً أن الهدف المحدد للتدخل الدولي بات يعرف صراحة على أنه تمهيد لنقل السلطة وتغيير النظام من دون إرسال قوات برية إلى الأرض الليبية.

لم تشأ دول الخليج التدخل في اليمن، رغم المخاطر التي يمكن أن يشكلها عليها استمرار أزمته، التي لم تبدأ مع الاحتجاجات الشعبية، وإنما تمتد إلى أعوام وعقود مضت. لكن الأزمة الأخيرة أوهنت نظام علي عبدالله صالح وأفقدته زمام المبادرة السياسية، ورغم مواصلته السيطرة على القبضة الأمنية وتمتعه بتأييد بعض القبائل، إلا أن منطق التغيير فرض نفسه، باعتبار أن النظام لم يتمكن من إنهاء الاحتجاجات المناوئة له، ولم يطرح خطة سياسية ذات مصداقية يمكن أن تغير مجرى الأحداث. ويبدو أن الرئيس صالح عوّل على حاجة الولايات المتحدة والسعودية إليه لمحاربة تنظيم "القاعدة" المتغلغل في اليمن، وبالتالي اعتبر أنهما لن تتخليا عنه تحت أي ظرف. لكن الأزمة بلغت أفقاً مسدوداً ويتطلب تنازلاً من الطرف الذي لم يعد مرغوباً فيه، ثم أن إطالتها باتت تنذر بأن "القاعدة" ستستغلها أقله في تحسين ظروفها استعداداً لمرحلة مقبلة. وعندما طرحت دول مجلس التعاون إمكان القيام بوساطة، كان معلوماً أن الأمريكيين بدؤوا يغيرون موقفهم من علي عبدالله صالح، وفهم أن "الوساطة" يمكن أن تتم بهدف تسهيل تنحي الرئيس لا مساعدته للاستقواء على شعبه. وهذا شكل أيضاً تغييراً في إدارة السياسة الإقليمية من جانب دول مجلس التعاون.

في المرحلة الانتقالية التي يمر بها العالم العربي، ولاسيما دوله الناشطة إقليمياً كمصر وسورية، تبدو دول الخليج مرشحة لأدوار يمكن أن تعتبر الآن مجرد ملء للفراغ، لكنها يمكن أن تؤسس لدور رئيسي دائم لن تستطيع تأديته إلا بشرطين: الأول، تضامن دولها وشعوبها، والثاني صياغة رؤية واضحة لهذا الدور لئلا يدخل في منافسات سياسية تسهل على إيران اختراقها. وفي مختلف الأحوال ينبغي أن تكون هذه الرؤية مرتبطة بمصلحة مشتركة واضحة لدول الخليج، قد تكون، وقد لا تكون، منسجمة دائماً مع رؤى الحليف الأمريكي الذي يفقد في كثير من الأحيان حسّ خصوصيات المنطقة ومصالح دولها. والأهم أن هذا الدور يتطلب وعي ضرورات التطوير والتحديث لمنظومة التعاون بمستوياتها الخليجية العامة وجوانبها الداخلية الخاصة بكل دولة على حدة.

Share