دولة الإمارات في الاقتصاد العالمي: دور فعّال وموقع متميز

  • 27 نوفمبر 2011

عندما أعلن المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، وإخوانه حكام الإمارات عن قيام دولة الاتحاد في الثاني من ديسمبر عام 1971، كانوا ينظرون إلى علم الدولة بألوانه الأربعة المعبرّة عن أصالتها وهويتها، وهو يرتفع إلى الأعلى شامخاً في سماء مشرقة بالتفاؤل. وكان طموحهم هو بناء دولة عصرية تحتل موقعاً متميزاً على خارطة الاقتصاد العالمي، وهو الطموح الذي مثَّل أساساً لرؤية متكاملة انطلقت من خلالها دولة الإمارات إلى المستقبل، واستلهمت منها استراتيجياتها وخططها التنموية. لقد تُرجمت السياسات والاستراتيجيات، وخاصة ما يتعلق منها بالانفتاح الاقتصادي وتحرير الأسواق، والتي تبنتها الدولة لاحقاً، تلك الرؤية لتصبح دولة الإمارات واحداً من أهم اللاعبين الرئيسيين في الاقتصاد العالمي، وعززت سياسة الدولة الخارجية المتوازنة تلك المكانة التي اكتسبتها بجدارة، مما قاد إلى خلق المزيد من الشراكات مع غيرها من دول العالم، وجعل منها طرفاً مهماً في الكثير من الاتفاقيات التجارية مع الدول الأخرى، وعضواً فاعلاً في العديد من المنظمات والتكتلات الاقتصادية الدولية.

من جانب آخر، ساهمت الخصائص التي تتمتع بها دولة الإمارات- مثل موقعها الجغرافي، وتاريخها الطويل كمركز تجاري في المنطقة، وبنيتها التحتية ومرافقها  المتطورة- في تلبية احتياجات التجارة ومتطلبات الاستثمار، ودعم دور الدولة في الاقتصاد العالمي، لتحقِّق تطوراً كبيراً خلال العقود الأربعة الماضية. ويمكن قياس هذا التطور من خلال ثلاثة عناصر رئيسة هي: حجم التجارة الخارجية وتنوُّعها، وحجم تدفقات رؤوس الأموال الوطنية وغير الوطنية، وبناء الشراكات الإقليمية والدولية.

ترتكز السياسة التجارية التي تنتهجها الدولة على الحرية بمفهومها الاقتصادي من خلال تحرير الأسواق المحلية، والانفتاح على الأسواق العالمية. وأدت هذه السياسة- التي عززتها الدولة بانضمامها المبكر لمنظمة التجارة العالمية في 1996 لتكون من أوائل الدول العربية الأعضاء فيها- إلى تضاعف مساهمة الدولة في حركة التجارة الدولية، إذ زاد حجم صادرات الدولة من نحو 29 مليار درهم عام 1975، شكلت صادرات النفط الخام نحو 93% منها، إلى نحو 463 مليار درهم في عام 2010، لم تتجاوز مساهمة صادرات النفط الخام فيها 60%. وبإضافة إعادة التصدير إلى الصادرات، فإن إجمالي حجم الصادرات وإعادة التصدير سيصل إلى نحو 779.6 مليار درهم العام نفسه (المصدر: التقرير السنوي، مصرف الإمارات العربية المتحدة المركزي، أعداد متفرقة).

وجاءت دولة الإمارات في قائمة الدول العشرين الأولى في التجارة العالمية عام 2010، محتلة المرتبة التاسعة عشرة على مستوى العالم في حجم الصادرات، ومتقدِّمة على دول كبيرة حجماً وسكاناً مثل الهند وماليزيا، وذلك وفقاً للتقرير الذي أصدرته منظمة التجارة العالمية (WTO) عام 2011 حول تطور حركة التجارة العالمية. وفي هذا الإطار، ومع الأخذ بعين الاعتبار ما سبق ذكره من تراجع مساهمة صادرات النفط الخام في إجمالي الصادرات الإماراتية، يتضح أن هدف تنويع القاعدة الإنتاجية للدولة، وحرص القيادة على تحقيقه، ووجود سياسات واضحة ودقيقة لتنفيذه، هي عوامل ساعدت على تنويع صادرات الإمارات، فلم تعد تقتصر على الصادرات النفطية، بل أخذت صناعات كالألمنيوم والمستحضرات الصيدلانية ومواد البناء والصناعات الغذائية والصناعات العسكرية وغيرها، تحتل موقعاً متقدماً في الصادرات الإماراتية، وتنافس مثيلاتها من صناعات الدول الصناعية الكبرى في الأسواق العالمية، سواء من حيث جودة إنتاجها أو التزامها بالمعايير والمواصفات العالمية.

وجدير بالذكر أن النمو في الصادرات قد رافقه نمو في الواردات، فزاد حجمها من نحو 10.6 مليار درهم عام 1975 إلى نحو 592.8 مليار درهم عام 2010. وجاء هذا النمو نتيجة عوامل كثيرة، منها: النمو الاقتصادي الكبير، والتوسع في إقامة المشروعات التنموية الضخمة، والزيادة السكانية الملحوظة التي شهدتها الدولة، خاصة من جانب الوافدين (المصدر: التقرير السنوي، مصرف الإمارات العربية المتحدة المركزي، أعداد متفرقة). وفي هذا الإطار، تُعدُّ دولة الإمارات واحدة من الأسواق الواعدة عالمياً، إذ جاءت في المرتبة الخامسة والعشرين بين دول العالم من حيث حجم الواردات في عام 2010 (WTO: World Trade Development Report 2011).

ولم يقتصر دور دولة الإمارات في الاقتصاد العالمي على التجارة فقط، بل يشمل الاستثمار أيضاً، وذلك رغبة منها في الاستفادة مما يحققه الاستثمار بنوعيه، الوطني الخارج من الدولة، والأجنبي الداخل إلى الدولة، من مزايا للاقتصاد الوطني. ففيما يتعلق بالاستثمار الأجنبي، وظّفت الإمارات إمكانياتها الضخمة، وهيأت المناخ المناسب لجذب الاستثمارات الأجنبية بشقيها المباشر وغير المباشر، مما جعلها من أكثر الدول المستقبلة لهذه الاستثمارات، حيث بلغ إجمالي تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر إلى دولة الإمارات العربية المتحدة نحو 14.5 مليار درهم عام 2010، أي ما يشكل نحو 8.4% من إجمالي تدفقات الاستثمارات الأجنبية المباشرة الواردة إلى الدول العربية، لتحتل المرتبة الخامسة بين الدول العربية من حيث حجم تدفقات الاستثمارات الأجنبية المباشرة الواردة إليها (UNCTAD: World Investment Report 2011).

وفيما يتعلق بالاستثمارات الوطنية في الخارج، فقد حققت نمواً ملحوظاً خلال الأعوام الأربعين الماضية، وأصبحت أكثر تنوُّعاً وتوسُّعاً. ويعدُّ جهاز أبوظبي للاستثمار من أهم وأكبر خمسة صناديق سيادية في العالم. وتتوزع استثمارات جهاز أبوظبي للاستثمار في الأصول التقليدية وغير التقليدية، وتلعب دوراً مهماً مع نظيراتها من استثمارات الصناديق السيادية في دعم نمو الاقتصاد العالمي والحفاظ على استقراره.

وفي السياق ذاته، فقد استطاعت الدولة التعامل باقتدار مع الأزمة المالية العالمية عام 2008، وما تبعها من تداعيات سلبية. فقد تراجعت معظم اقتصادات العالم بصورة كبيرة في ظل هذه الأزمة وما تبعها من مشكلات، سواء تعلق الأمر بالديون السيادية لبعض الدول، ومنها الدول الصناعية الكبرى، أو الالتزامات المالية التي أرهقت كاهل معظم الشركات العالمية، وقادت إلى تراجع ملحوظ في حجم الاستثمارات الخارجية مع ارتفاع درجة المخاطرة، حيث تراجعت تدفقات الاستثمارات الأجنبية المباشرة إلى الخارج من نحو 1.9 تريليون دولار عام 2008 إلى نحو 1.3 تريليون دولار عام 2010 (UNCTAD: World Investment Report 2011).

وفي هذا الواقع الاقتصادي المضطرب، واصلت دولة الإمارات العربية المتحدة نهجها في الاستثمار في الأسواق الواعدة، واقتناص الفرص الاستثمارية المتاحة بالقطاعات الاقتصادية المختلفة في هذه الأسواق انطلاقاً من إيمانها الراسخ بأهمية تنويع القاعدة الاستثمارية. فلم تعد الاستثمارات الوطنية في الخارج قاصرة على المجالات الاستثمارية التقليدية، بل أصبحت الإمارات مستثمراً مؤثراً في أنشطة خدمية وصناعية ومالية وسياحية وزراعية وأنشطة تتعلق بالطاقة من خلال شركاتها الوطنية التي اكتسبت خبرة طويلة واسعة وحضوراً عالمياً ملحوظاً مثل مصدر، واتصالات، وإعمار العقارية، وجلفار للصناعات الدوائية، وشركة موانئ دبي العالمية، وشركة أبوظبي للاستثمارات البترولية الدولية، وشركة مبادلة، وشركة سيراميك رأس الخيمة وغيرها من الشركات الوطنية ذات الاستثمارات التي تتجاوز حدود الدولة الجغرافية. واحتلت دولة الإمارات المرتبة الثالثة بين الدول العربية من حيث حجم الاستثمارات الوطنية المباشرة في الخارج، وبلغ إجماليّ تدفقات الاستثمارات المباشرة من دولة الإمارات إلى الخارج نحو 7.4 مليار درهم عام 2010، أي ما يشكل نحو 11.3% من إجمالي تدفقات الاستثمارات العربية المباشرة إلى الخارج (UNCTAD: World Investment Report 2011).     

إن النمو الملحوظ في حجم التجارة الخارجية لدولة الإمارات العربية المتحدة والتوسع الكبير في استثماراتها الخارجية، ساهما معاً في توسيع قاعدة علاقاتها الاقتصادية مع الدول الأخرى، فأصبحت الإمارات شريكاً تجارياً استراتيجياً لعدد كبير من الدول، وطرفاً فاعلاً في اتفاقيات اقتصادية وتجارية ثنائية وجماعية تربطها بكثير من اقتصادات دول العالم، سواء كانت اقتصادات متقدمة أو ناشئة أو نامية، وعضواً مؤثراً في العديد من التكتلات والتجمعات الاقتصادية الإقليمية والدولية، فهي عضو في الاتحاد الجمركي والسوق الخليجية المشتركة من خلال عضويتها في دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية بما لدوله من دور رئيسي  في تزويد العالم بإمدادت النفط والغاز. وقد أصبح المجلس من أكثر التكتلات الإقليمية تأثيراً بحكم إمكانياته الاقتصادية، ووضعه الجيوستراتيجي. ومن خلال عضويتها في المجلس، أصبحت دولة الإمارات تمتلك فرصاً أوسع للدخول- وفقاً لشروط تفضيلية- إلى أسواق مختلفة بحكم اتفاقيات التجارة الحرة التي تربط المجلس بهذه الأسواق، كاتفاقية التجارة الحرة المبرمة بين مجلس التعاون لدول الخليج العربية ودول رابطة الإفتا (EFTA) عام 2009، واتفاقية التجارة الحرة المبرمة بين مجلس التعاون وسنغافورة عام 2008، إضافة إلى اتفاقيات أخرى للتجارة الحرة قيد التفاوض في الوقت الحالي، مع دول وتجمعات أخرى. وإلى جانب عضويتها في مجلس التعاون، تتمتع دولة الإمارات العربية المتحدة بعضوية فعّالة في تجمعات إقليمية أخرى، تساعدها على تطوير قطاعاتها الاقتصادية ودعم القدرة التنافسية لاقتصادها الوطني.

إن ما حققته دولة الإمارات من انجازات خلال العقود الأربعة الماضية، والتي عزَّزت ورسَّخت من دورها في الاقتصاد العالمي، ليست إلا نتيجة طبيعية للرؤية التي وضع ركائزها مؤسسو الاتحاد وصُناعه العظام، ويواصل تنفيذها صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة، حفظه الله، فالشراكات العالمية لا تأتي من فراغ، ولكنها تتكوَّن من رؤية طموحة واستراتيجية واضحة وعلاقات تحكمها سياسة خارجية تتسم بالحكمة، وعمل دؤوب ومتقن يجعلها واقعاً ملموساً، وكوادر بشرية مؤهلة ومتطورة وقادرة على تعميق النجاح ومواصلته.   

Share