دولة الإمارات: ريادة عالمية في مجال الطاقة المتجددة

  • 2 نوفمبر 2011

في مقابلة حصرية مع موقع مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية على شبكة الإنترنت، أشاد سعادة عدنان أمين، المدير العام للوكالة الدولية للطاقة المتجددة (أيرينا)، بالدور الرائد لدولة الإمارات في تعزيز التكنولوجيا المتطورة في مجال الطاقة البديلة، ليس في المنطقة فحسب، وإنما في العالم بأسره. وفي هذا الخصوص، سلط سعادته الضوء على مجالات التنسيق والتعاون بين الوكالة ودولة الإمارات. كما فنَّد الحجج المضادة بشأن الجدوى الاقتصادية لتطوير مصادر الطاقة المتجددة.

وقد أجريت المقابلة على هامش مشاركة سعادة عدنان أمين في المؤتمر السنوي السابع عشر للطاقة، بعنوان: "أسواق الطاقة العالمية: متغيرات في المشهد الاستراتيجي"، والذي نظمه المركز، في مطلع تشرين الثاني/نوفمبر 2011. وفيما يلي نص المقابلة.

س1: ما معالم استراتيجية "أيرينا" لتنفيذ مهمتها الخاصة بالترويج لاعتماد الطاقة المتجددة واستخدامها في جميع أنحاء العالم؟

ج: إننا نعيش الآن في وقت يشهد اهتماماً كبيراً بالإمكانات التي تتيحها الطاقة المتجددة. بيد أن هناك عدداً كبيراً من العوائق التي تعترض هذا السبيل، وترتبط بمستوى المعرفة والتكنولوجيا المتاحة والجدوى الاقتصادية للاستثمار في مشروعات الطاقة المتجددة.

ولذلك، فقد نظَّمنا استراتيجيتنا على أساس ثلاث مقاربات مختلفة. وتتعلق المقاربة الأولى بكيفية تطوير قاعدة معرفية حول تكنولوجيات الطاقة المتجددة وتكاليفها وإمكاناتها، تكون متاحة لجميع الدول والأطراف المعنية في العالم. أما المقاربة الثانية، فتهتم بكيفية توفير المشورة الصحيحة في مجال السياسات، وكيفية بناء القدرات، ولاسيما لدى الدول النامية، لتكون قادرة على تصميم أطر ملائمة للاستثمارات في مجال الطاقة المتجددة. وتكمن المقاربة الثالثة من استراتيجية أيرينا في تتبُّع ما يطرأ على صعيد الابتكار والتكنولوجيا؛ لأن تكنولوجيات الطاقة المتجددة تتطور بسرعة تطوراً يقود إلى زيادة كفاءتها، وفي الوقت نفسه إلى خفض تكاليف إنتاجها، ومن ثم أسعارها السوقية. ولذلك، علينا أن نضع السيناريوهات، ونتوقع اتجاهات تطور التكنولوجيا والتغيرات التي تطرأ على تكلفتها؛ حتى نستطيع تقديم أفضل المعلومات لأولئك الذين يرغبون في الاستثمار، ليقوموا بذلك بشكلٍ مدروس.

س2: كيف تقيِّمون جهود دولة الإمارات في مجال الطاقة المتجددة؟

ج: من المثير للاهتمام حقاً أن نرى دولة تقوم أسسها على صناعة الطاقة الهيدروكربونية، وفي الوقت ذاته تعتمد نهجاً جدياً للغاية في مجال الطاقة المتجددة. وأعتقد أن ذلك جزء من التفكير الاستراتيجي لقيادة دولة الإمارات. ويقوم هذا التفكير، في نظري، على مجموعة من التساؤلات التي طرحتها القيادة الإماراتية، وأهمها: كيف سيكون وضع الدولة في المستقبل في ضوء توقعات نضوب النفط، ولاسيما أن اقتصادها قائم على الطاقة، وأنها استطاعت مراكمة قدرات ومعارف في هذا المجال؟ وكيف يمكن الوفاء بالمطالب المتزايدة للكهرباء وتحلية المياه؟ وأين تكمن الحدود المقبلة للاستثمارات في مجال الطاقة؟ وأعتقد أن هذا التفكير أدَّى إلى مبادرات خلاقة، من قبيل مبادرة أبوظبي متعددة الأوجه للطاقة المتجددة والبديلة، وتأسيس معهد مصدر، وهو أول مؤسسة تعليمية من نوعها في المنطقة للعلوم والأبحاث يركز على دراسة تقنيات الطاقة المتقدمة والتقنيات المستدامة، وإطلاق مشروع مدينة مصدر، وهي مدينة خالية من التلوث ستشيد في قلب أبوظبي لرعاية مبادرة مصدر، بالإضافة إلى استضافة مؤتمر القمة العالمية لطاقة المستقبل في يناير الماضي. وتأتي استضافة الإمارات الوكالة الدولية للطاقة المتجددة (أيرينا) لتبرهن على مدى جدية القيادة الإماراتية في هذا الشأن.

كما أني لاحظت أيضاً أن النهج الاستراتيجي الذي تعتمده قيادة الدولة يتجلى في الطريقة التي تبحث فيها عن فرص استثمارية خارج الدولة. فقد زرت مؤخراً أحدث محطة للطاقة الشمسية المركزة في العالم، والتي تقع بمنطقة إشبيلية الإسبانية، وهي المحطة التي دشنت بالشراكة مع دولة الإمارات. وتعد المحطة الإسبانية أول محطة تجارية في العالم تستخدم الملح المصهور لتخزين الحرارة، ويتوقع أن يكون لها تأثير كبير في مستقبل قطاع الطاقة الشمسية العالمي. وأعتقد أن مثل هذه الاستثمارات الاستراتيجية تهيِّئ دولة الإمارات لتكون رائداً في مجال تطوير الطاقة المتجددة، ليس إقليمياً فحسب وإنما عالمياً أيضاً.

س3: ما نوع المساعدة التي يمكن أن تقدِّمها أيرينا إلى دولة الإمارات وغيرها من دول مجلس التعاون الخليجي في مساعيها لإنتاج الطاقة المتجددة؟

ج: إن أحد أبرز أوجه القصور لدينا هو التنسيق. وفي الحقيقة، فإنه يمكن مضاعفة تأثيرات الطاقة المتجددة، إذا ما قامت جميع الأطراف الفاعلة بتنسيق نشاطاتها. وعليه، إذا كنّا بصدد تطوير منشآت للطاقة المتجددة على نحو واسع في المنطقة، فعلينا أن نبدأ بمناقشة ما سيقوم به كل طرف معني في المنطقة، وأن نبحث في كيفية الربط الشبكي بين تلك الأطراف، وأن نحدد نوعية التكنولوجيا التي ستُستخدم لتحقيق المزيد من التواصل. وفي هذا السياق، يمكن لأيرينا أن توفِّر منبراً إقليمياً وعالمياً للمناقشة، يساعد على تحقيق تقدم أكبر في المستقبل.

ويمثل معهد مصدر للعلوم والتكنولوجيا خير نموذج للتعاون المشترك بين وكالة أيرينا ودولة الإمارات؛ إذ يقدّم المعهد عشرين منحة دراسية للوكالة التي تتولى تقديمها لطلاب الدول النامية الذين يستوفون شروط الانتساب للمعهد. كما تتولى الوكالة تنظيم برنامج يلقي فيه عدد من كبار الخبراء العالميين محاضرات شهرية على طلاب معهد مصدر. وتعمل الوكالة أيضاً مع المعهد للبدء في تطوير مركز للمعرفة في مجال الطاقة المتجددة لفائدة الدول النامية. وتوفِّر أيرينا منبراً دولياً لدولة الإمارات ومعهد مصدر يمكنهما من التعرف على مبادرات الدول الأخرى في مجال الطاقة المتجددة. ومن جهة أخرى، يشارك خبراء تقنيون من "مصدر" مشاركة فعّالة في أنشطة أيرينا المتنوعة.

س4: هل تنخرط أيرينا في حملة الحدّ من انبعاثات الكربون، ولاسيما في منطقة الخليج؟

ج: علينا أن نضع انبعاثات الكربون في سياقها الصحيح. إننا نعيش في بيئة مناخية شديدة القسوة، لا توجد فيها موارد من المياه العذبة، والخيار الوحيد فيها هو تحلية مياه البحر، والتي تعتمد على الطاقة بكثافة. كما أن درجات الحرارة المرتفعة في معظم شهور السنة تجعل مكيفات الهواء، التي توظف الطاقة بكثافة أيضاً، من الضرورات المطلقة. علاوة على ذلك، فإن انخفاض أسعار البنزين وغيره من مصادر الطاقة يغري السكان في مجتمعات دول الخليج بممارسة عادات تنطوي على الإسراف والهدر. وهذا كله يزيد الانبعاثات الضارة.

إن مهمتنا تتركز على تخفيف حدة الانبعاثات الكربونية، من خلال استخدام مصادر الطاقة البديلة التي تمثل، بلا شك، السبيل الأفضل لمعالجة تلك المسائل. وهناك بعض المشروعات الجديدة في مجال الطاقة المتجددة التي يمكن دمجها على نحو مباشر في تكييف الهواء، منها على سبيل المثال تجربة مدينة "مصدر" التي تستخدم مستوى منخفضاً من الطاقة الحرارية الأرضية لتكييف الهواء، ومنها التفكير في استخدام الطاقة الشمسية لأغراض تحلية مياه البحر. إن كل ما ذكر، إضافة إلى تشجيع الناس على اعتماد عادات أفضل في مجال استهلاك الطاقة، سيساهم في الحد من تلك الانبعاثات.

س5: في رأيكم، ما مصدر الطاقة المتجددة الذي يُحتمل أن يحقق نجاحاً كبيراً بحيث يمكن أن يحلّ محل الهيدروكربونات؟

ج: ليس هناك حل سحري وحيد يمكن أن يحدث بين عشية وضحاها. بيد أننا نقف عند بداية تحول أساسي في مجال الطاقة. فنحن نرى أن الطاقة الشمسية وطاقة الرياح قادرتان على منافسة أشكال الطاقة التجارية في العديد من الأسواق. وهناك الكثير من القضايا التي تشوِّه الأسواق، مثل الدعم الكبير الممنوح إلى الهيدروكربونات. إن تقليص هذا الدعم سيفسح المجال أمام الطاقة البديلة لتنافس، وأعتقد أن هذا تصرف يتسم بدرجة أكبر من الإنصاف، وأن هذا هو الاتجاه الذي يجب علينا سلوكه. ونلاحظ على سبيل المثال أن تكنولوجيا الطاقة الشمسية شهدت تحسُّناً مذهلاً خلال السنوات العشر الماضية. وقد تراجعت أسعارها بنسبة 90% خلال فترة تراوحت من 10 سنوات إلى 15 سنة، كما أن كفاءتها تعززت بدرجة كبيرة عن ذي قبل، وهي الآن قادرة على المنافسة في العديد من الأسواق.

س6: كيف تقيّمون الجدوى الاقتصادية للطاقة المتجددة؟

ج: إن معظم الاقتصاديين الذين يشككون في الجدوى الاقتصادية لمصادر الطاقة المتجددة يعملون في صناعة النفط. أما الاقتصاديون الحقيقيون فهم أولئك الذين يقدرون حجم التكلفة عند إنهاء المستوى العالي من دعم الهيدروكربونات. إضافة إلى ذلك، فإن النفط مكلف من حيث معالجة الانبعاثات التي يتسبب بها، خلافاً للطاقة المتجددة الخالية من الانبعاثات. ولدى البدء في إدراج تكلفة التخلص من الانبعاثات الكربونية في إنتاج النفط، سيصبح النفط غير مجد اقتصادياً. والمنطق نفسه يسري على الطاقة النووية، التي تحظى بدعم حكومي كبير.

إن الطاقة المتجددة تتيح لنا خياراً للمستقبل؛ لأنها تستخدم موارد طبيعية لا تنضب، مثل أشعة الشمس والرياح والأمواج والطاقة الحرارية الأرضية، وعلى نحو يسمح لنا بتحقيق الاستدامة مع فرص أفضل للوصول إلى الطاقة في الوقت ذاته. أعتقد أن هذا هو السبيل من أجل المستقبل.

س 7: تفيد تقارير بأن ألمانيا واليابان تتخذان خطوات كبيرة باتجاه مصادر الطاقة المتجددة بعد كارثة فوكوشيما النووية. هل تعتقد أن هذه المأساة أحدثت تحولاً أساسياً في الإدراك العالمي وأسهمت في نصرة قضية الطاقة المتجددة النظيفة والآمنة والرخيصة؟

ج: هذا صحيح بالفعل. ففي زيارتي الأخيرة إلى اليابان، لاحظت أن ذلك البلد يراجع مزيجه من الطاقة لصالح مصادر الطاقة المتجددة بشكل كبير. والاتجاه نفسه يلاحَظ ليس في ألمانيا فحسب، وإنما أيضاً في جميع أنحاء أوروبا. أعتقد أن كارثة فوكوشيما أحدثت تغييراً كبيراً في النظرة العالمية لصالح مصادر الطاقة المتجددة.

Share