دور روسي في المفاوضات: بين الواقعية والأوهام

  • 23 ديسمبر 2010

تُطرح في الأوساط السياسية الدولية ولدى أطراف النزاع في الشرق الأوسط بين حين وآخر أفكار متنوعة تتوسل أدواراً للخروج من مأزق المفاوضات الإسرائيلية- الفلسطينية.

وعلى الرغم من الإجماع على الدور الحاسم الذي يمكن للولايات المتحدة أن تؤديه في الدفع نحو تسوية مرحلية أو نهائية للنزاع، فإن هناك إجماعاً مماثلاً على العجز الذي تبديه واشنطن إزاء الموضوع، ما يفرض ضرورة البحث عن بدائل ليست سهلة رغم توافر العروض، وغير مضمونة النتائج رغم إعلان النيات وادعاء القدرة على ممارسة الأدوار.

وإذ تشعر الآمال الفلسطينية والعربية بالخيبة من إمكان إحراز تقدم في ظل التعنت الإسرائيلي والإصرار على "التفاوض إلى ما لا نهاية" حسب نظرية إسحق شامير، ورفض الانصياع للحد الأدنى من المطالب التي يمكن أن يقبل بها الفلسطينيون، وهو، في المرحلة الحالية، وقف الاستيطان، فإن كل جولة من جولات المبعوث الأمريكي لعملية السلام جورج ميتشل تزيد الخيبات وتعمق الاعتقاد بأن واشنطن ليست "وسيطاً نزيهاً" قادراً على صياغة توافقات متوازنة لاستئناف المفاوضات، مثلما أنها ليست وسيطاً قادراً على فرض أجندة للمفاوضات تضمن آلية لسيرها تفضي إلى نتائج.

ومع الواقع المؤسف الذي وصلت إليه "اللجنة الرباعية" المؤلفة من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة وروسيا، والتي تترافق مع مطالبات متعددة بتنحي توني بلير رئيس اللجنة وممثل الأمين العام للأمم المتحدة فيها، فإن الاهتمام بدأ يتجه نحو روسيا لتؤدي دوراً أكثر فاعلية وأهمية في معالجة الأزمة المستعصية والنزاع الأطول في التاريخ الحديث.

ويبدو من التحركات الدبلوماسية الروسية ومن عدد المؤتمرات التي تعقدها مراكز دراسات وأبحاث روسية مهتمة بالشرق الأوسط، أن روسيا متعطشة إلى دور أساسي في حل النزاع الشرق أوسطي، وترى أن موقعها كقوة كبرى وعضو دائم في مجلس الأمن وشريك في "الرباعية" يؤهلها لنشاط أوسع ويعفيها من دور المساعد للجهود الأمريكية ليضعها على الأقل في موازاة تلك الجهود.

وفي رغبتها لتحقيق ذلك، لا تنطلق روسيا فقط من قناعات حول قدرتها أو من تشجيع الفلسطينيين والعرب لها على منافسة واشنطن أو الحلول محلها أو تسلم قيادة الرباعية، بل من اعتقاد راسخ بأن روسيا وريثة الاتحاد السوفياتي تملك من الأوراق الفعلية ما يمكنها من أن تكون محاوراً ديناميكياً ووسيطاً نزيهاً. فروسيا ما بعد غورباتشوف التي أجرت تحولاً كبيراً في سياسات موسكو الدولية مقدمة المصالح الواقعية على العقائد والالتزامات المبدئية، احتفظت بعلاقات ممتازة مع العالم العربي بالتوازي مع تطوير علاقات مميزة مع إسرائيل. ولا يخفى أن السفراء "السوفيات" الذين عملوا طويلاً في مصر وسورية ودول عربية أخرى لا يزالون مصدر إلهام للخارجية الروسية ومراكز الأبحاث في العلاقات مع هذه المنطقة وفي فهم ما يحصل فيها.

ويؤدي وزير الخارجية السابق يفجيني بريماكوف دور "المرشد الأعلى" في توجيه المهتمين الروس بالصراع الإسرائيلي– الفلسطيني. وبفضل خبرته العميقة في المنطقة، والتي تعود جذورها إلى عمله دبلوماسياً في السفارة السوفياتية في القاهرة إبان "نكسة يونيو" 1967، فإنه يخفف مغالاة الفلسطينيين والعرب الداعين موسكو إلى الحلول مكان واشنطن في تسوية النزاع العربي الإسرائيلي، مثلما يخفف من أوهام دعوات يهود روس مستوطنين في الدولة العبرية لبلادهم الأم بأن تتولى القيادة في هذا الشأن.

وللتدليل على الواقعية الشديدة التي تتحلى بها الدبلوماسية الروسية في هذه الأيام لا يتردد بريماكوف في ترديد جوابه للمسؤولين المصريين الذين سألوه بعد تدمير إسرائيل طائراتهم بضربة واحدة يوم 6 يونيو 1967، أين الروس؟ فأجاب: لا تستطيع روسيا أن تفعل كل شيء.

غير أن بريماكوف يعتقد أن من واجب روسيا المشاركة في "الرباعية" بنشاط، وأن تفعيل "الرباعية" هو الطريق الأفضل بعد استبعاد ما يسميه "بعض الأمزجة الأنانية"، ليخلص من ذلك إلى تأكيد وجوب أن تتوقف الدول العربية والإسلامية عن القول: "ليأتِ عامل خارجي ويحل مشكلاتنا"؛ لأن المسؤولية الأساسية تقع دائماً على الأطراف المباشرة الإسرائيلية والفلسطينية.

وفي موازاة التحفظ الذي يبديه بريماكوف فيما يخص أي اندفاعة غير محسوبة للدور الروسي، فإن دوائر روسية أخرى ترى وجوب المبادرة إلى المطالبة بتوسيع دائرة التوسط في النزاع وعدم الاكتفاء بوسيط واحد هو الأمريكي؛ ذلك أن هذا الوسيط أثبت أن فاعليته متغيرة بحسب تغيرات السياسة الأمريكية الداخلية، وليس بحسب التغيرات الموضوعية لدى أطراف النزاع فقط. فهذا هو أوباما يغير مساره "الشرق أوسطي" بعدما فقد غالبية مجلس النواب، وهذه هي واشنطن تنفض يدها من كل تعهدات رئيسها بعدما خسر أمام نتنياهو الذي أصر على رفض تجميد إضافي للاستيطان. وهكذا يظهر إلى العلن رأي روسي بضرورة رفض احتكار دور الوساطة. أما كيف يمكن تنشيط الدور الروسي فتلك مسألة أخرى لا تزال ملتبسة وإن كثرت فيها الطروحات والأفكار.

ويطرح مسؤولون روس آراء تتراوح بين إقصاء توني بلير للحلول محله وإعطاء دور أكبر لروسيا تحت مظلة الأمم المتحدة، وبين إقناع الأطراف بتفكيك بنود التفاوض بحيث يتم الانتهاء من نظرية ربط الاتفاقات الجزئية بالاتفاق الكلي. فكل جزء يتم الاتفاق عليه يدخل حيز التنفيذ، خصوصاً في مجال الأمن وتبادل الأراضي، ولا بأس بالنسبة إلى هؤلاء لو تم إطلاق مسارات موازية او متعددة للتفاوض، ففيما يتم التفاوض الفلسطيني– الإسرائيلي لا شيء يمنع من التفاوض على المسار السوري وانطلاقاً من "المبادرة العربية للسلام".

وينطلق الحماس الروسي أحياناً من القدرة على التأثير في داخل إسرائيل؛ إذ إن الجالية الروسية هناك يصل عددها إلى مليون ونصف مليون شخص، وهناك 70 رحلة طيران أسبوعية بين إسرائيل وروسيا، لكن مسؤولين مخضرمين يعترفون بأن تلك الجالية باتت تعتبر إسرائيل دولتها الأصلية ولم تنس، بعد، شعورها بالاضطهاد زمن الاتحاد السوفياتي.

وتبدو بعض الطروحات الروسية مستفزة لإسرائيل، إذ إن أقرب الأفكار إلى الإسرائيليين لا يتجاوز المطالبة بتدويل القدس، على الأقل، أو جعلها عاصمة لدولتين. لكن مسألة "العودة" أقرب إلى الطرح الإسرائيلي؛ إذ إنها تستبعد "عودة اللاجئين" إلا في حدود لم الشمل، وتحل محلها "التعويض العادل". 

بيد أن أخطر الطروحات الروسية التي يطلقها مسؤولون وخبراء في تصريحات علنية وخصوصاً داخل الغرف المغلقة هو ربط قضية الصراع الفلسطيني- الإسرائيلي بموضوع الإرهاب. وهنا يحصل تطابق كبير مع وجهة النظر الإسرائيلية في هذا الشأن، خصوصاً أن الروس عادوا إلى الخلط بين حركات التحرير والإرهاب، ونسوا التعريف "السوفياتي" المستند إلى "حق تقرير المصير" والحق في استخدام كل الوسائل المتاحة لتحقيق ذلك.

خلاصة القول إن روسيا المندفعة إلى القيام بدور أساسي في أكثر من منطقة في العالم، ولاسيما في الشرق الأوسط، لا تزال تتأرجح بين الموروث الذي تحاول الاتكاء عليه وبين المستجد الذي لم يصل إلى لغة واضحة في التخاطب مع أطراف الصراع. إنها مرحلة جديدة تماماً تتلمس فيها روسيا طريقها الدبلوماسي بحذر وواقعية لا يخلوان من أوهام وأحلام.

Share