دور التكنولوجيا والبحث العلمي في تحقيق الأمن الغذائي في دول الخليج

  • 28 مارس 2012

أجرى قسم موقع مركز الإمارات على شبكة الإنترنت مقابلة حصرية مع الدكتور نديم خوري، نائب الأمين التنفيذي باللجنة الاقتصادية والاجتماعية لغرب آسيا (الإسكوا). وذلك على هامش مشاركته في أعمال المؤتمر السنوي السابع عشر الذي نظمه المركز في الفترة من 26-27 مارس 2012 تحت عنوان: "أمن الماء والغذاء في الخليج العربي"، ناقش خلالها العديد من القضايا الخاصة بأسعار الغذاء العالمية، وجهود دول مجلس التعاون الخليجي لتحقيق الأمن المائي والغذائي. وفيما يلي نص المقابلة:

س1- ما أبعاد العلاقة بين دول مجلس التعاون الخليجي واللجنة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا (ESCWA)؟

أود بداية أن أشكر مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية على تنظيم هذا المؤتمر الذي يناقش قضية الأمن الغذائي والمائي في المنطقة، وهي قضية بالغة الأهمية والحساسية لدول مجلس التعاون لدول الخليج العربية بشكل خاص، ولجميع دول العالم بشكل عام، وتحظى باهتمام خاص من اللجنة الاقتصادية والاجتماعية لغرب آسيا (الإسكوا).

بالنسبة لطبيعة العلاقات بين الإسكوا ودول مجلس التعاون الخليجي، التي هي من الأعضاء المؤسسين للجنة، فإنها تسير في ثلاثة اتجاهات، الأول: هو الدور المهم الذي تؤديه الإسكوا في تمثيل وجهة نظر الدول الأعضاء في الأمم المتحدة والمنتديات الدولية. فهي تطرح وجهة نظر الدول الأعضاء، ومن بينها دول مجلس التعاون الخليجي، بشأن القضايا البيئية والاقتصادية والغذائية، والتعبير عن هذه المواقف في المحافل الدولية.

الثاني: تقديم الخبرات والتجارب العالمية وإتاحتها للدول الأعضاء للاستفادة منها في جميع المجالات التنموية. أما المجال الثالث فيتمثل في المساعدات الفنية والبحثية والتكنولوجية التي تقدمها اللجنة للدول الأعضاء في مجال السياسات الاقتصادية والاجتماعية، فهي تستطيع توفير دعم فني جيد من خلال البرامج والدراسات المتوافرة لديها، ومن خلال وجود خبرات فنية يمكن الاستعانة بها في تطبيق أفضل السياسات في المجالات المختلفة ومن ضمنها مجال تحقيق الأمن المائي والغذائي. ويمكن للجنة التنسيق وعمل شراكات مع مراكز البحوث والدراسات المهمة التي تخدم تحقيق هذه الأهداف مثل مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية.

في هذا السياق، تسعى اللجنة من خلال مشروع الخدمات الاستشارية إلى دعم الإدارة المستدامة للموارد المائية المشتركة بغية المساهمة في التنمية الاجتماعية والاقتصادية للبلدان الأعضاء. ويهدف هذا المشروع إلى دعم جهود الدول الأعضاء في الإسكوا في تطبيق مبادئ الإدارة المتكاملة للموارد المائية المشتركة، من خلال تعزيز التعاون الإقليمي حول إدارة الموارد المائية المشتركة، وتطوير الإرشادات المتعلقة بإدارة الطلب على المياه ونشرها، وبناء قدرات كلٍّ من الخبراء في قطاع المياه، وصانعي القرار في الوزارات المعنية•

س2- في فبراير الماضي، توقعت الفاو أن تواصل الأسعار العالمية للمواد الغذائية ارتفاعها، ما رأيكم في هذا التقدير، وما تأثير ذلك على دول المنطقة؟

شهدت أسعار السلع والمواد الغذائية ارتفاعاً كبيراً خلال العام 2007 تسبب في حدوث أزمة غذاء عالمية، قبل أن تشهد تراجعاً مهماً، لكنها لم تعد إلى مستوى الأسعار الذي كان قبل عام 2007. كما شهدت الأسعار في الشهرين الماضيين ارتفاعاً آخر في الأسعار، وهي تبلغ حالياً نحو ضعفي مستواها قبل عام 2007. والمشكلة هنا أن الأسعار لن تعود إلى مستواها السابق المنخفض، ما يعني ارتفاع تكلفة الغذاء والتأثير سلباً في الأمن الغذائي، ولاسيما في الدول الفقيرة المستوردة للغذاء. والمشكلة الأخرى المهمة، تتمثل في عدم استقرار أسواق الغذاء نتيجة التغيرات المناخية والبيئية، ففي العام السابق حدثت حرائق هائلة في غابات روسيا، ترتب عليها إقدام موسكو على وقف صادراتها من الحبوب أو تقليصها، كما حدثت فيضانات في دول آسيوية منتجة للحبوب، وترتب على ذلك نقض المعروض من الغذاء في الأسواق العالمية، ما أدى إلى ارتفاع الأسعار وسبب أزمات لبعض الدول مثل مصر التي عانت في توفير مصادر بديلة لاستيراد القمح. وترتبط بذلك إشكالية أخرى تتمثل في أن نسبة المعروض من السلع الغذائية في التجارة الدولية محدودة جداً مقارنة بحجم الإنتاج الفعلي. فبالنسبة للأرز والقمح مثلاً، فإن نسبة حجم المعروض منها في التجارة الدولية ترواح بين 10 و15% من حجم الإنتاج المتاح، وهذا الأمر يخلق صعوبة حتى للدول الغنية التي تستطيع استيراد الغذاء.

وبالنسبة لدول الخليج يلاحظ أنها تنفق حالياً نحو 14 مليار دولار سنوياً لاستيراد السلع الغذائية، وهذا الرقم مرشح للزيادة، حيث يتوقع حتى عام 2040 أن يكون هناك ثلاثة أضعاف هذه الكلفة. وهذه الزيادة كبيرة، ولكنها لن تشكل مشكلة لدول الخليج في استيراد الغذاء في ضوء الوفرة المالية التي تتمتع بها بفضل ارتفاع أسعار النفط، والذي يرى البعض أنه يشكل بدوره أحد أسباب ارتفاع أسعار السلع الغذائية، لكن الإشكالية في دول الخليج ستتمثل في قدرتها على تحقيق الأمن الغذائي ذاتياً.

س3- تبنت دول مجلس التعاون الخليجي استراتيجيات محددة للأمن الغذائي في أعقاب أزمة الغذاء خلال عامي 2007–2008. ما تقييمك لهذه الاستراتيجيات على المديين القصير والطويل؟

لا شك في أن العمل الجماعي والتنسيق المشترك في مجالي الزراعة وتحقيق الأمن الغذائي من أصعب مجالات العمل المشترك. وفي الوقت الحاضر لا نعتقد أن استراتيجيات التعاون الإقليمي التي تطبقها دول الخليج لتحقيق الأمن الغذائي، ستؤدي حتماً، وبطريقة سريعة، إلى النتائج المرجوة، والأمر المهم هنا هو ضرورة بذل جهود أكبر، وزيادة الإنفاق على البحث العلمي والدراسات، وتنظيم المؤتمرات المتخصصة، مثل هذا المؤتمر؛ لإيجاد أفضل السبل لتحقيق الأمن الغذائي، وحل إشكالية التعارض القائمة بين تحقيق الأمن المائي والأمن الغذائي؛ فتحقيق الأخير يتطلب زيادة الإنتاج الغذائي المنتج داخلياً، لكن هذا سيترتب عليه استهلاك كميات كبيرة من الموارد المائية المحدود أصلاً، الأمر الذي يتطلب البحث عن أفضل السبل التي تساعد دول الخليج على زيادة إنتاجها من الغذاء بتكلفة اقتصادية منخفضة ومن دون أن تستهلك المياه بطريقة غير اقتصادية. وهنا تكمن أهمية تعزيز التعاون والتنسيق بين دول الخليج العربية ومنظمة الإسكوا.

س4- برأيكم، ما العناصر الأساسية لاستراتيجية شاملة للأمن المائي والغذائي في دول الخليج العربية؟

إن أي استراتيجية مفيدة يجب أن تركز على ثلاثة عناصر مهمة، وجميع هذه العناصر تعتمد بالأساس على تطوير التكنولوجيا الحديثة. فبالنسبة للمياه، يمكن التوسع في مشروعات تحلية مياه البحر واستعمالها في الزراعة، أو للأغراض المنزلية، لكنْ ثمة مشكلة توضحها الدراسات العلمية تتمثل في ارتفاع كلفة هذه التكنولوجيا. العنصر الثاني، هو إعادة استعمال المياه بعد تنقيتها ومعالجتها لأغراض زراعية مثل مياه الصرف الصحي والصناعي. أما العنصر الثالث فيتمثل في زيادة الإنفاق على الأبحاث العلمية لابتكار حلول غير تقليدية للتعامل مع هذا التحدي.

وتتضمن استراتيجية الأمن الغذائي الشاملة عناصر حاسمة أخرى، مثل مراجعة معونات الدعم الغذائي والحماية الاجتماعية وترشيدها، وفي الوقت نفسه تعزيز التنمية الزراعية والاقتصادية الشاملة، فضلاً عن تشجيع التغيرات في أفضليات الاستهلاك وأنماط التغذية.

س5- ما أنواع التكنولوجيا الجديدة التي يمكن أن تساعدنا على استخدام الموارد الشحيحة بقدر أكبر من الفعالية، وفي الوقت نفسه زيادة غلة المحاصيل ومنتجات الثروة الحيوانية في المنطقة؟

مرة أخرى، الحل يكمن في تطوير التكنولوجيا، فالزيادة السريعة في عدد سكان العالم بشكل عام، ومحدودية الموارد الزراعية يفرضان دائماً البحث عن حلول تقنية مبتكرة. وهناك جهود تبذلها دول مجلس التعاون من خلال بعض المؤسسات البحثية المتخصصة لزيادة الإنتاج الزراعي في المناطق القاحلة من خلال استعمال المياه ذات الملوحة العالية، واختيار نوعيات من النباتات والمحاصيل التي تستطيع أن تتوافق مع هذه الطبيعة. والاستمرار في تطوير هذه الأبحاث وتوسيع نطاقها يمكن أن يحقق نتائج أفضل.

س6- هل تستثمر دول مجلس التعاون، بما يكفي، في البحوث والتطوير من أجل تحقيق إدارة أفضل للموارد المائية الشحيحية ومساعدة الزراعة على التكيّف مع تغيّر المناخ؟

الدراسة التي عرضناها في المؤتمر توضح أن هناك توجهاً لدول مجلس التعاون الخليجي للاهتمام بهذا الجانب. لكن الواقع الحالي يكشف عن اهتمام غير كبير بالإنفاق على البحث العلمي؛ فأغلبية دول الخليج تنفق ما يراوح بين 0.1 و0.5% من حجم ناتجها المحلي الإجمالي على الأبحاث بشكل عام، في حين أن النسبة في الدول الأوروبية تراوح بين 2 و3%. وبالتالي فإن هناك مجالاً لمزيد من الإنفاق على هذه الأبحاث، ولاسيما في القضايا المتعلقة بالأمن المائي والغذائي، وأعتقد أن دول مجلس التعاون الخليجي تسير في هذا الطريق.

س7- هل تعتقد أن لجوء الدول المنتجة للغذاء لاستخدام الحبوب في إنتاج الطاقة يمثل عنصراً ضاغطاً على أسواق الغذاء العالمية؟

تظهر العديد من الدراسات أن هذا التوجه نحو استعمال الحبوب في إنتاج الطاقة سيظل يشكل عنصراً ضاغطاً على أسعار الغذاء العالمية، طالما ظل هذا التوجه قائماً. وعلى الرغم من أن هذا التوجه بدأ يتراجع في الفترة الأخيرة، خصوصاً في الولايات المتحدة نتيجة خفض الدعم المقدم لهذا البديل لإنتاج الطاقة، فإنه لا توجد ضمانات لعدم العودة إليه، ولاسيما إذا شهدت أسعار الطاقة ارتفاعات كبيرة. والحل هنا أيضاً سيكمن في تطوير البحوث والتكنولوجيا التي يمكن أن تساهم في توفير بدائل للطاقة لا تعتمد على المواد الغذائية، مثل استعمال مصادر الطاقة المتجددة، أو بقايا الحصاد من الحبوب والخشب التي يمكن استخدامها في إنتاج الطاقة دون استخدام الحبوب نفسها. وحتى يتم تطوير هذا النوع من التكنولوجيا سيظل الضغط على أسعار الغذاء قائماً.

Share