دور البشر في الاحترار العالمي

  • 13 نوفمبر 2011

في مقابلة حصرية مع موقع مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية على الإنترنت، سلط الدكتور محمد العشري، رئيس شبكة سياسات الطاقة المتجددة للقرن الحادي والعشرين REN21، الضوء على تأثير ظاهرة الاحترار العالمي على البشر والأنظمة البيئية. وفيما أكد أن الشجاعة والرؤية الثاقبة لازمتان لتطوير طاقة متجددة، دحض العشري الحجج المناهضة لوجود ظاهرة الاحترار العالمي.

وقد أجريت المقابلة على هامش مشاركة د. العشري في المؤتمر السنوي السابع عشر للطاقة، بعنوان: "أسواق الطاقة العالمية: متغيرات في المشهد الاستراتيجي"، والذي نظمه المركز، في مطلع تشرين الثاني/نوفمبر 2011. وفيما يلي نص المقابلة.

س: ما هي تأثيرات الاحترار العالمي في البشر والأنظمة البيئية على المستويين الإقليمي والدولي؟

ج: سيكون لزيادة درجات الحرارة تأثير خطير في الأنظمة البيئية الآخذة في التدهور أصلاً نتيجة للنشاط البشري؛ ما يجعلها أكثر عرضة للخطر. ولا يخفى علينا الخدمات التي تقدمها الأنظمة البيئية للبشر، وللحياة نفسها؛ كالمياه مثلاً. ومن التأثيرات الأخرى ارتفاع مستوى سطح البحر، ما يعني أن المناطق المنخفضة من العالم سوف تُغمر، كما هو الحال في دلتا النيل وبنجلاديش، وحتى منطقة الخليج العربي. وقد نشرنا تقريراً حول تغير المناخ في العالم العربي قبل عامين، أظهرنا فيه أن قطر والبحرين والإمارات، فضلاً على مصر وشمالي أفريقيا معرضة جداً لارتفاع مستويات البحر. وثمة تأثير آخر لظاهرة الاحتباس الحراري يتعلق بشحّ المياه؛ فمع تزايد النمو السكاني، ستتزايد موجات الجفاف الشديد عبر العالم، وسيتضاعف هذا التأثير مع تغير المناخ.

س: هل يمكن أن تلقوا بعض الضوء على أنواع وقود النقل السائل البديلة؟ وما العوامل التي تدفع إلى تطويرها أو تعوقه؟

ج: يعد الوقود الحيوي (الإيثانول) أهم سائل وقود بديل للنقل في الوقت الراهن، ويتم إنتاجه من الكتلة الحيوية أو النباتات أو المواد النباتية، مثل قصب السكر والذرة وفول الصويا واللفت وزيت النخيل. وقد أتقنت البرازيل إنتاج الإيثانول من قصب السكر، والذي يقل تأثيره في الاحترار العالمي كثيراً عن نظيره الذي يتم إنتاجه في الولايات المتحدة من الذرة. فتأثير إنتاج الإيثانول من الذرة، من ناحية الفوائد التي تحدّ من ظاهرة الاحترار العالمي، شبه معدوم؛ لأنه يستهلك طاقة وقود أحفوري تعادل الطاقة التي ينتجها، لكنه يبقى مع ذلك جزءاً من التفكير الدائر حول استقلال الطاقة، أو تقليل الاعتماد على النفط "الأجنبي"، في الولايات المتحدة. وهناك الديزل الحيوي، الذي يمكن إنتاجه من بذور الشجيرات في المناطق الصحراوية، وفي بعض الأحيان، حتى من الزيوت المستعملة، مثل الزيوت المتخلفة عن قلي البطاطس في مطاعم  ماكدونالدز. لكن الديزل الحيوي لا يشكل سوى نسبة ضئيلة جداً من أنواع الوقود السائلة البديلة. أما النسبة الكبرى فمن الإيثانول؛ سواء أكان الناتج من قصب السكر أم الذرة.

وفي الحقيقة، ليست هناك قيود على ما يقوم به البرازيليون، وسيستمرون في القيام به. لكن حين الحديث عن دول أخرى، نجد أن قصب السكر يحتاج إلى الماء؛ لذلك لا يمكننا الذهاب إلى أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى، ونقول لهم عليكم بقصب السكر لإنتاج الإيثانول. كما لا يمكننا الذهاب إلى بلد فقير ونطلب منه زراعة الذرة، الذي يحتاج إلى الماء باهظ التكلفة أو غير الموجود أصلاً، وربما سيضطر بعد ذلك إلى استيراد الوقود الأحفوري لاستخدامه في عملية إنتاج الوقود الحيوي. لماذا لا يستخدم هذا البلد الوقود الأحفوري لتشغيل قطاع النقل في المقام الأول؟

س: ما هي آفاق الطاقة المتجددة، وخاصة فيما يتعلق بجدواها الاقتصادية؟

ج: تعدّ الجدوى الاقتصادية للطاقة المتجددة جيدة جداً، وتعتمد على المكان الذي نتحدث عنه. وعليه، تنافس طاقةُ الرياح، وكذلك الخلايا الفولطاضوئية الشمسية، الوقود الأحفوري في المناطق التي تغطيها شبكة خطوط الكهرباء. وقد ازدادت الاستثمارات في مجال الطاقة المتجددة بشكل هائل في السنوات الخمس الماضية، وستستمر في التزايد. وما الشكوك التي أثارها بعض الخبراء الاقتصاديين حيال الطاقة المتجددة إلا محض هراء؛ فهؤلاء الاقتصاديون لا يفكرون إلا بطريقة واحدة، وربما كانت شركات الوقود الأحفوري هي التي تمول أبحاثهم؛ فالأمر يتعلق بماهية العوامل التي نأخذها في الحسبان للتوصل إلى النتيجة المنشودة، وأعتقد أن التحول صوب الطاقة المتجددة قد بدأ بالفعل، مع أن ذلك التحول قد يحدث بوتيرة أسرع أو أبطأ أحياناً.

س: ما هي التأثيرات السلبية لظاهرة الاحترار العالمي في أسواق الطاقة العالمية؟

ج: على العكس، تأثيرات ظاهرة الاحترار العالمي على أسواق الطاقة ليست سلبية. إنها في الواقع تأثيرات جيدة جداً، ربما باستثناء سوق صناعة الفحم. أما النفط فيختلف؛ لأن له استخدامات أخرى في تصنيع المواد الكيميائية واللدائن وغير ذلك، ولا يقتصر استخدامه على توليد الطاقة. وبالنسبة لتأثير الظاهرة على سوق الطاقة المتجددة، فأعتقد أنها إيجابية للغاية؛ لأن الناس سيختارونها لمعالجة مشكلة انبعاثات غازات الدفيئة.

س: ما رأيك في تجربة الإمارات في مجال الطاقة المتجددة؟

ج: إنها تجربة تستحق الثناء تماماً. وأنا أكنّ احتراماً كبيراً حقاً لإمارة أبوظبي لريادتها في اتخاذ القرار بتجاوز النفط. فهذا يحتاج إلى شجاعة ورؤية طويلة المدى لما سيبدو عليه المستقبل ولتنويع سلة الطاقة. وهذا ما قد حققه هذا البلد. وتشمل إنجازات أبوظبي في مجال الطاقة المتجددة "مدينة مصدر" و"معهد مصدر"، ومشروع "شمس 1"، وبعض أعمال البحث والتطوير الجارية. ويعدّ مشروع "شمس 1" أكبر محطة للطاقة الشمسية المركزة في منطقة الشرق الأوسط ومن أكبرها على مستوى العالم، وهو مشروع تجاري ضخم. وحتى الآن، تعدّ تجربة دولة الإمارات في الطاقة المتجددة مثمرة، لكنها لمّا تنته بعد، ولا يسعنا إلا تأمّل فوائدها.

وليس بغريب أن ينخرط بلد منتج رئيس للنفط مثل دولة الإمارات في جهود ترمي إلى تطوير الطاقة المتجددة. فمنطق هذه الجهود هو أنه ثمة حاجة إلى تنويع الاقتصاد الإماراتي، وأنه من الحكمة ألا يغامر البلد باستثمار كل ما يملك في قطاع واحد. وهذا هو واقع الحال بشكل خاص؛ إذا سلّمنا بكلام القائلين إن النفط وصل إلى ذروته في عامي 2005 و2006، وإنه يتخذ الآن مساراً هابطاً.

س: يشكّك بعض العلماء في دور الإنسان في الاحترار العالمي، ويعزون ذلك إلى عوامل على شاكلة النشاط الشمسي والنشاط التكتوني للأرض، في حين يشكك آخرون فيما إذا كانت الأرض تحترّ حقاً ويزعمون أن الأرض آخذة في الابتراد منذ عام 2000. كيف تقيم هذه الآراء البديلة؟

ج: أعتقد أنه ثبت بالدليل أن درجة حرارة الأرض آخذة في الارتفاع. وفي الواقع، هناك دراسة جديدة ستُنشر في المملكة المتحدة بعد شهرين أو ثلاثة أشهر ستؤكد أن درجة حرارة الأرض في تزايد. وعليه، ليس من الحكمة القول إن درجة حرارة الأرض تنخفض. وفي الواقع، إن العلماء يقولون الآن إن دفء الأرض في تزايد سنة إثر أخرى، وإن السنة الماضية، 2010، كانت إحدى أكثر السنوات دفئاً. وقد أشرت في ورقتي التي قدّمتها إلى هذا المؤتمر إلى درجات الحرارة القياسية المسجلة في منطقة الخليج هذا العام.

وفي الحقيقة، ليس هناك سوى قلة محدودة، تقل عن 1%، من العلماء في العالم من لا يؤمن بوجود صلة مباشرة بين نشاطات الإنسان وتغير المناخ أو الاحترار العالمي. ولقد ثبت أن شركات الوقود الأحفوري موّلت بعض بحوث هؤلاء العلماء. لكني لا أقول إن العلماء جميعاً يعملون بهذه الطريقة؛ لأن هناك علماء محترمين يفكرون بشكل مغاير، وأرى أن الاختلاف في الرأي أمر مقبول ويستحق الاحترام. وقد اعترفت أكاديميات العلوم في العالم أجمع، بما في ذلك اللجنة الحكومية المشتركة الخاصة بتغير المناخ IPCC، بأن للإنسان دوراً في ظاهرة الاحترار العالمي، لكن تبقى هناك نسبة ضئيلة من مجموع العلماء في العالم لا تؤمن بذلك.

س: جرى نقاش أيضاً حول ارتكاب اللجنة الحكومية المشتركة الخاصة بتغير المناخ التابع للأمم المتحدة أخطاء بخصوص انهيار الكتل الجليدية في جبال الهيمالايا؟ هل أثّر ذلك سلباً في الجدال الدائر حول الاحترار العالمي؟

ج: لقد أثر ذلك الكلام سلباً في المناقشة لبعض الوقت. إنها زلّات كان حرياً عدم ارتكابها، فحين يخوض المرء في مثل هذا الموضوع المثير للجدل، عليه توخي الحذر الشديد في التحقق من جميع مصادره وبياناته. لكن هذا ينبغي ألا يترجم إلى جدال محتدم. لقد تم تضخيم الموضوع من قبل أهل الصنعة. ويجب ألا يغيب عن بالنا أبداً أن ثمة من يتحيّن الفرصة انتظاراً لخطأ واحد نرتكبه ليلقي بظلال الشك على كل ما نقوم به.
وفيما يتعلق بالكتل الجليدية في جبال الهيمالايا، وبدلاً من استخدام مقالات محكّمة بمنهجية استعراض الأقران، تم استخدام مقال صحفي أعقبته مسألة الرسائل الإلكترونية المتبادلة بين العلماء البريطانيين. وقد قامت هيئة مستقلة تابعة لحكومة المملكة المتحدة بالتحقيق في الأمر، وتوصلت إلى أنه ليست هناك نية للتستر. وأنا أقدّر الجهد الذي بذلته اللجنة الحكومية المشتركة الخاصة بتغير المناخ، والذي ساعد على  الارتقاء بمستوى المعرفة في جميع أنحاء العالم، وفي صفوف صانعي السياسات.

Share