دور الإمارات القيادي في مجال الطاقة البديلة والمتجددة

  • 6 ديسمبر 2011

تلعب الطاقة دور الشريان الرئيسي للتطور الصناعي والتنموي في العالم، وتشكِّل إمدادات الطاقة على اختلاف أنواعها محوراً رئيسياً لكثير من التفاعلات الدولية. وخلال العقود الأربعة الماضية، استطاعت دولة الإمارات العربية المتحدة أن تتبوأ مكانة مرموقة في سوق الطاقة العالمية، أولاً بفعل إدارتها الحكيمة لمواردها الطبيعية، إذ أصبحت الدولة ثالث أكبر مُصدِّر للنفط الخام في العالم، وهي تمتلك نحو 7.3% من الاحتياطي النفطي العالمي، و3.2% من احتياطي الغاز في العالم. وثانياً، بسبب قدرة قيادتها على قراءة المتغيرات العالمية والتعامل معها بكفاءة. وقد كانت الدولة، وماتزال، تؤدي دوراً رئيسياً ومسؤولاً في الحفاظ على توازن أسواق النفط- المصدر الأهمّ للطاقة حتى الآن- بما يحقق مصالح المنتجين والمستهلكين، ويضمن أمن الإمدادات، ويحفظ استقرار الاقتصاد العالمي.

ولم تقتصر ريادة الدولة في الطاقة على التقليدي منها فحسب، إذ خطت خطوات واسعة في اتجاه ترسيخ مكانتها كلاعب مؤثر في مجال الطاقة البديلة والمتجددة. ويمثل هذا النوع من الطاقة "النظيفة" الخيار المستقبلي الأمثل، فهي تستخدم موارد طبيعية لا تنضب مثل الطاقة الشمسية وطاقة الرياح والهيدروجين، إلى جانب الطاقة النووية. لذا فإن هناك سباقاً عالمياً بين الدول المتقدِّمة لتطوير هذا القطاع، بهدف تحسين أمن الطاقة، وتنويع مصادرها مع الحفاظ على البيئة، إلى جانب توقعات تصاعد الطلب العالمي على تطبيقات الطاقة النظيفة على المدى الأطول مع زيادة إدراك الآثار المدمِّرة للتدهور البيئي المتفاقم. ويقترن التقدم في مجال الطاقة البديلة بتحديين أساسيين: خلق بيئة بحثية وتقنية فائقة التطور، وتقليل تكلفة هذا النوع من الطاقة لتصبح منافسة اقتصادياً.

وفي ظل إدراك واعٍ لمعادلة التحديات والفرص التي تنطوي عليها الطاقة البديلة، ارتأت الدولة تحت قيادة صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، أن تجعل منها مشروعاً استراتيجياً طويل المدى، يدعمها في مواجهة تحديات عالمية مؤثرة، من بينها تذبذب أسواق الطاقة التقليدية وعدم استقرارها، وتنامي المخاوف من التلوث والاختلال البيئي، والتوقعات الخاصة بنفاد مصادر الطاقة التقليدية. كذلك يلبي الاهتمام بالطاقة البديلة الاحتياجات المحلية الآنية منها والمستقبلية، مثل ارتفاع معدلات استهلاك الطاقة بشكل كبير، والنمو الاجتماعي السريع. كما يدعم بصورة أساسية متطلبات نقل الاقتصاد الإماراتي إلى اقتصاد قائم على المعرفة. ومن هذا المنطلق يحظى قطاع الطاقة المتجدِّدة بأولوية قصوى، إذ يمثل فرصة واعدة لجعل الدولة مركزاً للإبداع البحثي، وتصدير التطبيقات التقنية المتطورة إلى العالم، مع الاستجابة للاتجاه العالمي المتنامي نحو الحفاظ على نظافة البيئة والتقليل من حجم ما تتعرض له من تلوُّث، وهو مما يُنظر إليه كضامن أساسي لتحقيق التنمية المستدامة.

وفي هذا السياق أطلقت الدولة مبادرة "مصدر"، التي تلعب دوراً محورياً في جعل الإمارات قطباً رئيسياً ومركزاً عالمياً في مجال الطاقة المتجددة. و"مبادرة مصدر" مكونة من 5 وحدات رئيسية هي: مصدر للاستثمار، ومدينة مصدر، ومعهد مصدر، ومصدر للطاقة، ومصدر لإدارة الكربون. وقد بدأت الدولة فعلاً عبر "مصدر للاستثمار" العمل في عدد من برامج الطاقة المتجدِّدة في الولايات المتحدة والصين والمملكة المتحدة ومصر وجزر سيشل وغيرها من البلدان، مما سيجعل الدولة رقماً عالمياً حاضراً في سياق أهم المشاريع الدولية في مجال الطاقة المتجددة.

وتُعدُّ "مدينة مصدر" أول مدينة خالية من الانبعاث الكربوني والنفايات (مع العلم بوجود بعض القرى مثل جوند Junde في ألمانيا، التي تُعتبر خالية من الانبعاث الكربوني ولكنها لا تساوي "مدينة مصدر" حجماً ولا سكاناً). وتطمح "مدينة مصدر" إلى أن تكون مقراً لنحو 1,500 شركة متخصصة في مجال الطاقة المستدامة، بالإضافة إلى قدرتها على استيعاب 90,000 نسمة، منهم 40,000 مقيم و50,000 عامل غير مقيم. والمرحلة الأولى للمدينة– وتمتد حتى عام 2015- ستستوعب ما يقارب 20,000 نسمة، من بينهم كوادر بشرية ذات كفاءات عالية، من شركات سويسرية وكورية، إلى جانب شركة سيمنز. وستمثل هذه المجموعة طليعة الشركات القادمة إلى المدينة.

إن استقطاب أهم الشركات العالمية في هذا المجال، مع ما يرتبط به من نقل الخبرات وتبادلها، وترسيخ علاقات مجتمع المعرفة وقواعده التي سيدعمها وجود مؤسسات مناظرة في مبادرة مصدر ذاتها، ومؤسسات على المستوى نفسه في الدولة، سيلعب دوراً مهماً في تأكيد مكانة أبوظبي عاصمةً للطاقة الدولية. أما "معهد مصدر" فيضطلع بمهمة حيوية، إذ يمثل وحدة تدريبية ضخمة، تتولى تأهيل كوادر بشرية مواطنة ووافدة في مختلف مجالات الطاقة المتجددة وتطبيقاتها وفق أحدث ما أنجزه العالم في هذا المجال. وتقوم "مصدر للطاقة" بتطوير وتشغيل مشاريع توليد الطاقة المتجددة، والاستثمار في التقنيات المرتبطة بها على المستوى الخدمي. وقد دشنت في عام 2011 بالاشتراك مع شركة سينير وتوريسول إنرجي أول محطة للطاقة الشمسية المركزة، "خيما سولار"، القادرة على إمداد الشبكة بالكهرباء على مدار 24 ساعة من دون انقطاع في مدينة أشبيلية، كما أن هناك مشروعاً لتصنيع ألواح كهروضوئية رقيقة في ألمانيا.

ويُقدِّم البرنامج النووي الإماراتي وجهاً آخر للأنشطة المرتبطة بالطاقة، والمرتكزة على الأسس السابق ذكرها، من حيث الاعتماد على تقنيات عالية، والاتساق مع متطلبات مجتمع المعرفة، وتأهيل كوادر وطنية في تخصصات علمية دقيقة، وتلبية احتياجات الدولة المستقبلية. وتمثل خطوات دولة الإمارات في هذا المجال نموذجاً عالمياً يحتذى به، من خلال التركيز على قيم الشفافية والسلامة والأمن.

وفي اعتراف واضح من المجتمع الدولي بدور دولة الإمارات في مجال الطاقة المتجددة، فازت دولة الإمارات عام 2009 باستضافة مقر الوكالة الدولية للطاقة المتجددة (أيرينا)، بإجماع الدول الأعضاء في الوكالة البالغ عددهم 147 عضواً. وأبوظبي هي المدينة الأولى في الشرق الأوسط التي يتم اختيارها مقراً لوكالة دولية في إشارة رمزية بالغة الدلالة، إذ يُعدُّ هذا الاختيار مؤشراً لثقة المجتمع الدولي في قدرة دولة الإمارات على تقديم إضافة نوعية من خلال استضافة المقر. وجدَّد المجتمع الدولي هذه الثقة، بانتخاب دولة الإمارات رئيساً للمجلس التنفيذي لأيرينا في نوفمبر 2011. ويتيح وجود هذا المقر في أبوظبي للدولة فرصة المشاركة بكثافة في فعاليات متنوعة محلية وإقليمية ودولية تتصل بالطاقة المتجددة، وتُسهم في تدريب عدد كبير من مواطني الدولة على ممارسة أنشطة ذات صلة بها، ومتابعة أحدث تطوراتها.

إن الرؤية السليمة التي تبنتها الدولة لمشروعها التنموي الطموح، جعلت منها مركزاً إقليمياً ودولياً مهماً في مجال الطاقة، التقليدية منها والمتجددة. وهذه الرؤية، القائمة على التركيز على الطاقة النظيفة والمتجددة مع مواصلة الاهتمام بالطاقة التقليدية، سترسِّخ ريادة الدولة في مجال الطاقة في الوقت الحالي، وتضمن لها مقعداً في صفوف الدول الأولى في هذا المجال في المستقبل. وللطاقة البديلة بعد تنموي عميق في حالة دولة الإمارات، فمثل هذا الاستثمار يحقق أهداف بناء مجتمع المعرفة، وتطوير الكوادر البشرية، وخلق شبكة من المؤسسات المعتمدة على التقنيات الحديثة والمهارات الفائقة لتوليد الثروات من خلال إنجازات العقل البشري، مما سيسهم في تأهيل مجتمع قادر على مواجهة المتغيرات والتحديات، والقفز بالدولة إلى حقبة جديدة من الإنجازات.

Share