دور الأمم المتحدة المطلوب في العراق

د. عماد حرب: دور الأمم المتحدة المطلوب في العراق

  • 6 سبتمبر 2007

مرّ أكثر من أربع سنوات على تفجير مقر الأمم المتحدة في بغداد، والذي أدى إلى إضعاف وجود المنظمة الدولية وعملها في العراق. وقامت الإدارة الأمريكية بإعطاء مسؤولية أعمال المنظمة، بما في تحقيق المصالحة الوطنية في البلد، إلى القوات المسلحة الأميركية وعدد من الدوائر المختصة. ولكن الإخفاق الظاهر للجهود الأميركية، ولاسيما بعد الخسائر المادية والبشرية الكبيرة، يحتم الآن إنعاش دور الأمم المتحدة من أجل إعادة ثقة العراقيين بالجهود الدولية ومن أجل تسريع عودة الحكومة العراقية للقيام بوظائفها السياسية والاقتصادية والاجتماعية الأساسية.

ويمثل قرار مجلس الأمن الدولي رقم 1770 الآلية الممتازة لإعادة إنعاش دور الأمم المتحدة في العراق. فقد صوّت المجلس بالإجماع في العاشر من آب/أغسطس 2007 لتمديد مهمة الأمم المتحدة في العراق لسنة أخرى، ولتوسيعها لتشمل المصالحة الوطنية والحوار الإقليمي والمساعدات الإنسانية وحقوق الإنسان. ونظراً للأوضاع السياسية البائسة في البلد، يأتي تجديد مهمة الأمم المتحدة في الوقت المناسب. كما أنه يعني أن الولايات المتحدة وبريطانيا، وهما قائدتا قوات الاحتلال المتعددة الجنسية، تبحثان عن طريقة للخروج من العراق.

إنه لمن السذاجة القول إن كل شيء في تطور البلدان مرهون بالسياسة، ولكن من الخطأ الكبير أيضاً الاعتقاد بأن أي تحسين للأوضاع الاقتصادية والاجتماعية يمكن أن ينجح دون معادلة سياسية جيدة. والهم الأول والأكبر في العراق اليوم هو أن تجد نخبته السياسية اللغة والتطلعات المشتركة التي يمكن أن تسهّل من عملية المصالحة الوطنية؛ إذ يصعب إيجاد طرف دولي بديل يملك الخبرات الضرورية والكافية ليحقق هذه المصالحة ويؤمن العناصر الداعمة لها، كما أن الأمم المتحدة لا تستطيع دائماً أن تجد التسويات الناجحة، وتيمور الشرقية أفضل مثال على ذلك.

وبالعودة إلى قرار مجلس الأمن، نجد أن قضية المصالحة الوطنية بين المجموعات المختلفة تتصدر لائحة عمل الأمم المتحدة. وتتشابك في هذه المصالحة مشكلات داخلية وإقليمية ودولية. ففي الداخل العراقي، يجب على الأمم المتحدة أن تساعد العراقيين على التخلي عن انتمائهم الديني والإثني، وعلى التفكير بأنفسهم وبالآخرين على أنهم شركاء يتحملون مسؤوليات متساوية. ولا تنحصر مسؤولية الأمم المتحدة في تعريف العراقيين على قواعد اللعبة الديمقراطية فحسب، بل يجب عليها أن تبيّن أفخاخ حكم الأكثرية غير المحدود، ومطالب الأقلية غير المعقولة. بعبارة أخرى، يجب عليها أن تنصح العراقيين الشيعة بأن الأكثرية العددية لا تمنحهم السيطرة الكاملة السياسية، وأن تبيّن للعراقيين السنة أن حقوق الأقلية يجب ألا تصبح وسيلة لتعطيل الحكومة. أما بالنسبة للأكراد، فيجب على المنظمة الدولية أن تشجع اعتدالهم حول قضايا كركوك وقانون النفط الخاص وقدرتهم على طلب المساعدة من الخارج. ويجب على الأكراد أن يتذكروا أنه من الأفضل أن تبقى رفاهيتهم مرتبطة بعراق موحد، وألا يعملوا على تأسيس دولة صغيرة محاطة بالتهديدات التركية والإيرانية والسورية.

إقليمياً، ما سيساعد الأمم المتحدة هو حقيقة أنها لم تحرق جسورها مع جيران العراق، وأن هناك قسطاً وافراً من النوايا الحسنة عندهم. فقد عمل الأمين العام للأمم المتحدة بان كي-مون بجهد ليؤكد أن لسورية دوراً مهماً في عملية السلام في الشرق الأوسط، وهو يؤيد بشدة حقها باستعادة الجولان المحتل، كما قام بزيارة دمشق للبحث في مسألة تأسيس المحكمة ذات الطابع الدولي لمقاضاة قتلة رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري. أما في إيران فقد كانت المنظمة الدولية للطاقة الذرية صبورة جداً في قضية الملف النووي ودعت إلى التعامل معه بطريقة موزونة ومتوازنة. في المقابل، يحتاج البلدان إلى المنظمة الدولية لتجنب الشعور بالعزلة الدولية والعقوبات التي تخافها سورية وتعاني منها إيران. وأخيراً، من المتوقع أن يشعر العالم العربي بأنه أكثر حرية ليساهم بجهود دولية ترعاها الأمم المتحدة في العراق على نحو أفضل مما لو كانت هذه الجهود حكراً على الولايات المتحدة.

دولياً، يؤكد تمرير قرار مجلس الأمن أن السماح بإضعاف موقع ودور الأمم المتحدة في العراق منذ الانفجار المشؤوم في آب/أغسطس 2003 لم يكن القرار الصحيح. وكما ذكرنا فإن مجرد قرار الإدارة الأميركية دعوة المنظمة الدولية لتأخذ زمام المصالحة الوطنية في البلد يعني اعترافها بفشل المحاولات الأحادية الجانب في حل مشكلات العراق. ولقد أيدت الحكومات البريطانية والفرنسية والروسية والصينية دائماً، ولأسباب مختلفة، جهداً عالمياً أكبر في العراق، ورأت أن دعم التعددية الدولية التي تؤمنها الأمم المتحدة يقدم المعادلة اللازمة التي يمكن أن ترضي الجميع.

 ولكن في الوقت الذي يمكن الترحيب فيه بقرار توسيع مهمة الأمم المتحدة لتشمل المصالحة والحوار الإقليمي والمساعدات الإنسانية وحقوق الإنسان، لا بد من الطلب بأن تبقى المنظمة منهمكة أيضاً بمهامها التقليدية التي تركز على حل المشكلات الاقتصادية والاجتماعية العديدة التي يواجهها البلد. ولدى الأمم المتحدة مجموعة من المؤسسات المختصة (اليونيسكو، اليونيسيف، منظمة الصحة العالمية، منظمة العمل الدولية، ومنظمات أخرى) تستطيع أن تؤمن الخبرات الضرورية لمساعدة العراق في إعادة تركيب مؤسساته. وإن كان من المتوقع، وللأسف، أن تستمر مشكلة الأمن لفترة معينة أو حتى تتحقق المصالحة المرجوة. ولكن، بعد أكثر من أربع سنوات من الوجود المحدود للأمم المتحدة قد يعمل العراقيون أنفسهم على تأمين الأمن لجهود دولية يرجى منها إعادة بناء بلدهم.

يحتاج العالم لدور نشط لمنظمة الأمم المتحدة، وهو الدور الذي تأسست من أجله بعد الحرب العالمية الثانية. وفي الوقت الحاضر، يعلق العراق آمالاً كبيرة على هذا الدور الذي ينبغي على المجموعة الدولية أن تتأكد من تأمين سبل نجاحه. ومن ناحية أخرى، ينبغي ألا نتوهم أنه لن يكون هناك تدخل في أمور الأمم المتحدة في العراق من قبل الجيش الأميركي المحتل أو إدارة الرئيس بوش غير التائبة حتى الآن. والمأمول أن تكون واشنطن قد تعلمت الدرس من السنوات الأربع الماضية، وعرفت كيف تتقبل شيئاً جيداً عندما تراه. ولعل القرار رقم 1770 والمهام التي يسمح بها هو الوسيلة الفضلى لمساعدة العراقيين للوصول للمصالحة المبتغاة من جهة، ولمساعدة الولايات المتحدة للانسحاب من العراق من جهة أخرى.

Share