دمشق وطهران.. التحالف غير مقدَّس

  • 24 مارس 2011

جرت أحاديث كثيرة ولفترة طويلة عن إمكان استعادة دمشق إلى الحضن العربي أو فك تحالفها مع طهران. وكانت هذه الأحاديث تشكل نوعاً من العبث السياسي غير المستند إلى وقائع، أو ضرباً من ضروب الأوهام التي تضرب سياسات الدول والحكام. لكن، هذه المرة، يمكن القول إن ما كان نوعاً من الاستحالة أصبح احتمالاً ممكناً تنبئ به الزلازل التي تضرب العالم العربي بثورات "ياسمين" متنوعة، مثلما تتحدث عنه المعطيات المستجدة بفعل الحراك الشعبي وردات الفعل الحكومية والإقليمية، خصوصاً تلك التي توضع في إطار استراتيجي، وهي تحديداً حالة البحرين.

ليس بسيطاً أن يصرِّح وزير الخارجية السوري وليد المعلم في 20 مارس 2011 بأن تدخل قوات "درع الجزيرة" في البحرين قانوني ولا يعتبر احتلالاً، فيما كان حليف دمشق الأمين العام لـ "حزب الله" اللبناني السيد حسن نصرالله يعلن قبل ذلك بساعات أن الدخول السعودي إلى المنامة اجتياح يستحق الرفض والتنديد، وبعد أيام قليلة من تهديد وزير الخارجية الإيراني علي أكبر صالحي ورئيس البرلمان علي لاريجاني دول الخليج وحكامها بأنهم سيدفعون الثمن غالياً نتيجة إرسالهم قوات إلى البحرين، من غير أن ننسى تصريحات الرئيس أحمدي نجاد بأن خطوة مجلس التعاون مرفوضة جملة وتفصيلاً.

ويبدو أن حسابات حقل جمهورية الملالي في أكثر من ملف لم تعد متطابقة مع حسابات البيدر السوري نتيجة لتسارع الأحداث وتماسّها مع المصالح المباشرة لكل طرف، فضاقت رقعة التفاهم الواسعة، وقلَّ هامش المناورة الذي سمح دائماً بالتمايزات محافظاً على الأسس والحلف الراسخ المستقر منذ اندلاع الحرب الإيرانية– العراقية.

وهكذا أقام "حزب الله" في بيروت مهرجاناً جماهيرياً لدعم "الثورات العربية في تونس ومصر واليمن وليبيا والبحرين" لحظة كان آلاف المواطنين السوريين يشيعون في محافظة درعا عدداً من المتظاهرين الذين قُتلوا في ظل شعارات "الله وسورية وحرية"، وهي شعارات تحاكي أخواتها في دول الانتفاضات التي احتفل بها "حزب الله" معتقداً أنها تصُبُّ في "خط الممانعة والمقاومة"، رغم أنها لم ترفع أي شعار من هذا النوع، ولم تتجاوز أبداً المطالب الوطنية الواضحة إلى الأيديولوجية ما فوق الوطنية التي طبعت قيام وبقاء الأنظمة الأيديولوجية الحليفة لحزب الله، وتحديداً في سورية وإيران.

وإذا كان ممكناً غضّ النظر عن هذا الالتباس المقصود الذي سعى إليه "حزب الله" في دعم مجمل الثورات، في حين أن تضامنه الفعلي يقتصر على المعارضة البحرينية، فإن صورة الفرق واضحة بين مقاربته للأمور وبين المقاربة السورية التي شرعنت دخول "قوات الردع" الخليجية، ورأت حتماً الجرافات البحرينية تزيل نصب "دوار اللؤلؤة" لتلغي من ذاكرة المعارضين آثار الاعتصام وتمنع بقاءه رمزاً للاحتجاج والعنف.

أكثر من ذلك، مَنْ كان يتصور أن تفترق حسابات دمشق وحليفها "حزب الله"، المحسوب على إيران، لتتيح لممثل لبنان في الأمم المتحدة دعوة مجلس الأمن، باسم المجموعة العربية، إلى الانعقاد لفرض حظر جوي على ليبيا؟ علماً بأن سورية لم تخفِ تعاطفها مع نظام العقيد القذافي، وعارضت خلال نقاشات وزراء الخارجية العرب في القاهرة الدعوة إلى فرض الحظر، مع الأخذ في الاعتبار ما تحدثت عنه المعارضة الليبية من مشاركة طيارين سوريين في قيادة طائرات "الميغ" الروسية لتي يمتلكها القذافي في ضرب معاقل الثوار.

لا شك أنَّ سورية تشعر اليوم وكأنها تسير على حبل مشدود. فلا هي قادرة على الاصطفاف الكامل مع إيران، ولا بإمكانها الخروج من التحالف من دون أثمان. هذا، قبل أن تبدأ ريح الياسمين في التسلل إلى مدنها، فكيف إذا اضطرتها إلى فتح الأبواب أمام المطالبات أو إلى اللجوء إلى القوة لقمع أي حركة احتجاج في مهدها؟. لا شك أن دمشق تراقب بقلق كبير واستثنائي ما حصل في ليبيا من تحالف دولي ضد نظام يتعامل مع انتفاضة في مدنه وقراه. ففي تلك الخطوة خطورة تكرس مبدأ التدخل الدولي في النزاعات الداخلية وترغم الأنظمة على تغيير حساباتها المحلية والإقليمية والاستراتيجية. ودمشق، في هذا الإطار، لا تنسى أيضاً أن سيف القرار الظني في جريمة اغتيال رفيق الحريري لا يزال مصلتاً على حليفها "حزب الله" وربما عليها في الوقت نفسه.

هل تهرب دمشق إلى الأمام فتدفع الثمن استئنافاً للمفاوضات مع إسرائيل؟ لا شيء حتى الآن يوحي بأن هذه الأجواء قد نضجت رغم لقاءات أربعة مع مسؤولين أمريكيين كبار نوقش خلالها موضوع عملية السلام. ويفترض ألا تكون تلك الحركة الدبلوماسية منفصلة عن تأكيدات العاهل الأردني المتكررة عن ضرورة ألا يشغلنا ما يحصل في العالم العربي عن جوهر الصراع وقضية السلام، ومثلها تصريحات وزير خارجيته ناصر جودة عن وجوب الإسراع في معاودة المفاوضات.

هذه كلها مؤشرات، لكنها تدل بالتأكيد على أن شيئاً تخلخل في السياسات وأن المنطقة لا تزال حبلى بكثير من المفاجآت.

Share