دلالات وانعكاسات اغتيال سمير قصير

د. بشارة نصار شربل: دلالات وانعكاسات اغتيال سمير قصير

  • 11 يونيو 2005


ذاك اليوم كان علامة فارقة في تاريخ لبنان الحديث وصحافته الحرة. ففي صبيحته أدار كاتب "بيان الحلم"، الذي أذاعته "انتفاضة الاستقلال" التي أعقبت استشهاد الرئيس رفيق الحريري وتوجت بتظاهرة 14 مارس/آذار التاريخية، محرك سيارته، ليقطف الجناة الذين سماهم دائماً سمير قصير في مقالاته "العسس" وردة بيروت، وليسكتوا في آن واحد صوتاً صارخاً في برية العالم العربي: "انهضوا إلى ربيع العرب".

كانت مئتا غرام من مادة شديدة الانفجار كافية لإنهاء مسيرة سمير قصير عند عمر الـ 45، ولتعميد انتفاضة الشعب اللبناني بدم أول شهيد لها، هو الأغلى والأكثر تميزاً بين قادة "ساحة الشهداء" التي احتضنت تجمعات ما بعد اغتيال الرئيس الحريري. فالشاب اللبناني حامل الجنسية الفرنسية والمولود من أب فلسطيني وأم سورية، جمع في شخصه ما يعتقده العامة من المتناقضات، وطور في كتاباته أسلوباً يعده الخاضعون والمستكينون من المحرمات. فهو علماني ويساري نال الدكتوراه من جامعة السوربون الباريسية، وهو لبناني مناضل من أجل وطنية لبنانية صافية، وفلسطيني يفهم العالم وموازين القوى وعينه دائماً على القدس، وهو عربي يهجس بالديمقراطية تمتد إلى كل العالم العربي ولا يختصر ربيعها في بيروت.

ليست جريمة اغتيال سمير قصير مؤلف "تاريخ بيروت" والأستاذ في "جامعة القديس يوسف" وراسم خريطة مقرات الاستخبارات المؤدية إلى منزله لطلابه قبل يومين من رحيله، هي أول جريمة اغتيال لمفكر في العالم العربي وفي لبنان. فتاريخنا الحديث مليء بجرائم الرأي لأنها السبيل الوحيد إلى إسكات الضمائر الحرة وتأمين هيمنة الاستبداد ومنع التغيير الذي رآه سمير قصير حلماً، وكتب مقالاته الأسبوعية في جريدة "النهار" لتحقيقه، وشاهده متحققاً، على الأقل في بداياته، أمام عينيه. لكن الجريمة تبدو أكثر فداحة لأنها تحصل في الألفية الثالثة وفي زمن انتشار المعلومات وسقوط الممنوعات وقدرة الإنترنت والفضائيات على اختراق كل بيت من أقصى العالم إلى أقصاه. بهذا المعنى لا توضع الجريمة فقط في خانة إزاحة قائد يساري ومبشر بالحرية بل في منطق همجي قبلي كان يفترض أن شعوبنا تجاوزته وأن التطور السريع للعالم جعله ذكرى أو من الماضي السحيق.

لم تكن أهمية سمير قصير في كتاباته الجريئة فقط، فكثيرون كانوا يملكون الجرأة في التصدي للنظام الاستخباراتي الذي سارعت المعارضة اللبنانية إلى اتهامه بارتكاب الجريمة منذ لحظة وقوعها مستفيدة من المناخ السياسي العام السائد في لبنان منذ استشهاد الحريري. وإذا صح ذلك، باعتبار أنه يستبق التحقيق، فإنه لا يمكن أن يعزى إلا إلى رغبة ثأرية في الانتقام من صحافي رفض اللغة الخشبية والتوريات وأعطى الكلام مدلولاته المباشرة منذ سنوات رافضاً الرضوخ لسيل التهديدات وللملاحقات والمضايقات، أو يعزى إلى رغبة الشهيد الجامحة في تجاوز "ربيع بيروت" بعدما اعتبر أنه أنجز الجزء الأساسي منه ليتطلع إلى ربيع عربي أوسع يشبه شخصيته التي تحاكي في رؤيويتها وهاجسها العام أولئك النهضويين العرب الذين زرعوا بذور الحرية مطلع القرن الماضي مضافاً إليها ذاك التخفف من الشوفينية القومية التي تعاود إنتاج الاستبداد بذريعة مصالح الأمة والتحرر من الأجنبي.

تكمن أهمية سمير قصير الكاتب والصحافي في التزامه الحرية أولاً وآخراً ثم في قدرته على تفكيك خطاب وتأسيس خطاب. فقصير الصحافي كان يعكس في لغته عمق التأريخ ونقد اللحظة بأسلوب الثائر ورؤية المستقبل بعين المفكر. وقصير رأى نهاية النظام الأمني في لبنان قبل سنوات من بداية نهايته الفعلية مثلما كتب متنبئاً بالانسحاب السوري قبل أشهر عديدة من تحققه. أما تلك النزعة العارمة لإنجاز شروط الدولة المستقلة في لبنان خصوصاً لجهة السيادة والاستقلال، فلم تكن لدى قصير سوى تعبير عن نزعته الأشمل لتأمين شروط الدولة المستقلة في كل بلد عربي حيث حلم بالديمقراطية وحقوق الإنسان والحداثة والاستفادة من التقدم الحاصل في الكون.

لم يكن "ربيع بيروت" سوى محطة في الخط البياني لحلم سمير قصير، ولم يكن سوى جزء من رؤية عامة بدأت بالتزامه قضية الشعب الفلسطيني وحقه في تقرير المصير من خلال كتاباته في مجلة "اليوم السابع" أو مجلة "دراسات فلسطينية" في باريس، ومرت عبر التزامه محاربة الديكتاتورية ممثلة بنظام صدام حسين ورفضه للهيمنة الأمريكية وللمقاومة العبثية على السواء. وهو في رفضه المهادنة مع أي نظام أو سلطة تمتلك قوة المال أو الإرهاب عبّر عن روح التمرد الكامنة فيه على طريقة كبار رواد الثقافة الغربيين، فبدا كأنه خارج من كتب جان بول سارتر أو متابع "ثورة الطلاب" الفرنسيين (مايو/أيار 1968) مثلما بدا قائداً ميدانياً لبنانياً في ساحة "شهداء لبنان" أو ثائراً فلسطينياً يعيش بين أهل كل مخيمات الشتات.

بشهادة سمير قصير تعود بيروت مثلما كانت دائماً في الشرق العربي مكاناً مختلفاً، يمارس فيه فعل الحرية ويدفع ثمنه دماً من دون أن تكسر الأقلام. وكما كان مقتل الرئيس الحريري صدمة أخرجت اللبنانيين من عقدة الخوف وأدخلتهم في السياسة لتقرير مصيرهم الوطني، كذلك يفترض أن يخرج موت سمير قصير الصحافة من "التطبيع" الذي وشمها على مدى عقود وجعلها أداة تخدم الحاكم أو المتحكم أو أصحاب المال أو شاهد زور يخشى قول الحقيقة خشية أن يمارس عليه الإرهاب. وبيروت بهذا الدور المستعاد تتماهى ليس مع تاريخ متقطع من الانتفاضات والاستبدادات بل مع ثورات حديثة جرت في العالم منذ سقوط الاتحاد السوفييتي، مع فارق أن شعوبنا لا تحتمل بعد النموذج المخملي التشيكوسلوفاكي حيث تحول الكاتب المعارض حاكماً بعد اندحار سلطة القمع، ولا النموذج السلمي الأوكراني الذي انتصر بإرادة الحرية والسلام. إنها شعوب مع الأسف لا تزال توغل في لعبة الدم وتهتف ذاك الهتاف المقيت: "بالروح… بالدم".

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات