دلالات قرار إعادة السفير الأمريكي إلى دمشق

د. مصطفى عبدالعزيز مرسي: دلالات قرار إعادة السفير الأمريكي إلى دمشق

  • 14 يوليو 2009

لم تشهد العلاقات الأمريكية-السورية في تاريخها الممتد مساراً مستقراً. فقد كانت دوماً تعاني من تقلبات حادة وتذبذبات فجائية يتخللها سحب السفراء أو تخفيض مستوى التمثيل. وفي الأدبيات الدبلوماسية يعتبر قرار دولة ما إعادة سفيرها لدولة آخرى، بعد قطيعة استمرت أربع سنوات، مؤشراً على رغبة الأولى في إعادة النظر في مجمل علاقتها بالثانية، ومحاولة لفتح صفحة جديدة معها. ومن هنا، فإن قرار الرئيس أوباما إعادة السفير الأمريكي إلى دمشق يُعد ابتداءاً خطوة في الاتجاه الصحيح، فيما اعتبرتها دمشق تطوراً مهماً يدل على اعتراف واشنطن بالدور الإقليمي لسورية.

وفي الواقع، فإن هذا القرار جاء تتويجاً لسلسلة من التحركات الأمريكية الإيجابية باتجاه دمشق منذ تسلم الرئيس باراك أوباما السلطة مطلع العام الجاري (2009)؛ حيث تعددت الوفود التي زارت دمشق في الأشهر القليلة الماضية من جانب أعضاء الكونجرس الأمريكي، مثل السيناتور الديمقراطي جون كيري، المرشح الرئاسي السابق، والسيناتور هوارد بيرمان، رئيس لجنة العلاقات الخارجية في مجلس النواب الأمريكي، والسيناتور بينجامين كاردن وغيرهم كثيرين. وسبق ذلك الزيارة التي قامت بها نانسي بيلوسي، رئيس مجلس النواب الأمريكي، إلى دمشق مطلع أبريل 2007، والتي كانت أول تطبيق عملي لتوصيات تقرير بيكر- هاملتون (ديسمبر 2006) الذي أوصى بالحوار مع سورية وإيران. ولم تقتصر هذه الزيارات على أعضاء الكونجرس، بل ضمت أيضاً عدداً من مسؤولي الإدارة الأمريكية، كالسيد جورج ميتشل، المبعوث الأمريكي الخاص بعملية السلام، والذي زار دمشق مؤخراً. وقد لمست جميع الوفود الزائرة لدمشق من القيادة السورية استعداداً إيجابياً للحوار مع واشنطن، ووجود مساحات لتقاطع المصالح بين الجانبين سواءً في العلاقات الثنائية، أو الوضع في العراق، واستعداد سورية للتعاون مع واشنطن لدعم فرص الاستقرار في هذا البلد، وللتفاوض مع إسرائيل تحت رعاية أمريكية فاعلة. وإجمالاً انفتحت آفاق الحوار بين البلدين، بعد مجيء الإدارة الأمريكية الجديدة بكل ما تحمله من رؤى وأساليب جديدة للتعامل مع المشكلات الإقليمية والدولية.

وإذا ألقينا نظرة على خلفية هذه العلاقات، سنجد أن سورية ظلت لفترة طويلة مدرجة على القائمة الأمريكية للدول الراعية للإرهاب، إلى جانب إيران وكوريا الشمالية، ومازالت كذلك بالرغم من الأجواء الإيجابية التي تشهدها العلاقات الآن، أي أن سورية مازالت مصنفة على أنها بلد "معاد" للمصالح الأمريكية. وقد قامت إدارة أوباما بتجديد العقوبات المفروضة عليها في هذا الشأن. وبالرغم من مشاركة سورية عسكرياً في التحالف الذي قادته واشنطن لتحرير الكويت، ولقاءات القمة المتعددة التي عقدت بين الرئيس الراحل حافظ الأسد وعدد من الرؤساء الأمريكيين، فإن العلاقات السورية- الأمريكية لم تأخذ مسارها الطبيعي.

وبعد تولي إدارة الرئيس جورج بوش الابن السلطة في عام 2001 تصاعدت أزمة العلاقات بين البلدين وتوترت بشدة، ولاسيما بعد إعلان بوش ما سمي بـ"الحرب على الإرهاب" عقب أحداث 11 سبتمبر "الغامضة"، والتي استغلتها هذه الإدارة لتصفية حساباتها مع الدول التي تصفها بأنها مارقة، ومن ضمنها سورية، الأمر الذي أوجد شعوراً لدى الجانب السوري بأن هذه الإدارة تسعى بكل السبل لخلق ذرائع لتضييق الخناق عليها. وزاد التوتر بعد الاحتلال الأمريكي للعراق (أبريل 2003)؛ حيث وجهت إدارة بوش تهديدات صريحة لدمشق بأخذ العبر من "درس العراق"، واتهمتها بتسهيل عبور المقاتلين الأجانب لمحاربة القوات الأمريكية في العراق وبإيواء الفارين من نظام البعث العراقي بعد سقوط صدام حسين، وزاد الغضب والتحفز الأمريكي مع تصاعد المقاومة العراقية للاحتلال وتمكنها من إلحاق خسائر كبيرة بالقوات الأمريكية؛ حيث كان الاعتقاد السائد أن لسورية دوراً في هذا المأزق، بشكل اتجهت معه الإدارة الأمريكية لتوسيع دائرة أزمتها إقليمياً، فتزايدت ضغوطها على دمشق محاولة إدخالها ضمن دائرة الجبر والإكراه الأمريكية، والسعي لجعل أوراق سورية الإقليمية عبئاً عليها.

وعلى الرغم من تجاوب سورية إلى حد كبير مع معظم المطالب الأمريكية كما ظهر في تعاونها في مجال ضبط الحدود مع العراق، ومنع المتسللين، فضلاً عن مرونتها فيما يتعلق بوجودها العسكري في لبنان، وإبدائها الاستعداد للحوار مع واشنطن أكثر من مرة، إلا أن الأخيرة واصلت ضغوطها لفرض العزلة الإقليمية والدولية على سورية ودفعها للرضوخ الكامل للمطالب الأمريكية. واستصدرت "قانون محاسبة سورية"، الذي تم بموجبه فرض عقوبات متنوعة على دمشق. ثم جاءت حادثة اغتيال رفيق الحريري (فبراير 2004)، الذي اتهمت واشنطن دمشق، بشكل غير رسمي، بأن لها دوراً فيه، رغم نفي دمشق القاطع لذلك، لتعزز التوتر القائم بين البلدين؛ حيث أصرت واشنطن على ضرورة انسحاب القوات السورية من لبنان، وهو ما تم في أبريل 2005، بعدما كانت هذه القوات دخلت لبنان عام 1976 بضوء أخضر أمريكي، ما وجه ضربة لمنطقة النفوذ التي بناها الرئيس الراحل حافظ الأسد بعناية وصبر على مدى عدة عقود. ومع ذلك لم تتوقف الضغوط الأمريكية، فقد كان لمجموعة المحافظين الجدد الذين سيطروا على مراكز صنع القرار في إدارة بوش الابن، والمتشبعين بالرؤى الإسرائيلية، مشروع متكامل للتعامل مع سورية، يقضي بعدم السماح لها بأن تحتل أي موقع في شبكة التفاعلات الإقليمية الخاصة بقضية الصراع العربي-الإسرائيلي أو القضايا الإقليمية الآخرى.

وكان في خلفية هذه المواقف الأمريكية أن دمشق كانت، ومازالت، الحليف العربي الرئيسي لإيران، وهو ما سبب بدوره كثيراً من المشكلات لدمشق، التي صنفتها واشنطن كإحدى دول محور الشر. وتزايدت الضغوط على سورية بصفة خاصة بعد فشل حرب إسرائيل بالوكالة على جنوب لبنان (يوليو 2006)، التي وصفتها كوندليزا رايس بأنها مخاض ولادة "شرق أوسط جديد"، حيث كان لإيران وسورية وحزب الله دور أساسي في إجهاض هذا المشروع الأمريكي. وظلت سورية لفترة طويلة "شوكة في حلق" الولايات المتحدة وإسرائيل بسبب رفضها محاولة هذين البلدين فرض سياسة الأمر الواقع على دمشق.

وبمجيء إدارة أوباما وتبنيه أسلوب الحوار في التعامل مع قوى الممانعة في المنطقة، واتخاذ سورية لعدد من المواقف التي أثبتت من خلالها حسن نواياها، سواءً من خلال تهدئة التوتر الداخلي في لبنان وتبادل التمثيل الدبلوماسي معه، وإبداء استعدادها للتعاون مع الولايات المتحدة لتحقيق الانسحاب الآمن للقوات الأمريكية من العراق، فضلاً عن إبداء استعدادها للتفاوض مع إسرائيل دون شروط مسبقة، كان طبيعياً أن تتجه العلاقات بين البلدين نحو التحسن النسبي، الذي توج بقرار أوباما إعادة السفير إلى دمشق.

وفي الواقع، فإن الخطوة الأمريكية بإعادة السفير الأمريكي إلى دمشق تتسم بدرجة كبيرة من العقلانية، فهذا الأمر من شأنه أن يساهم في تحسين العلاقات الأمريكية مع العالمين العربي والإسلامي، ويساعد إدارة أوباما على القيام بدور أكبر في حل قضايا الشرق الأوسط، وهناك اعتقاد بإمكانية توظيف التقارب الأمريكي مع سورية للضغط بطريق غير مباشر على طهران، وبالرغم من أن اللعب بهذه الورقة تكتنفه محاذير عدة، أو على الأقل خلق مساحة للتعايش بين واشنطن ودمشق تكون قادرة على تحفيز سورية المرتبطة بإيران بتحالف قديم هو الأقوى والأكثر ثباتاً في المنطقة، للقيام بالتأثير إيجابياً على مواقف إيران تجاه عدد من القضايا الإقليمية (الملف النووي الإيراني، ودعم فرص الاستقرار في العراق، وإطلاق مسار عملية السلام في الشرق الأوسط…إلخ) ومن غير المستبعد أن يكون من بين أهداف واشنطن في مرحلة تالية تحييد سورية تدريجياً وإيجاد مسافة بينها وبين إيران. ويرى أصحاب هذا الرأي أن دمشق بدورها تدرك جيداً أن أي مفاوضات سلام سورية-إسرائيلية لن تجدي في غياب شريك أمريكي يلعب دور المحرك والضامن والممول لعمليات السلام، وإذا تأكدت نية واشنطن للضغط على إسرائيل لإعادة الأراضي السورية المحتلة، فليس من المستبعد أن تُغلّب دمشق منطق الذرائعية السياسية على مواقفها وتحالفاتها.

ولكن في غياب مثل هذه الضمانات والبدائل لن تستطيع القيادة السياسية السورية الإقدام على مغامرة تخفيف أو فك روابطها مع طهران. وفي مرحلة الانتظار، من غير المستبعد أن تتعاون سورية مع واشنطن لدعم فرص الاستقرار في العراق وفي لبنان؛ لأن ذلك يصب في نهاية المطاف في مصلحة دمشق، وقد يسمح لها باستعادة لياقتها السياسية وإعادة الاعتبار لدورها الإقليمي.. وإذا كان يقال أن السياسة فن الممكن، فإن للضرورة أحكامها.

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات