دلالات توسيع المشاركة الشعبية في انتخابات المجلس الوطني الاتحادي

  • 8 يونيو 2011

تمضي دولة الإمارات العربية المتحدة قدماً بخطى حثيثة وثابتة نحو تعزيز قيم الديمقراطية الواقعية، فقبل ما يقرب من خمس سنوات، وتحديداً في عام 2006، اعتمدت الحكومة مبدأ اختيار نصف أعضاء المجلس الوطني الاتحادي عن طريق الانتخاب غير المباشر. وقد عقدت هذه الانتخابات في أواخر هذا العام بمشاركة واسعة من المرأة الإماراتية، ترشيحاً وتصويتاً. وبعد انتهاء الدورة الأولى من هذه التجربة الرائدة للمجلس، التي أضافت بعداً شعبياً إلى هذه المؤسسة، لم تقف الدولة عند هذه النقلة التي تأثر بحراكها جميع أفراد الشعب، بل سارعت إلى اتخاذ مزيد من الخطوات البناءة لإرساء دعائم الديمقراطية في المجتمع؛ حيث أصدر المجلس الأعلى للاتحاد القرار رقم (1) لسنة 2011 بتعديل بعض أحكام المجلس الأعلى للاتحاد رقم (4) لسنة 2006 في شأن تحديد طريقة اختيار ممثلي الإمارات في المجلس الوطني الاتحادي، وبناء عليه أصدر صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة، حفظه الله، قراراً اتحادياً رقم (2) لسنة 2011 بتعديل بعض أحكام قرار رئيس الدولة رقم (3) لسنة 2006 بشأن تحديد طريقة اختيار ممثلي الإمارات في المجلس الوطني الاتحادي.

وقد نصت المادة الأولى من قرار المجلس الأعلى للاتحاد على استبدال الفقرة (1) من المادة الأولى من قرار المجلس الأعلى للاتحاد رقم (4) لسنة 2006 بالنص التالي: "يتم انتخاب نصف الأعضاء من قبل هيئة انتخابية تشكل بواقع 300 مضاعف لممثلي كل إمارة كحد أدنى".

وتأتي هذه الخطوة التي تستهدف توسيع قاعدة المشاركة الشعبية في الانتخابات المقرر عقدها في شهر سبتمبر القادم (2011)، عبر زيادة عدد أعضاء الهيئة الانتخابية ليصبح نحو 300 ضعف عدد المقاعد المخصصة لكل إمارة كحد أدنى، بعد أن كان العدد مائة ضعف فقط؛ استكمالاً لتنفيذ برنامج صاحب السمو رئيس الدولة، حفظه الله، بشأن تعزيز الدور المنوط بالمجلس الوطني الاتحادي، وذلك بعد نجاح تجربة المجلس السابقة التي شهدت للمرة الأولى تطبيق تجربة الانتخاب في اختيار أعضاء المجلس، وهو ما يؤكد حرص القيادة الحكيمة والرشيدة على تمكين المجلس الوطني الاتحادي، وتفعيل دوره الإيجابي، ليصبح سلطة مساندة وداعمة للسلطة التنفيذية، التي ارتأت العمل وفقاً لهذا الأسلوب الراقي والحضاري تماشياً مع مرحلة "التمكين" التي أرسى دعائمها صاحب السمو رئيس الدولة، حفظه الله، منذ أن تولى قيادة دفة الحكم.

إن القراءة الموضوعية لهذه الخطوة المتقدمة على طريق تكريس مبادئ ديمقراطية تلامس واقع المجتمع الإماراتي، تكشف مجموعة من الدلالات المهمة، لعل أبرزها ما تجسده هذه الخطوة من تأكيد لقناعة القيادة السياسية وحرصها على مواصلة هذا الطريق الرشيد الخاص بتمكين المواطنين وتعزيز مشاركتهم في الشأن العام وفق أسلوب تدريجي، يحقق التطور السياسي المجتمعي في ظل الحفاظ على المنجزات الاقتصادية والاجتماعية المتحققة. كما أنها تصب في خانة تكريس القناعة لدى الرأي العام بأن الدولة ماضية على هذا الدرب وفق أسلوب عقلاني متدرج، ولاسيما أن البعض في العام 2006، عندما صدر القرار الأول باعتماد النهج الانتخابي النصفي بدل التعيين الكلي لأعضاء المجلس الوطني الاتحادي، قدم التشكيك على قوة اليقين، وكان هاجس التردد والتراجع هو السائد لدى هؤلاء ممن لم يفطنوا لما وراء هذه القرارات التي تتدرج في إرساء المبادئ الديمقراطية بما يناسب واقع الإمارات وتطورها. وبالتالي فإن هذا القرار الجديد جاء ليزيل أي شكوك ويؤكد أن هناك قناعة راسخة بأن القيادة الرشيدة عازمة على المضي قدماً في هذا النهج.

الدلالة الثانية، أن قرار توسيع القاعدة الانتخابية وضع حداً أدنى للهيئة الانتخابية من دون أن يذكر حداً أقصى، وبالتالي فإن رقم الـ300 ضعف مرشح للزيادة بنسب عالية، وبالتالي سنكون إزاء مشاركة شعبية أكثر اتساعاً وتنوعاً في الانتخابات القادمة.

الدلالة الثالثة، تتعلق بتوقيت هذه الخطوة الرامية إلى توسيع دائرة المشاركة في الانتخابات المقبلة، فهي جاءت في الوقت الذي تمر فيه أجزاء من العالم العربي بحالة من عدم الاستقرار في أوضاعها السياسية والأمنية والاقتصادية، وهي وإن لم تأت استجابة لهذه التطورات، فإن وقعها كان لصالح إرساء مزيد من دعائم الاستقرار السياسي والتشريعي في الدولة حتى تؤتي التنمية المستدامة أكلها بشكل متواصل، وترسيخ التلاحم الفريد بين القيادة والشعب، الذي تفتقده كثير من الأنظمة السياسية الأخرى، وهو ما عكسته بيانات تجديد العهد والولاء للقيادة الحكيمة التي أصدرتها معظم القبائل في الدولة. باختصار، فإن هذه الخطوة جاءت لتلقي بالطمأنينة على قلوب أفراد الشعب الملتف حول قيادته لدعم كل ما من شأنه أن يعزز البناء الوطني وفق خطوات مرسومة ومدروسة سلفاً.

 إن الدولة في مرحلة التمكين تستند في جميع قراراتها إلى أسس من الرشادة والعقلانية، وهي تسير وفق خطوات محسوبة للانتقال من مرحلة إلى أخرى من دون الانسياق وراء دعوات المتعجلين ممن ينادون بالولوج الفوري إلى غرفة عمليات الديمقراطية الغربية بلا مقدمات واضحة أو حتى مفاهيم تهيئ الأرضية لتقبل الأمور دفعة واحدة، وتضع أسساً سليمة لهذا الانتقال، وهذا ليس من نهج الدولة لا في السابق ولا الآن. فالالتفات لحظة إلى عجلة المتعجلين، يعني بالمقابل التضحية بأشجار وارفة الظلال في قضايا التنمية والاستقرار والأمن، بذل الآباء المؤسسون للدولة الاتحادية أقصى جهودهم لكي ننعم بها ونجني ثمارها، والتفريط في ذلك من أجل خوض تجربة وهمية لا نعرف نتائجها مسبقاً لا يمكن حتى التوقف عندها، فضلاً عن الولوج إليها بعيداً عن صوت العقل والحكمة والرشد.

إننا اليوم أمام تجربة "إماراتية" بحتة تجسد خصوصية نحتفظ بها لأنفسنا، ولسنا معنيين هنا بالمقارنة غير المجدية بيننا وبين الآخرين في هذا النهج، فمن حقنا أن نركز على ما بين أيدينا من إمكانيات ذاتية نحقق بها طموحاتنا. وبما أن العالم العربي يمر اليوم بتحديات داخلية مع شعوبه، فإن دولة الإمارات بهذه الخطوات تريد أن تجنب شعبها ما وقع فيه الآخرون من سلبيات تفرزها التغييرات المفاجئة، التي قد يأخذ ترميمها وإصلاحها من حياة الشعوب عقوداً من الاجتهادات، التي قد لا تصل بسهولة إلى مبتغاها.

إن القرار الأخير للمجلس الأعلى الاتحادي يعني أن الدولة تمضي في طريقها نحو مأسسة الديمقراطية في المجتمع، بحيث تكون قادرة على مواجهة كافة التحديات في أصعب الظروف التي تمر على أي حراك سياسي يراد من خلاله وضع اللبنات السليمة للبناء الكلي للدولة. ومن المهم هنا الإشارة إلى أن هذا القرار يحمّل أعضاء المجلس الوطني الاتحادي المقبل أعباء تضاف إلى واجباتهم المعروفة كهيئة برلمانية تمارس صلاحياتها وفقاً لنصوص الدستور والقوانين واللوائح التي تسير دفة المجلس. إن واقع العالم العربي يفرض على الجميع، برلمانيين وغيرهم، الوقوف صفاً واحداً لدعم أركان الأمن والاستقرار والأمان في مجتمع الإمارات، ودعم اللحمة الوطنية لصد أي هاجس، ولو من بعيد، يراد من خلاله التأثير سلباً في أي مكتسب أو إنجاز بلغ بالدولة عنان السماء على المستويين المحلي والعالمي.

ومن الأهمية بمكان، في هذه المرحلة من عمر الدولة التي ستكمل عامها الأربعين بعد فترة وجيزة، أن يتم الحفاظ بالغالي والنفيس على كل إنجاز تحقق لخدمة الصالح العام للوطن، وأن ننظر إلى القرار الخاص بتوسيع المشاركة في الانتخابات القادمة على أنه يجسد سعي القيادة الواعية الدؤوب إلى دعم كل ما يحقق تطلعات الشعب، الذي لم يغب لحظة عن عين القيادة البصيرة.

إن انسيابية العمل البرلماني وتناغمه مع الحكومة أعطت مساحة من المرونة للوصول بأي قرار يتم مناقشته بين الحكومة والبرلمان ويحقق مصلحة عامة لشعب الإمارات إلى دائرة التطبيق. ويكفي أن نقول إن تطلعات القيادة الرشيدة وإمساكها بزمام المبادرة للتغيير نحو الأفضل، يضع كل فرد مواطن في الدولة أمام مسؤوليته الوطنية، ويفرض عليه بذل كل جهد ممكن للارتقاء بهذا الوطن وحماية مكتسباته وتعظيمها، فهذا هو ما تسعى القيادة إلى ترسيخه في نفوس أبناء الوطن.

Share