دلالات تدشين مفاعل بوشهر النووي الإيراني وأبعاده

  • 29 أغسطس 2010

أطلقت إيران في الحادي والعشرين من أغسطس/آب 2010 محطتها النووية الأولى في "بوشهر" جنوب البلاد، بخبرات روسية. وببدء هذه العملية الأولى لتزويد المفاعل بالوقود، تكون إيران قد دخلت رسمياً في نادي الدول المنتجة للطاقة النووية، وأنجزت هذا المشروع الحيوي، الذي يعود إلى عام 1974 عندما تعاقد شاه إيران المدعوم من الولايات المتحدة، محمد رضا بهلوي، مع شركة "سيمنس" الألمانية على بنائه، قبل أن يتعثر بفعل التغييرات التي شهدتها إيران بعد الثورة الإسلامية التي أطاحت الشاه عام 1979، وما تلاها من تطورات في علاقة إيران بالغرب.

وقد أثارت هذه الخطوة الإيرانية كثيراً من الجدل، كما كان لها العديد من الدلالات المهمة، سواء فيما يتعلق بالشأن الداخلي الإيراني، أو فيما يتعلق بعلاقات طهران الخارجية، أو تأثيرها على مسار الأزمة النووية الإيرانية بشكل عام. فعلى مستوى الداخل الإيراني يمثل تشغيل مفاعل "بوشهر" تطوراً مهماً كانت تنتظره حكومة أحمدي نجاد لتخفيف حدة الضغوط الشعبية التي تواجهها والخروج من أزمة الشرعية التي تعانيها منذ انتهاء الانتخابات الرئاسية الأخيرة التي حقق فيها نجاد فوزاً مثيراً للجدل. فحكومة نجاد تستطيع الآن أن تعلن أنها حققت الإنجاز الذي وعدت به الشعب الإيراني برغم كل الضغوط والعقوبات الدولية المفروضة عليها، الأمر الذي قد يضعف موقف المعارضة الإيرانية، ويعزز شعبية الحكومة، ولاسيما أن قضية البرنامج النووي الإيراني أصبحت تمثل قضية فخر قومي بالدرجة الأولى.

أما على الصعيد الخارجي، فلاشك في أن قيام روسيا بتدشين هذا المفاعل في هذا التوقيت بالذات يحمل دلالات وتساؤلات عدة، أولها: أنه جاء في وقت ساد فيه الاعتقاد باقتراب العلاقات الروسية-الإيرانية من مفترق طرق صعب، اعتبره بعض المراقبين نهاية "لزواج المتعة الروسي- الإيراني الهش والخادع"، ولاسيما بعد تصاعد حدة الانتقادات المتبادلة بين الجانبين على خلفية موافقة روسيا على العقوبات الأخيرة المفروضة على طهران. بيد أن تصعيد الانتقادات الإيرانية لروسيا، والتي عبر عنها أحمدي نجاد بتحذيره لروسيا من التحول إلى عدو لإيران، ومطالبة روسيا له بالتوقف عن " الديماغوجية السياسية"، لم يكن يهدف في حقيقة الأمر إلى غلق الأبواب أمام موسكو، بقدر ما كان يمثل نوعاً من "العتاب" السياسي هدفه تصحيح مسار العلاقات بين البلدين، نظراً لاعتماد إيران شبه الكامل على التكنولوجيا والتسليح الروسيين، بسبب المقاطعة والعقوبات المفروضة عليها من الغرب، يقابل ذلك بطبيعة الحال حرص روسيا على الحفاظ على مصالحها الاقتصادية مع إيران، والتي تكتسب أولوية متقدمة في السياسة الخارجية الروسية بعد تراجع الاعتبارات الإيديولوجية. وبشكل عام أكدت روسيا من خلال الإقدام على هذه الخطوة، حرصها على تحقيق أكبر قدر ممكن من التوازن بين مصالحها الاقتصادية مع إيران وعلاقاتها مع الغرب؛ حيث قدمت تطمينات قوية بأن الوقود النووي المستخدم في هذا المفاعل لن يستخدم في إنتاج الأسلحة النووية.

ثانيها: أن تدشين هذا المفاعل وإمداده بالوقود النووي من قبل روسيا جاء في وقت يتم فيه تنفيذ قرار مجلس الأمن الأخير (رقم 1929)، بفرض جيل رابع من العقوبات المغلظة على إيران، أيدته كل من روسيا والصين، وينطوي هذا الأمر على توجيه رسالة ضمنية مفادها أن العقوبات الدولية المشددة لم تنل من إيران ومن خططها النووية والتسليحية.

أما الدلالة الثالثة فتتعلق بموقف الولايات المتحدة من هذه الخطوة. فقد انتقدت واشنطن في وقت سابق من هذا العام موسكو لمضيها قدماً في مشروع "بوشهر" الذي يتكلف مليار دولار، لكن الانتقاد لم يتكرر عندما أعلنت روسيا أنها ستنقل الوقود إلى المفاعل، بل إن واشنطن اعتبرت أن هذه الخطوة لا تمثل تهديداً لسياسات الانتشار النووي. وفي سياق تبرير هذا الموقف برز اتجاهان، الأول، تحدث أنصاره عن "صفقة روسية- أمريكية" لتمرير هذه الخطوة يتم بمقتضاها تزويد إيران بالوقود النووي متوسط التخصيب بضمانات ورقابة روسية مقابل تكثيف الضغوط عليها للتوقف للتراجع عن فكرة تخصيب اليورانيوم على الأراضي الإيرانية، وهو الأمر الذي يضمن احتواء إيران وعدم الدخول في حرب جديدة. أما الاتجاه الثاني، فرأى أنصاره أن تراجع واشنطن عن مواقفها وعدم اعتراضها بقوة على هذه الخطوة يعود إلى حصولها على ضمانات قوية بأن طهران لن تستطيع استخدام الوقود النووي في إنتاج الأسلحة النووية.

ويبدو أن الاتجاه الثاني هو الأكثر قبولاً، وصدرت بشأنه العديد من التأكيدات. فقد أكد نائب وزير الخارجية الروسي، سيرجي ريابكوف، أن محطة "بوشهر" ستستخدم لأغراض مدنية فقط، وأن ذلك "مضمون مائة بالمائة"، وهذه الضمانات لا تقدمها موسكو بل تأتي من وقائع موضوعية، وقال: "إن إمداد روسيا المحطة بالوقود يدل على أن قواعد عدم الانتشار كافة مطبقة في المحطة". وبموجب الاتفاق الروسي- الإيراني لتشغيل المحطة فإن طهران ملزمة بإعادة قضبان الوقود المستنفدة إلى روسيا، كما أن العملية كلها ستكون تحت إشراف الوكالة الدولية للطاقة الذرية، الأمر الذي دفع معظم الخبراء إلى تأكيد أن تدشين مفاعل "بوشهر" رسمياً لن يكون له أي تأثير على الانتشار النووي في المنطقة، ولن يساعد طهران في تطوير أسلحة نووية، بل سيؤكد الطابع السلمي لبرنامجها النووي.

ولا يعني ذلك أن هذه الخطوة لن يكون لها تأثير على أزمة البرنامج النووي الإيراني، فالمخاوف من هذا البرنامج مازالت قائمة، وإذا كان هناك تطمينات بشأن مفاعل "بوشهر"، فإن هناك مخاوف جدية من المفاعلات الأخرى التي تدور شبهات بشأنها. كما أن هناك تحفظات بشأن مدى سلامة مفاعل "بوشهر" نفسه؛ حيث توجد مخاوف بشأن حدوث تسرب إشعاعي نووي يلحق أضراراً بيئية خطيرة بالمنطقة. وقد عبر وكيل وزارة الخارجية الكويتية، خالد الجارالله، عن جدية هذه المخاوف، قائلاً: "إن قلق الكويت ناتج من تخوفها في حال حدوث أي تسربات نتيجة عوامل طبيعية تحمل تداعيات مستقبلية"، وهو الأمر نفسه الذي أشار إليه في وقت سابق الأمين العام لمجلس التعاون لدول الخليج العربية، عبدالرحمن العطيه، بقوله: "إن مفاعل بوشهر أقرب جغرافياً إلى دول الخليج منه إلى طهران". وقد شككت العديد من التقارير الصحفية الغربية في إجراءات السلامة الخاصة بهذا المفاعل الذي يقع على بعد عدة كيلومترات على شواطئ الخليج العربي.

وعلى الرغم من أن البدء في تزويد مفاعل "بوشهر" بالوقود النووي الروسي اللازم لتشغيله لا يثير مشكلة كبيرة فيما يتعلق بقدرة إيران على امتلاك سلاح نووي، فإنه سيوفر فرصة إضافية لتصعيد الضغوط على طهران؛ حيث سيتيح ذلك للولايات المتحدة والغرب القول إن إيران حصلت على الوقود النووي الذي تريده من روسيا، وبالتالي فهي ليست بحاجة إلى الاستمرار في خططها الخاصة بتخصيب اليورانيوم من أجل إنتاج الوقود، وهو أمر أشارت إليه الولايات المتحدة بوضوح. وفي هذه الحالة فإن إصرار طهران على المضي قدماً في هذه الخطط سيعزز قناعة المجتمع الدولي بأنها تسعى إلى امتلاك الأسلحة النووية، الأمر الذي سيجعل الباب مفتوحاً وبقوة أمام استخدام خيار القوة المسلحة، ولاسيما من جانب إسرائيل التي دأبت في الفترة الأخيرة على التلويح بخيار القوة لوقف البرنامج النووي الإيراني. وهو الأمر الذي ردت عليه طهران بقوة في أكثر من مناسبة، كان آخرها تصريح الرئيس الإيراني أحمدي نجاد الذي هدد فيه برد قاس يشمل الكرة الأرضية كلها إذا تعرضت بلاده للهجوم.

ويبدو من المؤشرات الأولية أن طهران لن تتراجع عن خططها الخاصة بالتخصيب الذاتي لليورانيوم من أجل امتلاك دورة الوقود النووي بالكامل، ولعل ما يلفت النظر في هذا المجال تصريح علي أكبر صالحي، رئيس هيئة الطاقة الذرية الإيرانية، الذي ذكر فيه أن بلاده ستعطي الأولوية بعد بدء العمل في مفاعل بوشهر، للبحث عن مخزون اليورانيوم في كل أرجاء إيران، وأن بلاده اقترحت على موسكو إنتاج وقود نووي بشكل مشترك يتقاسم الطرفان مراحل إنتاجه لاستخدامه في تشغيل هذا المفاعل (الشرق الأوسط 26أغسطس 2010، والحياة 27 أغسطس 2010)، وهو مؤشر أولي يعبر عن رغبة إيران في تحقيق استقلالية في صنع الوقود النووي مستقبلاً، وهذا الأمر قد يفتح المجال أمام سيناريوهات خطرة.

خلاصة القول، إن الاتفاق الروسي- الإيراني على تشغيل مفاعل "بوشهر" وإمداده بالوقود يمكن أن يكون مقدمة لتجاوز الأزمة النووية الراهنة إذا اكتفت طهران بهذا الاتفاق، وتراجعت عن خططها الخاصة بامتلاك دورة الوقود النووي. ويمكن أن يكون أيضاً مقدمة لدخول هذه الأزمة مرحلة الخطر وسيناريوهات الحرب، والفيصل الوحيد في الأمر هو سلوك النظام الإيراني وحقيقة طموحاته. وفي جميع الأحوال فإن على دول الخليج العربية التفكير من الآن في ماهية الإجراءات الاحترازية التي يتعين اتخاذها لحماية نفسها مستقبلاً من أية تسربات إشعاعية محتملة يمكن أن تنجم عن بدء عمل هذا المفاعل القريب من حدودها الجغرافية.

Share