دلالات الجدل حول نشر قوات عربية في العراق

دلالات الجدل حول نشر قوات عربية في العراق

  • 6 يوليو 2004

بات السؤال الذي تطرحه المسألة العراقية اليوم يتعلق بإمكانية وملاءمة نشر قوات عربية وإسلامية في العراق من أجل تحقيق الأمن والاستقرار، ومن ثم تهيئة الظروف الضرورية لإنجاز العملية السياسية المبرمجة سلفاً على الوجه الأكمل.

ذلك السؤال يتعلق بشهر تموز/يوليو 2004 ولا ينسحب على أي فترة سابقة؛ ذلك لأنه ومنذ أكثر من عام كانت الأسئلة المطروحة من نوع: كيف يمكن أن نساعد الجماعات المناوئة للاحتلال؟ كيف يمكن تصعيب الأمر على الأمريكيين؟ هل نقبل بالمجلس الانتقالي؟ هل نقيم علاقات مع الحكومة المؤقتة؟ كيف نجيش الإعلام ونبالغ في نزعاته التهييجية؟

لا يجب أن ينسب التطور الكبير في الأسئلة التي طرحت على الذات وعلى الآخرين فيما يتعلق بالإدارة العربية للمسألة العراقية إلى الاحتلال الأمريكي، فلا شك أن الولايات المتحدة كقوة عظمى ذات مصالح وضرورات استراتيجية في أغلب مناطق العالم، جاءت إلى هذه المنطقة لكي تصل إلى صيغة ملائمة تحافظ لها على مصالحها وتدرأ عنها أخطاراً ماثلة أو متوقعة، وهي لم تجعل تحسين مقارباتنا الاستراتيجية للأمور هدفاً أسمى لها.

فهذا التطور يجب أن ينسب إلى العراقيين أنفسهم، فرغم كل الصعوبات التي تعرضوا لها على مدى العقود الماضية، ورغم ما ظهر من تخبط في إدارة الاحتلال الأمريكي للبلد، فقد أعطى العراقيون إشارات إلى امتلاكهم القدرة على تطوير نخبة سياسية وتكنوقراطية، تراعي وتعبر الاعتبارات الطائفية في آن، وتضع أجندة ذات أولويات واضحة ومنطقية، في طريقها لاستيفاء الاستحقاقات السياسية المبرمجة، وعلى رأسها تهيئة الأجواء اللازمة لإجراء انتخابات وطنية، تفضي إلى أول حكومة شرعية عراقية منتخبة.

باتت الأسئلة المطروحة اليوم من نوع: هل يلقي مقتدى الصدر سلاح مليشياته ويدخل في العملية السياسية؟ ما أسباب تراجع كثافة عمليات العنف؟ وغيرها من الأسئلة التي تؤشر إلى تبدل ملحوظ في ظروف العراق، ربما يفضي إلى استقرار يعجل بالاستقلال.

يلّمح الأردن إلى إمكانية إرسال قوات إلى العراق، وتعرض مصر والإمارات تدريب قوات عراقية لتحسين قدراتها على حفظ الأمن، وتطرح البحرين فكرة مشاركة قوات بحرية منها في حفظ الأمن البحري العراقي، ويبقى الجميع برسم توقع تفعيل تلك المقاربات وتطويرها، ربما إلى حد رفد العراق بقوات عربية تعمل على تحسين وضعه الأمني وتحقيق الاستقرار.

الجامعة العربية نفسها تعتبر أن مسألة إرسال قوات عربية إلى العراق تدخل ضمن القرار السيادي لأي دولة، ولكنها في الوقت ذاته تؤكد "الرغبة في أن يكون هناك عمل عربي جماعي". أما داخل العراق، فإن رئيس الوزراء إياد علاوي يرفض قوات من الدول المجاورة "مراعاة للحساسيات"، ولا يمانع وزير خارجيته هوشيار زيباري في استقبال "قوات من دول عربية ليس لديها حدود مباشرة مع العراق".

الأمريكيون يؤيدون قدوم قوات عربية بالطبع، والشيعة يرفضون تشككاً وريبة، وحفاظاً على وضع وصلوا إليه بعد عناء كبير وبأثمان فادحة، والأكراد يرفضون تدخلاً عربياً على الأرض مستندين إلى قناعتهم بأن "العرب أبدوا مواقف سلبية دائما تجاه القضية الكردية واضطهاد صدام للأكراد". أما الفعاليات السنية وبعض القوى ذات التوجهات القومية فتؤيد نشر تلك القوات في الأراضي العراقية.

يجب أن تدرس الحكومات العربية بعناية الوضع الراهن بتغيراته التي عكسها تغير أسئلة المرحلة وتحدياتها، كما يجب أن تتوافق على توجه وسياسة عربية منسجمة وفاعلة؛ تسهم في تحقيق الأمن والاستقرار في العراق، وفي تقوية وتصليب نخبته السياسية الجديدة، نحو إنجاح الانتخابات المرتقبة، ومن ثم تأهيل العراق واستعادته سيادته الكاملة، ثم استعادته إلى موقعه في النظام العربي.

Share