دلالات أزمة متواصلة في الكويت

عبدالوهاب بدرخان: دلالات أزمة متواصلة في الكويت

  • 3 يونيو 2009

أعطت نتائج الانتخابات الكويتية، ولاسيما فوز أربع نساء فيها، جرعة أمل في إنعاش هذه الديمقراطية الخليجية، التي يتمسك أهلها بها على الرغم من العبث الذي يذهبون إليه خلال ممارستهم لعبة الموالاة والمعارضة. لكن استعداد عدد من النواب، الذين أُعيد انتخابهم، لتقديم استجوابات مبكرة للوزراء الذين سيستمرون في مناصبهم وسبق أن طُلبوا للمساءلة، وانسحاب خُمس أعضاء مجلس الأمة في أولى الجلسات البرلمانية احتجاجاً على تشكيل الحكومة الجديدة، يشير إلى أن أسباب الأزمة وجوهرها وآلياتها لا تزال ماثلة.

كان الهدف من حل المجلس السابق والدعوة إلى انتخابات جديدة أن يساهم الناخبون في تغيير تركيبة البرلمان لاستبعاد "نواب التأزيم"، ليس بالضرورة لمصلحة "نواب التبصيم"، وإنما بالأحرى لمصلحة "نواب الترميم"؛ لأن الأضرار التي لا تنفك الديمقراطية الكويتية تتعرض لها باتت تحتاج إلى معالجة عميقة وفاعلة.

وأسفر الاقتراع عملياً عن نتائج ذات مغزى ناقضت ما قيل عن الحملة الانتخابية بأنها كانت فاترة وباهتة وحتى عقيمة، لذلك يمكن ملاحظة الآتي:

أولاً: كانت نسبة الإقبال على التصويت متدنية مقارنة بما كانت عليه سابقاً. وكان يفترض أن يترجم ذلك بتعزيز حظوظ المرشحين الملتزمين والمنتظمين في تيارات سياسية، إسلامية أو ليبرالية، غير أن النتائج أظهرت خسارة مدوية لليبراليين، وخسارة كبيرة للإسلاميين الذين كانوا يملكون 21 مقعداً من أصل 50 في المجلس السابق، وأصبحوا يملكون الآن أحد عشر مقعداً.

ثانياً: شكل نجاح المرشحات الأربع إنجازاً يحسب لمصلحة هذه التجربة الكويتية، باعتبار أن الفوز تحقق على نحو طبيعي من دون تخصيص "كوتا" نسائية أو من خلال أي تحالفات أو أي نوع من الدعم الاستثنائي. وبالتالي احتلت المرأة مكانها في البرلمان بجدارتها وكفاءتها والمصداقية التي توحي بها. ولا بد أن خيبة الأمل من مجريات العمل البرلماني شجعت على ترجيح ضخ دم جديد فيه، أملاً في أن تكون المرأة النائبة معنية أكثر بالمصلحة العامة، وبمستقبل أكثر استقراراً للنظام وللبلد.

ثالثاً: كوفئ من يسمون "نواب التأزيم" بإعادة انتخابهم جميعاً، بعضهم نال عدداً أكبر من الأصوات وبعضهم أقل، لكنهم عادوا، ولا يبدو أن الحملة الانتخابية قد دعتهم إلى أي مراجعة للنهج الذي يتبعونه في مساءلة الحكومة. ولا يعني ذلك سوى أن الناخبين يجدون مصلحة في تشجيع هؤلاء على الاستمرار في حملاتهم، وهذا في حد ذاته أمر طبيعي ومشروع، لكن مؤداه ونتائجه تبقى موضع تساؤل وجدل.

رابعاً: لا شك في أن الاستياء من أداء "نواب التأزيم" يقابله استياء مماثل وربما أكبر من الأداء الحكومي بشكل عام. فثّمة حاجة إلى تأمين إدارة جيدة للعلاقة بين الحكومة والبرلمان، وثّمة حاجة إلى وضع رؤية التنمية، التي تقول الحكومة إنها تحاول تفعيلها، موضع التنفيذ، أو حتى موضع نقاش إذا كان للمجلس أن يدخل عليها تعديلات. فلا يجوز أن تخضع المصلحة العامة لما يبدو كأنه مناكفات وصراع مصالح من تحت الطاولة، لا يلبث أن يظهر في صيغة استجوابات أو مشاجرات إعلامية واتهامات متبادلة.

والواقع أن غالبية من نواب المجلس السابق لا تزال تتساءل؛ لماذا تصرفت الحكومة بهذه الطريقة حيال الاستجوابات مع يقينهم بأنها كانت تملك غالبية مريحة لإسقاط أي استجواب، أو لعبور أي تصويت على الثقة؟ ولا تفسير لذلك سوى أن ثقافة الممارسة الحكومية تتمسك بشكل محافظ جداً بأسلوب التسويات وعدم المواجهة، والميل إلى مراضاة الذين يرفعون أصواتهم. ومع أن النسبة الأكبر من النواب يمارسون عملهم على نحو سويّ، إلا أن جهدهم بات ضائعاً في أروقة قلة من زملائهم يقومون بدورهم البرلماني وكأنهم في حملة انتخابية دائمة ومفتوحة. ووفقاً لهذه الثقافة الحكومية بات أي تلويح باستجواب أحد أعضاء الحكومة بمنزلة تشهير به، وبالتالي دعوة إلى إزاحته واستبداله، لكن الأمر يصبح أكثر حساسية عندما يكون الوزير من شيوخ الأسرة الحاكمة.

فمنذ فصل منصب ولي العهد عن منصب رئيس الوزراء باتت الحكومات تعيش فيما يشبه المأزق المقيم أو الدائم، صحيح أن رئيس الوزراء يتمتع بلقب "صاحب السمو" إلا أن البرلمانيين باتوا يميلون إلى معاملته على أنه بلا حصانة، وبالتالي فهو معرض للمساءلة والمحاسبة ربما وصولاً إلى نزع الثقة منه وإسقاطه. وليس واضحاً في أذهان النواب ما إذا كانوا يهدفون في النهاية إلى طرح إخراج منصب رئاسة الوزراء من الأسرة الحاكمة ليصبح استجوابه تلقائياً وغير مثير للحساسيات. ولعل مأزق رئيس الوزراء يتفاقم إذا لم تكن الأسرة تدعمه وتتضامن معه بشكل كامل وواضح. ففي مثل هذه الحالة ستكثر الألاعيب وفقاً لكثرة اللاعبين والطامحين، ويتداخل فيها نشاط أفراد من الأسرة مع حراك النواب الراغبين والمنتفعين، أو تتقاطع مصالحهم.

لا شك في أن هذه الألاعيب متوقعة وطبيعية في السياسة عموماً، إلا أنها تبقى معيبة وغير مقبولة في أنظمة محافظة لم يكتمل انتقالها بعد إلى أساليب السياسة الحديثة. وعندما تنعكس الألاعيب على الدولة وعملها، وعلى النظام واستقراره، وعلى البرلمان وأدائه لدوره، لا بد أن تصبح تعويقاً يؤذي الجميع، بل تخريباً يضطر معه الحاكم إلى التفكير في "آخر الدواء". ومفهوم أنه في الأزمة الأخيرة طرح لوهلة إمكان اللجوء إلى الحل "غير الدستوري" للبرلمان، ما يعني تعليق وجوده لفترة زمنية قد تحدد وقد لا تحدد. وعدا السلبيات الكثيرة التي سيحصدها الحاكم من هذا الحل، فإن الخوف من عدم جدواه هو ما حتم استبعاده. ولعله يجدي في حالة واحدة، أن تكون لدى الحكومة خطة إصلاحية سياسية اقتصادية متكاملة، وأن تكون الحكومة جاهزة وقادرة على تنفيذ هذه الخطة، وأن تكون هناك نتائج محددة ومحققة خلال المهلة الزمنية المعلنة، وهي نفسها مهلة تغييب البرلمان. ولكن لا يبدو أن هناك خطة كهذه (على الرغم من وجود مشروع قانون للإصلاح الاقتصادي تقول الحكومة إن المجلس يعرقله)، لذلك اكتفى الحاكم بالحل الدستوري والدعوة إلى انتخابات جديدة.

قبل الانتخابات وبعدها كان المرجو تغييراً في عقلية العمل السياسي، وكذلك في عقلية العمل الحكومي وطريقته. هناك مرشحون لوحوا بعصا الاستجوابات خلال الحملة الانتخابية وفازوا، وهناك مرشحون طالبوا بحكومة متماسكة، تملك خطة عمل تلبي أبرز التطلعات: إطلاق التنمية، تعزيز الشفافية، وتحديث التشريعات.

أسوأ ما في هذه الأزمات أنه لا يمكن الهرب منها، بل تجب مواجهتها لتصبح التجربة مراكمة للخبرة وتصويباً للمسيرة، حكومياً وبرلمانياً. ففي الواقع بات الطرفان أسيري اللعبة، ولابد لأي منهما أن يخرج منها مهما كلفه الأمر. لا يمكن أن تعمل الحكومة إذا لم تقلع عن نمط الإرضاء والاسترضاء، وكأن لديها دائماً ما تخفيه، أو كأنها بنت سياساتها على أسس غير قابلة للصمود عند أول مساءلة. كذلك لا يمكن للمجلس أن يكون فاعلاً ومشهوداً له في التشريع والمحاسبة النزيهة إذا لم يهتم بجعل القانون، وليس الاستثناء، ركيزة لعلاقة الدولة مع المواطن. هذه المرة يقول رئيس الوزراء أنه سيواجه أي استجواب، وحكومته باتت جاهزة للعمل. هذه بداية تصحيح في أسلوب العمل الحكومي، كما في إدارة العلاقة مع المجلس.

Share