دعوات منع النقاب ومسألة الاندماج في ألمانيا

دعوات منع النقاب ومسألة الاندماج في ألمانيا

  • 21 أغسطس 2016

ألقت تصريحات وزير الداخلية الاتحادي في ألمانيا، توماس دي ميزير، عقب اجتماع مع نظرائه في الولايات أو الحكومات المحلية من تكتل «الاتحاد المحافظ» الذي دعوا فيه إلى فرض حظر على ارتداء النقاب أو البرقع، أو أي حجاب يغطِّي الوجه بالكامل، في المدارس أو المحاكم، أو في أثناء القيادة، وفي مواقف متعدِّدة أخرى، الضوء مجدَّداً على مسألة اندماج المسلمين في المجتمع الألماني، والعقبات التي تقف أمامه، والتحديات التي تواجهه.

لا شكَّ أن المسلمين في ألمانيا، المقدَّر عددهم بخمسة ملايين نسمة (نحو 6 في المئة من السكان تقريباً) قاموا بخطوات مهمَّة على طريق تحقيق الاندماج في المجتمع الألماني؛ ويعود هذا إلى أسباب منها سياسات الاندماج التي تبنَّتها الحكومة الفيدرالية منذ وقت مبكر، ومن بينها «برنامج الاندماج» الذي يتضمَّن تعليم اللغة الألمانية لكل مقيم بتمويل كامل من الحكومة الألمانية؛ وكذلك سياسات وقوانين بعض الولايات التي قام بعضها بتدريس مادة التربية الإسلامية في المدارس رسمياً.

وفي المقابل قام المسلمون بخطوات مهمَّة في هذا السياق، حيث تجاوبوا مع برنامج الاندماج، كما قاموا بطرح مبادرات مهمة، منها مبادرة «الباب المفتوح» حيث تفتح المساجد أبوابها للألمان سنوياً في يوم توحيد ألمانيا، ومبادرات أخرى كان لها تأثير ملموس على المستوى المجتمعي، مثل حملات التبرع بالدم و«حملة الجار»، وغيرها من البرامج والمبادرات التي أظهرت حرص نسبة كبيرة من المسلمين على الاندماج في المجتمع الألماني، والإسهام بإيجابيَّة في التنمية والاقتصاد؛ ولا نستطيع أن نغفل أهمية وجود نسبة من المسلمين -وإن كانت قليلة- من أصحاب الكفاءات العلمية والخبرات المهنية التي تساهم في الأنشطة المجتمعية والتطوعية أيضاً. ومع كل ذلك، فلا شكَّ أن ما تحقق حتى الآن -برغم أنه ربما يُعَدُّ الأفضل على مستوى أوروبا، بل أفضل كثيراً من الصورة النمطية التي يتداولها الإعلام- دون المستوى المطلوب أو المرغوب فيه، سواء من الحكومة الألمانية أو المسلمين أنفسهم.

ولكن السبب لا يعود بالطبع إلى الحجاب أو النقاب، ولا إلى القضايا الشكلية الأخرى التي يحاول بعضهم إثارتها، وربما استغلالها، مثل قضية لباس الإناث في المدارس أو المسابح؛ فعدد المنقَّبات في ألمانيا قليل جداً، ولا يكاد يُذكَر عندما يتعلق الأمر بالخدمة والعمل، ولكن المشكلة تكمن في نقص البرامج الحكومية المتنوِّعة من جهة، وفي الوقت نفسه عزوف بعض المسلمين عن الانخراط في برامج الاندماج وسلبيتهم فيما يتعلق بالعمل العام، من جهة أخرى. فبرنامج الاندماج، الذي يهدف في الأساس إلى تأهيل المقيمين -مسلمين وغير مسلمين- للعمل مهمٌّ؛ ولكنه لا يفي وحده بالغرض؛ حيث لا يوجد هناك برامج، أو حتى تشجيع لمبادرات مجتمعية مشتركة.

وبرغم تمتع المسلمين وغيرهم من أتباع الديانات الأخرى بكامل الحرية في ممارسة شعائرهم الدينية؛ فلا تزال هناك بعض القضايا المهمَّة، التي لم تُحسَم بعدُ مثل قضية الذبح الحلال؛ وكذلك منح عطل رسمية للمسلمين في أعيادهم أسوة بالمسيحيين، وبرغم أن المؤسسات الحكومية، بما فيها المدارس والشركات الخاصة، تتسامح في هذا الأمر، فإنه لم يُقنَّن بعد؛ وهذا فضلاً عن التقصير في مجال التوعية المجتمعية، خاصة فيما يتعلق بقضايا التنوع الثقافي؛ فلا بدَّ من تأكيد أن الاندماج لا يعني بالضرورة التخلِّي عن القيم والخصوصية الثقافية. وفي المقابل هناك تقصير واضح من بعض المسلمين الذين لا يزالون رهينة أفكار بالية أو تعاليم موروثة لا تمت للدين بصلة».

كما لا نستطيع أن نتجاهل السلوكيات غير المقبولة من بعض المسلمين، بما فيها مخالفة القوانين، وأحياناً بشكل صارخ؛ كما يلعب بعض من يتصدَّرون الشأن العام، وأحياناً الشأن الديني -وهم قلة- دوراً سلبياً في صدِّ المسلمين عن التفاعل مع محيطهم، أو مع المبادرات التي تخدم قضية الاندماج والتصرُّف كمسلمين ألمان، وفقاً لتعاليم الإسلام وقِيَمه العظيمة.

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات