دعم التميز والإنجاز.. جائزة أبوظبي نموذجاً

  • 9 فبراير 2012

لا شك في أن ما شهدته دولة الإمارات العربية المتحدة من تطور ونهضة في مختلف المجالات خلال السنوات الماضية، ولا تزال تشهده حتى اليوم، يمثل قصة نجاح مبهرة، يقف خلفها العديد من العوامل المهمة، التي يأتي في مقدمتها دور القيادة الرشيدة الواعية بمتطلبات تحقيق هذا النجاح، وعلى رأسها الإيمان المطلق بأهمية الاستثمار في البشر؛ لأنهم يمثلون أداة التنمية وهدفها. في هذا السياق يمكن فهم سبب تعدد المبادرات والجوائز التي تمنحها الدولة وقيادتها الرشيدة لدعم قيم التميز والإنجاز في مختلف المجالات، والتي تهدف بالأساس إلى تشجيع المواطنين على بذل مزيد من الجهد والعطاء في خدمة وطننا الغالي، والحفاظ على رفعته وتقدمه. ومن بين هذه الجوائز المهمة، "جائزة أبوظبي"، التي تنظم كل عامين برعاية الفريق أول سمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، وتُمنح للأشخاص الذين أسهموا بأعمالهم الخيرة في خدمة المجتمع، وقدموا أعمالاً وخدمات جليلة لإمارة أبوظبي.

وتتميز "جائزة أبوظبي" عن بقية الجوائز التي تمنحها الدولة في شتى القطاعات والمجالات الحيوية في المجتمع، بعدة ميزات، أولها أنها تركز في تكريمها على "الإنسان" مهما كانت طبيعة العمل الذي يقوم به، ومن ثم فهي جائزة إنسانية بالدرجة الأولى، وهي تساهم في رفع درجة الوعي بالقيم الإنسانية والاجتماعية، وبالتالي في تشجيع الآخرين على القيام بمساهمات مماثلة سواء على المستوى المحلي أو على المستوى الدولي، بغض النظر عن أعمارهم أو جنسياتهم، ويشمل ذلك المواطنين والمقيمين في إمارة أبوظبي من أصحاب الأعمال الخيرة التي عادت بالنفع على الإمارة.

وثانيها أنها جائزة خاصة بالعاملين في "صمت" بعيداً عن أضواء الإعلام وبهرجته وصخبه، لكنهم قريبون من عامة الناس في حراكهم اليومي بفضل ما يقومون به من أعمال جليلة رغم صمتهم وعدم إدلائهم بأي تصريحات للإعلان عن هذه الأعمال، التي يظل لها صدى لدى المعنيين بها لفترات طويلة قد تمتد لعقود من الزمن.
 
وتتمثل الميزة الثالثة لهذه الجائزة في حقيقة أن المجتمع بكل أطيافه هو من يقوم بترشيح الفائزين بها، وليس اللجان المختلفة كشأن الجوائز الأخرى؛ فاللجنة هنا دورها تنظيمي، أما الحكم القيمي فهو للناس عامة، وهم الذين يختارون مستحقي هذه الجائزة الفريدة في نوعيتها.

أما الهدف السامي لهذه الجائزة فيتمثل في رفع قيمة "خدمة المجتمع"، وتعزيز القيم الإنسانية كافة لضمان استدامة كل بذرة خير في مجتمع إمارة أبوظبي. وفي ذلك رؤية واضحة لتشجيع المواطنين والمقيمين في الإمارة على اتباع طرق التواصل ومساعدة الآخرين للوصول بأبوظبي إلى الأفضل، أناساً ومكاناً وعملاً مستداماً في الخير والنماء والعطاء بلا انقطاع. وفي هذا ترسيخ لنهج المغفور له بإذن الله تعالى الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، منذ نشأة الدولة، وطوال حياته العامرة بالجود والعطاء؛ حيث حرص على زرع هذه القيم النبيلة في قلوب أبناء الدولة، إيماناً منه بأن التجرد والإحساس بخدمة المجتمع إنما هي خصال متأصلة داخل كل إنسان.

وقد حرص صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة حفظه الله، على المضي في النهج ذاته واقتفائه بإقرار حكومة أبوظبي لهذه الجائزة التي تكرم الأشخاص الذين يعملون في صمت من أجل بناء مجتمع سليم وخيّر في الإمارة.

ولعل ما يزيد من أهمية هذه الجائزة أنها تصب في جهود الدولة لتحقيق التنمية المستدامة، من خلال دورها في تحفيز المواطنين على العمل والعطاء، وتشجيع الأعمال والمشروعات الخيرية التي توسع دائرة الخير والعمل الإنساني لتعميم الفائدة المجتمعية على كل قاطن على هذه الأرض الخيرة.

ويلحظ المتابع لهذه الجائزة منذ نشأتها في العام 2005 وإلى الآن، كيف استقطبت اهتمام مختلف فئات المجتمع، وهو ما يتضح من تطور حجم مشاركة الناس وترشيحاتهم في هذه الجائزة، ففي العام 2005 أي سنة النشأة بلغ عدد استمارات الترشيح أكثر من 8,000 استمارة ترشيح لشخصيات من مختلف الفئات المجتمعية، وفي سنة 2006 بلغ العدد أكثر من 50,000 استمارة، تم من خلالها ترشيح 3,500 شخص، أي بنسبة زيادة قدرها أكثر من 600٪ عن العام السابق. وفي العام 2007 بلغ عدد الاستمارات أكثر من 34,000 استمارة تم من خلالها ترشيح نحو 9,500 شخص، أي بنسبة زيادة في ترشيح الأشخاص تقارب 250٪ مقارنة بالعام 2006.

وفي عام 2008 تم تسلم أكثر من 42,500 استمارة رشحت أكثر من 10,000 شخص، أما في سنة 2009، فقد تم تسلم أكثر من 31,000 استمارة رشحت أكثر من 16,000 شخصية من مجتمع إمارة أبوظبي، وبنسبة زيادة في عدد الترشيحات قدرها 60٪ مقارنة بالعام 2008. وبلغ إجمالي عدد استمارات الترشيح منذ العام 2005 إلى الآن أكثر من 165,500 استمارة، فيما تجاوز إجمالي عدد الذين تم ترشيحهم 39,000 شخص.
 
وإذا نظرنا إلى جائزة أبوظبي في دورتها الأخيرة لعام 2011 يمكننا ملاحظة مدى عظم هذه الجائزة ونجاحها في الوصول إلى شخصيات مرموقة لم تتوان يوماً عن خدمة هذا الوطن الغالي، فقد كرم الفريق أول سمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، عشر شخصيات من المواطنين والمقيمين، هم: الدكتور جمال سند السويدي، مدير عام مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية، الذي وصفته لجنة الجائزة بأنه رائد ثقافة البحث والدراسات، والسيد عقيدة علي المهيري، الذي وصفته بأنه موسوعة علمية وثقافية واجتماعية، وآلن ساينت هيلير، الذي وثق مظاهر تطوّر الدولة بالكاميرا، والطبيبة الدكتورة مها تيسير بركات، والدكتور تيسير أتراك، وهو طبيب متخصص في طب الأطفال وناشط في الأعمال التطوعية، والسيد سالم راشد المهندي الذي يمثل نموذجاً مشرقاً للإنسانية من خلال أعماله الخيرية، والسيد عبدالله محمد الهاشمي، والمرحوم الشيخ أحمد بن عبدالعزيز بن حمد المبارك، والسيد سلطان الظاهري الذي كرس حياته للعطاء ودعم التعليم، والطفل الهندي العبقري ابن السنوات العشر عبد المقيت عبد المنان.

ويلاحظ على هذه القائمة من الشخصيات الفائزة بالجائزة أنها تمثل طيفاً واسعاً من مختلف الأعمال الخيرة والأعمار والخلفيات الثقافية، فمن بينها شخصيات عملت في القطاع الطبي وتخطت أعمالها حدود الواجب، وأخرى جعلت من حب البيئة شعاراً لها، ونشرت محبتها في ربوع المجتمع، وأخرى عملت لتوثيق ماضي أبوظبي، فتركت كنوزاً لا تقدر بثمن لأجيال الحاضر والمستقبل، وآخرون كانت سعادتهم في رسم البسمة على شفاه المحتاجين وطلبة العلم، وشخصيات أسهمت في إرساء أركان القضاء الشرعي وترسيخ العلم والدين، وغيرهم ممن عملوا على مد جسور الثقافة، فكانوا عنواناً مشرقاً لجهودهم في خدمة مجتمع إمارة أبوظبي، كما شملت الجائزة هذا العام أصغر وأكبر مكرّمين في تاريخ الجائزة، ما يعكس المعاني النبيلة التي تدعو لها جائزة أبوظبي، ويؤكد على أن عمل الخير ليس له حدود أو عمر محدد.

ولقد أكد سمو الشيخ محمد بن زايد في حفل تكريم هذه الكوكبة من الشخصيات الفائزة أن "جائزة أبوظبي هي تخليد وتجسيد للإرث الكبير الذي غرسه فينا الفقيد الوالد المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان طيب الله ثراه، والذي يسير على نهجه ومبادئه صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة حفظه الله من أجل إعلاء شأن القيم الإنسانية النبيلة، التي تُعدُّ ركيزة أساسية في بناء المجتمعات وتماسكها وحيويتها"، وقال سموه "نحن بتكريم هذه الشخصيات نكرّم فيهم القيم الأصيلة والمبادئ السامية التي عُرف بها مجتمع الإمارات، والتي لا تزال متأصلة في نفوس كثير ممن يعيشون في هذا الوطن، وهم يستحقون منا كل شكر وعرفان وتقدير وإشادة؛ لما كرّسوه من وقت وعمل وجهد عاد بالنفع والفائدة على مجتمع الإمارات".

وإذا كانت جائزة أبوظبي لها أهمية خاصة في تشجيع المواطنين والمقيمين على العمل وبذل مزيد من الجهود، فإنها لا تُعدُّ المبادرة الوحيدة؛ فدعم القيادة الرشيدة لقيم التميز والعطاء متنوع ويمتد لمختلف القطاعات والفئات، ومن بين الجوائز الأخرى ذات الأهمية في هذا الصدد، على سبيل المثال لا الحصر، جائزة الشيخ زايد للكتاب، التي تأسست في عام 2006 بهدف تعظيم ثقافة النشر والبحث العلمي، وقد أكد صاحب السمو رئيس الدولة حفظه الله، أهمية هذه الجائزة قائلاً: "إن الكتاب هو وعاء العلم والحضارة والثقافة والمعرفة والآداب والفنون، والأمم لا تقاس بثرواتها المادية وحدها، وإنما تقاس بأصالتها الحضارية والكتاب هو أساس هذه الأصالة…". وهناك أيضاً جائزة خليفة التربوية، والتي تهدف إلى الارتقاء بالعمل التربوي في الدولة والوطن العربي من خلال تحفيز وتشجيع المتميزين والمبدعين من العاملين في المجال التعليمي التربوي.

ومن الجوائز المهمة أيضاً، "جائزة زايد لطاقة المستقبل"، التي أعلن عنها سمو ولي عهد أبوظبي خلال "القمة العالمية لطاقة المستقبل 2008"، ترسيخاً لمبادئ الالتزام بالتنمية المستدامة والمسؤولية البيئية التي أرساها المغفور له الشيخ زايد رحمه الله. والهدف منها تشجيع الجيل التالي من المبتكرين العالميين في مجال الطاقة على إيجاد حلول مستقبلية مبتكرة قد تبدو اليوم ضرباً من الخيال.

وإذا كان هذا الانجاز والتحفيز يتم على المستوى المحلي، فإن الحكومة الاتحادية ليست بمنأى عن هذا النهج. وبناء عليه أطلق صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، في 23 يونيو 2009، جائزة الإمارات للأداء الحكومي المتميز، لتكون من أهم جوائز التميز المدرجة ضمن برنامج الشيخ خليفة للتميز الحكومي؛ وذلك بهدف نشر الوعي بمبادئ التميز وأهميته للحكومات الحديثة، وتنمية القدرات اللازمة لدفع عجلة التميز في جميع مؤسسات الحكومة الاتحادية.

هذه المبادرات وغيرها من جانب قيادتنا الرشيدة تدل بشكل واضح على حرصها على تشجيع المواطنين والمقيمين على هذه الأرض الطيبة من أجل بذل المزيد من الجهد والعطاء للحفاظ على الإنجازات التي تحققت، والمساهمة في رفعة الدولة وتقدمها. وهذه الرؤية الحكيمة تفسر جانباً مهماً من جوانب تقدم هذا المجتمع، وترسخ ثقتنا بأن المستقبل سيكون أكثر رخاء وتطوراً.

Share