دستور «مدني» في تركيا.. معركة أردوغان المقبلة مع المعارضة

  • 15 فبراير 2021

أعلن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في الأول من فبراير الجاري، وبشكل مفاجئ، عزمه إعداد دستور جديد للبلاد، معلّلًا هذه المبادرة بأن دستور 1982 المعمول به حاليًّا، لا يزال يحمل في جوهره روح الوصاية العسكرية.

يعدّ دستور 1982، المعمول به في تركيا حاليًّا أحد مخرجات الانقلاب العسكري عام 1980، ويصفه رجال القانون والسياسة بأنه كان «عسكرة للدولة والمجتمع»؛ وصاحب دور في ترسيخ مكانة المؤسّسة العسكرية في الحياة السياسية، من خلال تعزيز مهام وسلطات مجلس الأمن القومي، وتعيين رقباء من العسكريين في مختلف وزارات ومؤسّسات الدولة. وقد خضع الدستور لـ 19 تعديلًا حتى آخر تعديل عام 2017، منها 10 تعديلات في عهد حزب العدالة والتنمية قلّصت إلى حد كبير من نفوذ المؤسّسة العسكرية في الحياة السياسية.

وترتكز مبادرة أردوغان لتعديل الدستور على إدراكه وجود رغبة لدى القوى السياسية والمجتمعية كافة، سواء الموالية للحكومة أو المعارضة لها، في دستور جديد «مدني»، يرسخ قيم الديمقراطية بعيدًا عن الوصاية العسكرية، وخاصة أن حزب العدالة والتنمية قد شَكّل عام 2010 «لجنة التوافق الدستوري» من ممثّلي الأحزاب السياسية كافة لوضع دستور جديد، وأقرّت اللجنة البرلمانية 60 مادة فقط منه، ثم توقفت أعمالها في نوفمبر 2013.

ويمكن القول إن ثمّة أهدافًا عدة وراء مبادرة أردوغان في هذا التوقيت الذي تعاني فيه تركيا داخليًّا أزمة اقتصادية وخلافات حادّة مع قوى المعارضة، وخارجيًّا مشكلات متأزمةً مع جوارها الإقليمي والدولي. ومن أبرز هذه الأهداف، العمل على دفع الإدارة الأمريكية إلى تخفيف الضغوط الدولية المفروضة على أنقرة في ملف الديمقراطية وحقوق الإنسان، وإمهاله أردوغان فترة من الوقت للقيام بحركة إصلاح سياسي وقضائي وديمقراطي؛ تستهدف وضع دستور جديد بالتوافق مع قوى الشعب السياسية ومؤسّسات المجتمع المدني. كما يستهدف أردوغان إرباك أحزاب المعارضة، وتبديد «التفاهمات» التي توصّلت إليها بشأن حزمة تعديلات دستورية، في مقدمتها إلغاء النظام الرئاسي والعودة إلى النظام البرلماني، بنسق جديد أطلقوا عليه «النظام البرلماني المعزَّز». ويرنو كذلك إلى رهن أجندة الإصلاحات الاقتصادية والقانونية التي وعد بها الأحزاب السياسية والمجتمع التركي بالانتهاء من صياغة دستور جديد؛ ما يدفع إلى تهدئة حدة انتقادات المعارضة للحكومة.

وبالرغم من وجود اتجاه سياسي في الساحة التركية يُجمع على وجوب صياغة دستور جديد مدني، فإن أحزاب المعارضة لا تتفق مع حزبي العدالة والتنمية وحزب الحركة القومي على المبادئ الأساسية للدستور الجديد المنشود، ومنها رفض النظام الرئاسي والرغبة في العودة إلى النظام البرلماني، وهو ما يرفضه أردوغان حتى الآن. وكذلك عزمه على إلغاء شرط فوز المرشح الرئاسي بنسبة (50 في المئة+1) وجعل الفوز بالأكثرية، وهو ما ترفضه أحزاب المعارضة التي تتعزز كتلتها الناخبة يومًا بعد يوم.
ومن المنتظر أن تمرّ عملية إقرار دستور جديد بخطوات عدة، تبدأ بتقديم الحزب مقترح الدستور إلى اللجنة العليا بالبرلمان، وهو ما يتطلب موافقة ثلث أعضاء البرلمان البالغ (600) عضو، وهي نسبة متوافرة لدى حزب العدالة والتنمية الذي لديه (289) عضوًا. وبعد موافقة اللجنة البرلمانية المختصّة على مقترح الدستور شكليًّا، تكون الخطوة التالية بالتصويت على كل مادة من مواده بشكل منفرد، ثم على الدستور كاملًا. وبحسب المادة 184 من الدستور فإن إقرار الدستور يتطلب موافقة (400) عضو يمثّلون ثلثي أعضاء البرلمان لقبول الدستور دون استفتاء، أو موافقة (367) عضوًا، ثم تقديمه للاستفتاء الشعبي.

والحاصل أن «تحالف الجمهور»، الذي يضم حزب العدالة والتنمية، وحزب الحركة القومي، لديه فقط (337) عضوًا، ومن ثم يحتاج إلى تأييد (30) عضوًا من أحزاب المعارضة.

هذا الوضع يجعل أردوغان مضطرًّا إلى الدخول في تفاهمات وتقديم تنازلات للمعارضة، قد يكون منها العودة إلى النظام البرلماني من أجل ضمان التوافق على مواد الدستور الجديد، والحصول على التأييد الشعبي اللازم في الاستفتاء الدستوري، في حال إقرار مشروع الدستور في البرلمان.

Share