"درع الجزيرة": قوة فعالة لأمن الخليج

  • 13 يونيو 2011

في الأسبوع الثالث من شهر مارس 2011، أصدرت القيادة الوطنية في مملكة البحرين نداءً غير مسبوق طلبت فيه من الدول الأعضاء في مجلس التعاون لدول الخليج العربية نشر جزء من قواتها الأمنية في البحرين، وذلك بهدف المساعدة على مواجهة الاضطرابات الداخلية التي شهدتها البلاد، والتي كان واضحاً أن ثمّة قوة إقليمية عملت على إثارتها.

وجاءت استجابة العديد من حكومات دول مجلس التعاون سريعة، مع تأكيد حقيقة أن تحركاتها كانت مشروعة ومنسجمة مع السبب الأساسي لوجود قوة "درع الجزيرة" التي أُنشئت خلال الحرب العراقية- الإيرانية بين عامي 1980-1988 (وقد أودعت وثائق إنشاء درع الجزيرة لدى الأمم المتحدة).

كما استند طلب البحرين واستجابة الدول الأعضاء في مجلس التعاون إلى حق الدفاع الشرعي عن النفس الذي نصت عليه المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة، وإلى الأعراف الدولية المتعلقة بالحق المشروع للدولة القومية في الحفاظ على كيانها وسيادتها. ومن المفترض أن هاتين الحقيقتين اللتين تؤكدان مشروعية ما قامت به البحرين وشقيقاتها من دول مجلس التعاون من البديهيات، ولكن المؤسف أن العديد من المراقبين لم يروا ذلك.

لقد افتقد كثير من التعليقات الخارجية بشأن مشاركة "درع الجزيرة" في الأزمة البحرينية إلى فهم سبب تشكيل هذه القوة والغرض منها وطبيعة وحجم إنجازاتها قبل استخدامها مؤخراً في حالة البحرين. فقد كان الهدف الأساسي لقادة الدول الست عند اتفاقهم على تأسيس هذه القوة هو المساعدة على منع انتقال الصراع بين إيران والعراق إلى أي من الدول الأعضاء في مجلس التعاون الخليجي. ولهذه الغاية ركزوا على تحديد الموقع المناسب لتمركز هذه القوات. وبما أن الكويت كانت الأكثر عرضة لاحتمال مهاجمتها من جانب إيران عن طريق البر، فقد قرر قادة دول المجلس وضع قوات "درع الجزيرة" في شمال المملكة العربية السعودية على مسافة قريبة من الحدود السعودية-الكويتية في منطقة حفر الباطن.

ومنذ لحظة تأسيس قوات "درع الجزيرة" وحتى دخولها حالة من الكمون النسبي بعد نهاية الحرب الإيرانية- العراقية، وصولاً إلى تفعيل دورها مؤخراً، كانت هذه القوات، من حيث فكرتها والوحدات التي تساهم بها القوات المسلحة في الدول الأعضاء بالمجلس فيها من حين لآخر، مرتبطة بالهدف الاستراتيجي لمجلس التعاون لدول الخليج العربية المتمثل في تعزيز قدرات الردع والدفاع لدى الدول الأعضاء بغرض ضمان أمنها واستقرارها.

وفي هذا السياق، ومن واقع تطورها على مدى ربع القرن الماضي، أعطت قوات "درع الجزيرة" مصداقية لسياسة الدول الأعضاء بمجلس التعاون المعتمَدة منذ أمد طويل بشأن اعتبار أي هجوم على أيٍّ منها هجوماً عليها جميعاً. وعلى هذا فإن تفكير الدول الأعضاء انصب منذ البداية على أنه إذا طلبت واحدة أو أكثر منها المساعدة من الدول الأعضاء الأخرى، كما هي الحال في البحرين، أو من واحدة أو أكثر من الدول غير الأعضاء في مجلس التعاون الخليجي، كما حدث في الماضي، فإن الاستجابة يجب أن تكون سريعة وأكثر مصداقية. وتجاهُل هذه الخلفية التاريخية في تعليقات وسائل الإعلام الدولية على نشر قوات "درع الجزيرة" في البحرين لا يخدم أي هدف نبيل.

ولا ينبغي النظر إلى ما حدث في حالة البحرين من دون دراسة الفعالية الاستراتيجية التي أثبتتها قوات "درع الجزيرة" في مرتين سابقتين. في المرة الأولى، ساعد وجود "درع الجزيرة" على تمهيد الطريق لتحرك دولي هائل ومنسق في الدفاع عن دول المجلس خلال الحرب العراقية- الإيرانية؛ حيث عمل التحالف المكون من 27 بلداً بشكل وثيق مع المؤسسات المعنية بالدفاع في دول مجلس التعاون ونجح في الدفاع عن دول المجلس خلال هذه المرحلة الحرجة.

لا يختلف اثنان على أن قوات "درع الجزيرة" كانت واحداً من العوامل التي ساعدت على التعجيل بوضع نهاية للحرب بين إيران والعراق. فقد ساهم وجود هذه القوات، إلى جانب حَزْم الأمانة العامة لمجلس التعاون وقادة دول المجلس الست ووزراء خارجيتها، في تحقيق نجاح استراتيجي مزدوج لم تحقق مثله أية مجموعة عربية أخرى؛ حيث ساعدت دول مجلس التعاون في تسهيل قبول إيران والعراق لقرار وقف إطلاق النار الصادر عن مجلس الأمن الدولي، وأزالت بذلك ما كان يشكل تهديداً أمنياً كبيراً لمخزون النفط الهائل في منطقة الخليج، الذي كان حينها، كما هو اليوم، حيوياً للرفاه المادي لمعظم الإنسانية.

كما نجحت دول مجلس التعاون، في الوقت ذاته، وبالتعاون مع الدول الصديقة والحليفة، في تحقيق إنجاز آخر مماثل للإنجاز الأول فيما يتعلق بالمساهمة في الحفاظ على الأمن والاستقرار في المنطقة، تمثل في نجاح الدول الأعضاء بالمجلس وشركائهم الدوليين في منع امتداد الثورة الإيرانية إلى دول المجلس.

إن الروح الجماعية والمصالح المشتركة التي تجسدت في تشكيل قوات "درع الجزيرة"، والمساهمات المالية والجيوسياسية التي قدمتها دول مجلس التعاون، بهدف إنهاء الصراع في المنطقة، إلى جانب مساهماتها في مجال الطاقة، لم تكن إنجازات وليدة اللحظة، فدول مجلس التعاون الست لم تخرج من الحرب العراقية- الإيرانية مُحافظة على أمنها واستقرارها وأنظمتها الملكية فحسب، بل أصبح مشروعها للتعاون الإقليمي أقوى وأشد تماسكاً بكثير مما كان عليه قبل بدء الصراع.

في المرة الثانية، وبناءً على النجاح الذي تحقق في المرة الأولى، تحالفت 28 دولة مع دول مجلس التعاون الست في الفترة 1990-1991 لصد العدوان العراقي على الكويت. ومع ذلك، فقد كان الإحساس في تلك المرة بضرورة وجود استراتيجية دفاع موحدة لجميع دول مجلس التعاون أكثر جدية عن ذي قبل، وكان استمرار قوات "درع الجزيرة" وتطويرها عنصراً مركزياً في تلك الاستراتيجية. وفي حقيقة الأمر فإن التعاون الدفاعي السابق الذي حدث أثناء الحرب الإيرانية- العراقية بين دول مجلس التعاون، من جهة، وحلفائها من القوى العظمى والأعضاء الدائمين بمجلس الأمن الدولي، من جهة أخرى، قد ازداد تطوراً وعمقاً.

هذا النجاح الثاني الذي حققته دول مجلس التعاون الخليجي لا يقل أهمية من حيث طبيعة الإنجازات الجيوسياسية وعددها. فعلى سبيل المثال، نجحت دول المجلس في حشد تأييد معظم دول العالم إلى جانب موقفها؛ حيث وقفت معظم الدول الخمس عشرة الأعضاء في مجلس الأمن الدولي، ومعظم دول منظمة الوحدة الإفريقية، ودول منظمة المؤتمر الإسلامي، مع دول مجلس التعاون ودعمت جهودها لاستعادة سيادة دولة الكويت، الدولة العضو في المجلس، واستقلالها السياسي وسلامة أراضيها. ومن بين الدول الأعضاء بجامعة الدول العربية البالغ عددها 22 دولة، استطاع قادة دول المجلس إقناع ست دول – جيبوتي ومصر ولبنان والصومال والمغرب وسورية – بضم أصواتها لدول مجلس التعاون، فنتج عن ذلك تحالف أكثرية مكون من 12 دولة عضو بجامعة الدول العربية داعمة لجهود استعادة الأمن والسلام للشعب الكويتي.

في أعقاب النجاح الثاني الذي حققته دول مجلس التعاون بالاعتماد على قوات "درع الجزيرة" وكبار شركائها الأجانب في مجال الدفاع، قامت دول المجلس بجهد مشترك لتقييم الدروس المستفادة من تلك التجربة. كما عملت على استكشاف إمكانيات البناء على ما حققته من نجاح. ولبلوغ تلك الغاية، وافقت الدول الأعضاء على دراسة مقترح عُماني لزيادة قدرات الدفاع والردع التي يمتلكها مجلس التعاون. وقد رأت عُمان أن يتم زيادة حجم درع الجزيرة من حده الأقصى البالغ 22,000 جندي إلى نحو 100,000 جندي؛ وهو رقم يقترب من حجم فرقة في الحرس الجمهوري العراقي.

وفي نهاية الأمر، اختارت أغلبية حكومات دول مجلس التعاون فكرة عدم زيادة عدد القوات التابعة لقيادة درع الجزيرة. وقد كان واقع القيود الديمغرافية في هذه الدول، كما ارتأت، غير مواتٍ لأي توسع كبير في حجم قوات "درع الجزيرة" ودورها في المستقبل المنظور. وعزز هذا المنطق أن كثيرين كانوا يرون أنه إذا قُدّر لهذا المقترح أن يتحقق، فليس من المرجح فقط أن يتعذر النجاح لفترة طويلة، بل يكاد يكون من المؤكد أيضاً أن الجهد نفسه سيؤخر تحقيق الهدف الأكبر المنشود؛ وهو: تعزيز القوات  المسلحة الوطنية في كل دولة من دول المجلس وتوسيعها.

ويعتقد أعضاء مجلس التعاون أن المسار الأكثر حكمة ومعقولية للعمل في الوقت الحاضر هو السعي نحو تحقيق هدف أكثر تواضعاً واعتدالاً، يتمثل في مواصلة العمل من أجل زيادة فعالية المؤسسات الدفاعية الوطنية الخاصة بالدول الأعضاء بالمجلس. وعندما يتحقق هذا الهدف، ستكون الدول الأعضاء، حسب الرأي الغالب، في وضع أفضل لكي تنظر في توسيع مهام قوات "درع الجزيرة" وأدوارها وعدد قواتها.

لهذه الأسباب، وكذلك لإدراك دول المجلس أن الغرض الأصلي الذي أنشئت من أجله قوات "درع الجزيرة" قد تحقق، قامت بعض دول مجلس التعاون، تباعاً، بإعادة وحداتها العسكرية المخصصة لقوات "درع الجزيرة" إلى أوطانها. وفي أثناء هذه العملية، حرص قادة دول المجلس على تأكيد أن الوحدات العسكرية التي أُعيدت إلى أوطانها ستظل ملتزمة بالتجاوب مع المسؤوليات الأمنية والدفاعية الخاصة بدول مجلس التعاون عند الحاجة إلى ذلك. وبهذه الطريقة، لم تُحلَّ قوات "درع الجزيرة" رسمياً، إنما تم تفكيك وحداتها. ومع ذلك، فإن المبادئ الاستراتيجية والمفاهيم المنطقية التي قام عليها تشكيل هذه القوات واستخداماتها ما زالت كما هي، نظرياً واستراتيجياً، إن لم يكن عملياتياً.

وفي ضوء ذلك، فإن هدف الدفاع الذاتي الاستراتيجي الذي يقف وراء تأسيس قوات "درع الجزيرة"، وكذلك الأحكام والشروط الخاصة باستدعائها على أساس الحاجة، كما حدث مؤخراً في حالة البحرين، يمكن فهمها على نحو أفضل. وما ينبغي أن يكون أكثر وضوحاً أيضاً هو أن تفويض "درع الجزيرة" ما زال على ما كان عليه منذ البداية، وهو: تقديم المساعدة عندما وحيثما تستدعي الضرورة، بناءً على طلب حكومة واحدة أو أكثر من حكومات دول مجلس التعاون، من أجل حماية أو استعادة أمن الدولة العضو واستقرارها.

Share