داوود أوغلو ومستقبل حزب «المستقبل»

  • 26 ديسمبر 2020

باستقالته من حزب العدالة والتنمية، وتأسيسه حزب «المستقبل» في 12 ديسمبر 2019، يكون أحمد داوود أوغلو قد كشف عن ضعف يتمدد في جسد الحزب الحاكم، وكسر حاجز الخوف لدى عدد من قيادات سياسية ترقبت هذه الفرصة لتؤسس أحزابًا جديدة.

منذ تأسيس حزب المستقبل وحتى الآن؛ أي خلال عام واحد فقط، أُسِّس ثلاثة وعشرون حزبًا جديدًا في تركيا، يمثلون تقريبًا ربع عدد الأحزاب البالغ تسعة وتسعين حزبًا. وبالرغم من اعتياد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، إقصاء أقرب داعميه عن العمل السياسي بمجرد مخالفته الرأي معه، بدايةً من الرئيس التركي السابق عبدالله غول، وانتهاء بكبير مستشاريه بولنت أرينتش، ومقابلتهم ذلك بالصمت والانعزال، فإن إقصاء داوود أوغلو عن العمل السياسي تحت مظلة الحزب كان له تَبِعات مختلفة لأردوغان، ومزعجة.

داوود أوغلو، أستاذ أكاديمي في العلوم السياسية، وصاحب مدرسة علمية تبلورت في تأسيسه «وقف العلوم والفنون» في عام 1986، وأفرز قيادات سياسية، أصبح لها أدوار مهمة فيما بعد في حكومات حزب العدالة والتنمية, وله العديد من المؤلفات أبرزها؛ كتاب «تركيا.. العمق الاستراتيجي» الذي ألّفه قبل تأسيس حزب العدالة والتنمية بثلاث سنوات؛ في عام 1999، وأصبح بعد ذلك «دستورًا» للسياسة الخارجية التركية الجديدة في عهد أردوغان.

لم يدخل داوود أوغلو الحياة الحزبية، ولم يمارس العمل السياسي العامّ إلا بعد دعوة أردوغان إليه ليتولى منصب كبير مستشاريه للشؤون الخارجية في عام 2003، ثم وزيرًا للخارجية في عام 2009، ثم رئيسًا للوزراء ورئيسًا لحزب العدالة والتنمية من عام 2014 إلى عام 2016، بعد انتخاب أردوغان رئيسًا للجمهورية واضطراره للتخلي عن رئاسة الحزب وفقًا للدستور آنذاك. هذا التاريخ من العمل المشترك، وخبرة داوود أوغلو بأسرار وبواطن سياسات أردوغان الخارجية والداخلية، جعلت من استقالته في سبتمبر 2019، وتأسيسه حزبًا جديدًا بعد ثلاثة أشهر فقط، مصدر تهديدات قوي لحزب العدالة والتنمية ورئيسه أردوغان.

ومنذ إقصاء داوود أوغلو عن رئاسة الوزراء عام 2016، ثم عن مواقع الحزب تدريجيًّا بسبب اعتراضه على تحول النظام السياسي التركي من برلماني إلى رئاسي، بدأ أردوغان حربًا ضد أوغلو ازدادت ضراوتها تدريجيًّا، بداية من التلويح بدعمه لتنظيم «فتح الله غولن» الذي تصنّفه تركيا تنظيمًا إرهابيًّا، وانتهاء بفرض الحراسة القضائية على جامعة «إسطنبول شهير» التي أسّسها داوود أوغلو في عام 2009، وأصبحت مصدرًا لتخريج القيادات السياسية على أيدي الأكاديميّين الموالين له.

وخلال الأسابيع الأخيرة، رفع داوود أوغلو من حدة انتقاداته للحزب الحاكم وزعيمه أردوغان؛ حيث وصفه بخيانة الدولة بعد بيع تركيا 10 في المئة من بورصة إسطنبول إلى قطر، وكذلك بسبب فشل السياسات الاقتصادية. إلا أن أقوى هذه الانتقادات كان اتهامه أردوغان بأنه لم يعد الحاكم الفعلي لتركيا والمدبر لسياساتها، وأنه استسلم تمامًا لوصاية حليفه في السلطة، دولت بهتشلي، زعيم حزب الحركة القومي.
بهتشلي الذي تحالف مع أردوغان منذ الانتخابات الرئاسية والعامّة في عام 2018، يقود تيارًا قوميًّا متطرفًا يدعو إلى انصراف تركيا عن توجهها الغربي، وخروجها من حلف «الناتو»، والتخلّي عن السعي إلى نيل عضوية الاتحاد الأوروبي. وفي مقابل ذلك تتجه شرقًا في تحالفاتها السياسية مع روسيا والصين ودول آسيا الوسطى والقوقاز.

وتتجسّد أبرز مواقف داوود أوغلو في إعلان رفضه ذلك التحالف بين أردوغان وبهتشلي، وانتقاد سياسات الحزب الحاكم الداخلية والخارجية، والدعوة إلى عودة النظام البرلماني، وتكثيف زياراته لرؤساء أحزاب المعارضة للتوافق على خطوط معارضة رئيسية؛ تمهيدًا للدخول في تحالف انتخابي معها في أول انتخابات مقبلة.

ولا يخشى أردوغان منافسة حزب «المستقبل» له على السلطة؛ إذ لم يتخطَّ عدد أعضاء الحزب إلى الآن خمسة عشر ألف عضو، مقابل أحد عشر عضوًا لحزب العدالة والتنمية. إنّ جُلّ ما يخشاه هو كشف داوود أوغلو أسرارًا تضرّ به وبحزبه قانونيًّا أو شعبيًّا؛ وهو ما يرجح تصدّي أردوغان له، ومحاولة إقصائه من الساحة السياسية إما بالتهديد، أو بتلفيق التهم له.

Share