خيط رفيع بين الودّ والعداء في العراق

  • 17 يناير 2003

تعكس الأدبيات والتصريحات قناعة الإدارة الأمريكية بأن "تجربة" العراق ستثمر إما إصلاحا أو تطرفا في الشرق الأوسط. ومن هذا المنطلق لفت الانتباه خلال الأيام الأخيرة تقارير إعلامية تتحدث عن أن مشاركة مقاتلات "إف-16" في ملاحقة منفذي الهجمات ضد قوات التحالف تحول المشاعر ضد الأمريكيين في العراق، حيث كان إسقاط بعض القنابل بالخطأ قرب منازل سكينة في الفالوجة مثالا بارزا على كيفية خسارة "معركة القلوب" وإثارة سخط العراقيين، بدلا من كسبهم وجعلهم مصدري دعم لجهود قوات التحالف في مواجهة العناصر المخربة، خصوصا أن نشوة الإطاحة بصدام قد خفّت إلى حد ما وبات تركيز العراقيين ينصب على الوضع الأمني والاجتماعي والاقتصادي، ما يعني بالتبعية أن ملاحقة العناصر التخريبية باتت مسألة بالغة الحساسية وتتطلب عمليات "مشرطية" أو بالأحرى "جراحات عسكرية" نوعية تركز على الهدف بدقة، ولا تعتمد في تكتيكاتها وخططها على معلومات غير دقيقة خشية إثارة حفيظة المدنيين وتكرار أحداث القتل الخطأ التي لعبت دورا ما في تلاشي أجواء الترحيب العراقي الحار التي ترافقت مع سقوط نظام صدام حسين.

والمؤكد إذاً أن "معركة القلوب" باتت لاعبا رئيسيا في تحديد بوصلة اتجاهات العراقيين نحو الدور الأمريكي، ولذا ينبغي الحذر من انتهاج سياسات "العقاب الجماعي" لسكان المناطق التي يشك في أنها تؤوي منفذي الهجمات ضد القوات الأمريكية، فالخوف كل الخوف أن يلعب البعض على وتر المقارنة بين سلوكيات قوات التحالف في العراق والممارسات الإسرائيلية ضد الفلسطينيين وهو ربط قسري يمكن أن توظفه التنظيمات المتطرفة لتأليب العراقيين ضد قوات التحالف، حيث يؤكد المحللون والخبراء أن سوء الإدراك والاتصال بين القوات الأمريكية والعراقيين يلعب دورا رئيسيا في تدهور الأجواء الأمنية بالعراق.

وكسب "معركة القلوب" يعتمد أيضا على عدم "التهوين من كرامة وكبرياء شعب ما مهما كانت درجة ضعفة وقلة حيلته" كما يقول المحلل الأمريكي توماس فريدمان، وإذا كان الحسم العسكري وسقوط نظام صدام وتماثيله قد أنهى المعارك إلى حد كبير، وإذا كان اعتقال معظم رموز النظام بمنزلة تأكيد عملي لانهيار النظام السابق، فإن كسب الحرب لن يتأتى إلا بعد أن يثبت الجميع نجاحهم في بلورة صيغة حكم سياسية وأنماط تعامل تتلاءم مع حضارة هذا البلد العريق.

 

شارك

الفعاليات المقبلة

إصدارات