خيارات دمشق بعد تشكيل "المجلس الوطني السوري"

  • 17 أكتوبر 2011

ستنظر دمشق حتماً بكثير من الاهتمام والقلق إلى الحادث الدبلوماسي الكبير المتمثل بكشف "مخطط" لاغتيال السفير السعودي في واشنطن عادل الجبير. وهي تدرك حتماً أن نفي طهران للإعلان الأمريكي ووصفه بأنه "لعبة صبيانية" لا يقلل من فداحته ولا من تداعياته على الإقليم برمته، وليس على الجمهورية الإسلامية وحدها.

لم تكن دمشق تتوقع، في ظل المأزق الذي تعانيه هذه الأيام، أن تتكشف حقائق خطيرة كهذه تضع حليفها الرئيسي والوحيد في المنطقة مجدداً في عين العاصفة. ولو اقتصر الأمر على سجال أمريكي- إيراني واتهامات متبادلة لربما هان الأمر بعض الشيء، لكن المسألة تتعلق بالمملكة العربية السعودية أصلاً وأساساً، ما يعرقل أي محاولة للتقارب بين الرياض وطهران، ويرفع منسوب الخصام بين البلدين لدرجة ربما تصل إلى حد العداء. وهو تطور استثنائي يدفع إلى استقطاب قوي، خليجي وعربي، تفهم دمشق جيداً أنه لن يقتصر على الموقف من سلوك "فيلق القدس" المخطط لعملية الاغتيال في واشنطن، بل ينسحب على الحليف "الممانع" في أدق ظرف يعانيه النظام السوري في تاريخه.

كانت دمشق، قبل هذا الحادث الأخير، تتطلع بثقة إلى قدرة نظامها على الصمود وتخطي الأزمة المستمرة منذ سبعة شهور. فهي نجحت في منع صدور بيان إدانة من مجلس الأمن. وبرهنت أن لديها حلفاءً كباراً بين القوى العظمى تستطيع الاعتماد عليهم. فالفيتو الروسي والصيني ثابت في معادلة مجلس الأمن لتجنيب النظام السوري كأس أي قرار يفتح الباب للتدخل الدولي، ويضعه على الطريق الذي وضع فيه نظام الجماهيرية الليبية، وأودى بسلطة العقيد القذافي ولجانه الثورية، وسمح بانتصار "المجلس الوطني الانتقالي الليبي".

وما تزال دمشق تعتقد أن ما تشهده الساحة السورية من احتجاجات شعبية أمر مختلف عما شهدته كل من مصر وتونس وليبيا من احتجاجات أطاحت بأنظمة هذه الدول. فلا المحتّجون استطاعوا التمسك بساحة للاعتصام، ولا الانفراد بمدينة يتمركزون فيها للانطلاق لإسقاط مركز القرار. وهي، أي السلطة، تمكّنت بفعل العنف من تقطيع أوصال مدن الاحتجاج وتحويلها إلى مربعات مملوءة بالخوف والمغامرة بالحياة، بقدر ما هي مساحة للتعبير عن الرغبة في الحرية والاعتراض.

إنها سلسلة "إنجازات" استطاع النظام السوري تحقيقها، ولو أن الحصيلة البشرية كانت باهظة، ولو أن صورة السلطة باتت مشوهة ومهتزة وشرعيتها مطروحة على بساط البحث في كل مكان.

رغم ذلك، لم يخف وزير الخارجية السوري وليد المعلم قلقه من تشكيل "المجلس الوطني السوري". فهدد كل دولة تعترف به بإجراءات رادعة ومعاملة بالمثل، فيما تصاعدت لهجة الانتقاد السورية للأتراك كونهم احتضنوا ولادة المجلس، ويلوحون بعقوبات مؤلمة تعلم سورية أن أخطر ما فيها هو السماح للمعارضة بالتحرك على شريطها الحدودي الطويل مع تركيا.

لا تعبّر تصريحات الاطمئنان الشديد التي يطلقها النظام عن قرب تجاوز "المحنة"، ومن بينها استقبالات الرئيس السوري لشخصيات لبنانية حليفة بمقابلات مطولة، عن الوضع الحقيقي الذي يعانيه النظام السوري. فرغم نجاحه مؤقتاً من الخروج من دائرة الإدانة من مجلس الأمن، وسيطرته العسكرية في المواجهات مع المنشقين أو المحتجين، وإخراجه مئات الآلاف ليتظاهروا في ساحة "السبع بحرات" في دمشق تأييداً للرئيس الأسد، فإن النظام يشعر بتضييق الخناق عليه خلافاً لما كان يأمل به من تخفيف للضغط ناجم عمّا يسميّه "واقعية سياسية" تدفع إلى التعامل بـــ "براغمانية" مع موازين القوى.

وباستثناء زيارة الدعم التي أتت من وزراء خارجية عدد من دول أمريكا اللاتينية وعلى رأسهم الوزير الكوبي، فإن الدبلوماسية السورية لم تستطع تسجيل أي نقطة إضافية تعبر عن تثمير للفيتو الروسي- الصيني. فالدول الأوروبية أقرت عقوبات إضافية، والولايات المتحدة صعّدت لهجتها، ورئيس وزراء تركيا رجب طيب أردوغان عبَّر بكلمات ملؤها الاستياء والغضب من النظام، وفقدان الثقة فيه، والتصميم على منع استمرار المقتلة في سورية.

أما الإشارة الكبرى والخطيرة فأتت من طرابلس الغرب؛ حيث أعلن "المجلس الوطني الانتقالي" الليبي اعترافه الكامل بـ"المجلس الوطني السوري"، وقام بإغلاق السفارة السورية في العاصمة الليبية. وهو بالطبع ليس مجرد رد فعل انتقامي على تضامن الأسد مع القذافي، ولا ثأراً من بعض القنوات السورية المفتوحة لسيف الإسلام ورسائل العقيد المسجلة، بل هو بداية خطوات دولية وعربية كانت تحتاج إلى من يبدؤها. وليس أنسب من الحكم الليبي الجديد ليرد الجميل إلى كل من ساندوه في تحرير بلاده في مسألة لها مبرراتها السياسية والأخلاقية.

كانت دمشق تتوقع بالتأكيد أن يستقبل الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي ممثلي "المجلس الوطني السوري"، وأن يرحب الاتحاد الأوروبي بتشكيل المجلس وتوحيد المعارضة السورية. لكنها شعرت حتماً بضيق الصدر لرؤية مسؤولين عرب يعتبرون إعلان "المجلس الوطني" خطوة مهمة مطالبين النظام بمد اليد للتفاوض معه. كما شعرت بالقلق من التحرك العربي لتضييق الخناق عليها والضغط عليها لوقف كل أعمال العنف والاقتتال، والذي تجسد في قرار مجلس وزراء الخارجية العرب في اجتماعه الطارئ في القاهرة يوم 16 أكتوبر دعوة الحكومة السورية وأطراف المعارضة بجميع أطيافها إلى عقد مؤتمر حوار وطني شامل تحت مظلة الجامعة العربية في القاهرة خلال 15 يوماً، من أجل تحقيق التطلعات المشروعة للشعب السوري والتغيير المنشود، وهو الأمر الذي تحفظت عليه سورية، مؤكدة أنها قادرة على إدارة شؤونها وأمنها.

إزاء كل ما تقدم لا يبدو أن دمشق تمتلك رؤية جديدة للتعاطي مع الأحداث. فما كان يقوله مسؤولوها بعد شهر من انتفاضة السوريين هو نفسه ما يرددونه اليوم بعد سقوط أكثر من ثلاثة آلاف قتيل. وما وعدوا به على مدى الأسابيع الأولى من الانتفاضة ما يزال وعداً ولو تغيّرت أشكال التعبير. أما القبضة الأمنية فإنها لا تزال هي الأسلوب الأكثر وضوحاً في إدارة الأزمة، فيما تتواصل التظاهرات بتصميم أكبر وتشتد العقوبات وتتماسك قوى المعارضة أكثر فأكثر في ظل مجلس وطني وليد يسعى لتطوير أدائه ليصبح أكثر إقناعاً في نظر كل المتعاطفين مع تطلعات الشعب السوري. 

إنه الحائط المسدود. فلا النظام مهيأ لمد اليد للمعارضين للتفاوض كون ذلك سيؤدي إلى تنازلات مآلها نهاية النظام. ولا المعارضون مستعدون لنسيان آلاف القتلى والجرحى والمعتقلين ومطالبتهم بالحرية والمشاركة والعودة إلى منازلهم في انتظار ظرف سياسي يسمح بحراك سلمي… هي المواجهة إذن باتت مفروضة على الجميع. فكيف إذا كانت تتجمع في أفق المنطقة عوامل نزاع استراتيجي يرى فيها المحور الغربي مناسبة لكسر هلال "الممانعة" من حلقته السورية، فيما يرى المحور "الممانع" أنها معركته الفاصلة في مواجهة "المتآمرين"؟

Share