خيارات بايدن فيما يتعلق بالاتفاق النووي مع إيران

  • 3 فبراير 2021

هناك الكثير من التساؤلات حول خيارات الرئيس الأمريكي الجديد جو بايدن في التعامل مع ملف إيران النووي، الذي يمثل منذ سنوات عديدة عقدة كبيرة في العلاقات بين واشنطن وطهران، فكيف سيتعامل بايدن مع هذا الملف الشائك؟ وما مدى استعداد الطرفين لتقديم تنازلات متبادلة من أجل عودة واشنطن إلى الاتفاق النووي وقيام طهران بالتزاماتها بموجب الاتفاق؟
يُعدُّ ملف إيران النووي من أعقد الملفات التي تواجه إدارة الرئيس الأمريكي الجديد جو بايدن بعد 4 سنوات من الضغوط القصوى والعقوبات المتواصلة التي فرضها الرئيس السابق دونالد ترامب منذ توليه الرئاسة في يناير 2017، وانسحب خلالها من الاتفاق النووي في مايو عام 2018، وشملت هذه العقوبات أشخاصًا وكيانات داعمة للنظام في تحايله على العقوبات الأمريكية، وتكمن الخطورة في أن الوقت اللازم لوصول إيران إلى الحد الأدنى البالغ 90 في المئة من اليورانيوم المخصب المستخدم في صناعة قنبلة نووية ينخفض مع البدء في تخصيب اليورانيوم بنسبة 20 في المئة.

وبجانب ملف إيران النووي الشائك، فإن هناك ملفات أخرى ترتبط به، على رأسها برنامج طهران الصاروخي وتمددها في المنطقة، خصوصًا في العراق واليمن وسوريا وزعزعتها لاستقرار دول المنطقة، وباتت تشكل معضلات صعبة الحل بالتزامن مع تبنّي النظام تطوير قدراته العسكرية وقوته على الردع، وبلغ حد استباق الحرس الثوري والجيش، انتخابات الرئاسة الأمريكية وإعلان نتائجها بإجراء مناورات عسكرية ضخمة بهدف الضغط على الإدارة الأمريكية الجديدة، وأزاحت الستار خلالها عن أسلحة وتكتيكات جديدة منها صواريخ متطورة.

كان الرئيس الأمريكي جو بايدن الذي تولى الرئاسة الأمريكية في 20 يناير2021، قد أعلن أثناء حملته الانتخابية عزمه التخلي عن سياسة الرئيس السابق دونالد ترامب المتشددة تجاه إيران مؤكدًا عودة الولايات المتحدة إلى الاتفاق النووي إذا عادت إيران إلى الالتزام الصارم بهذا الاتفاق باعتباره نقطة بداية لمفاوضات، معلنًا رفع العقوبات التي فرضها ترامب، بَيدَ أن تنفيذ هذا القرار قد يصطدم بعدة عراقيل ومعوقات داخلية وخارجية، في حين استبَقَت إيران تولي بايدن الرئاسة بإرسال رسائل ضغط وتهديد، منها إقرار البرلمان ومجلس صيانة الدستور قانون «المبادرة الاستراتيجية لإلغاء العقوبات» الملزم للحكومة في 2 ديسمبر 2020، ويتضمن المزيد من خفض التزامات إيران بالاتفاق النووي، وإنتاج وتخزين ما لا يقل عن 120 كجم من اليورانيوم بنسبة تخصيب 20 في المئة، وإعادة تصميم وتحسين مفاعل أراك للماء الثقيل بقدرة 40 ميجاوات وغيرها من البنود.

بيد أن الرسائل الإيرانية لأمريكا تتسم في مجملها بالتباين، فلم تقتصر على التهديد فقط، إذ بعثت طهران برسائل مختلفة للولايات المتحدة مفادها، التجاوب مع الرسائل الإيجابية، فقد أعلن محمد جواد ظريف وزير خارجية إيران أن عودة أمريكا وإيران إلى التطبيق الكامل يمكن أن تتم بشكل أتوماتيكي، ولا تحتاج إلى مفاوضات، وفي المقابل فقد اختار الرئيس بايدن «روب مالي» المسؤول السابق في إدارة باراك أوباما ورئيس مجموعة الأزمات الدولية وخبير التفاوض بشأن القيود، مبعوثًا إلى إيران وهو ما يعزز فرضية استمرار الإدارة الجديدة على السياسة نفسها لإدارة الرئيس الأسبق باراك أوباما، مع وجود متغيرات فرضتها تداعيات سياسية عديدة تتعلق بالداخل الإيراني وأيضًا على مستوى المنطقة والعالم، وهو ما يُرجِّح أن يكون هناك تعاون أمريكي–أوروبي مشترك بشأن ملف إيران النووي خلافًا لتعامل إدارة ترامب.

وقد تشكل الأطراف الإقليمية، ممثلة غالبًا في إسرائيل ودول الخليج العربية التي تطالب بالمشاركة في أي مفاوضات مباشرة بين طهران وواشنطن، عائقًا مرحليًّا أمام توجه بايدن نحو إلغاء سريع للعقوبات على إيران التي تؤكد على لسان مسؤوليها، وكان آخرهم أبو الفضل عمويي المتحدث باسم لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية، عدم أحقية السعودية في المشاركة، رافضًا مطالبة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مشاركة السعودية. ومن ثم فقد تتوافق الأطراف الإقليمية مع إدارة بايدن على آلية من شأنها فتح مسارات تفاوضية منفصلة مع إيران، من ضمنها التوصل إلى تفاهمات حول ملفات وقضايا إقليمية قد تصل إلى مستوى التهدئة مع إسرائيل.

قد تشكل الأوضاع السياسية الداخلية والصراع بين الأصوليين والإصلاحيين في إيران أحد دوافع إدارة بايدن لتخفيف العقوبات «جزئيًّا» لمنح حكومة الرئيس حسن روحاني المحسوبة على التيار الإصلاحي والمعتدل مزايا لتحقيق انفراجة اقتصادية تعزز فرص أي مرشح إصلاحي محتمل في الفوز بانتخابات الرئاسة المقبلة في 18 يونيو 2021 والحيلولة دون فوز مرشح أصولي متشدد التي يخطط لها النظام في إطار هندسته للحياة السياسية التي بدأت بانتخابات البرلمان في 21 فبراير 2020، إلا أن تطلعات واشنطن قد تصطدم بمساعي البرلمان الإيراني لتعديل قانون انتخابات الرئاسة لإقصاء شخصيات سياسية إصلاحية نافذة في الحكومة الحالية في مقدمتها وزير الخارجية الإيرانية «محمد جواد ظريف» ووزير الاتصالات محمود آذري جهرمي.

ويمكن تفسير تصريحات وزير الخارجية الأمريكي «أنتوني بلينكن» التي ربط فيها عودة واشنطن إلى الاتفاق النووي بعودة طهران إلى الوفاء بالتزاماتها التي تراجعت عنها وتأكيده أن الأمر سيستغرق وقتًا طويلًا بجانب تحليق قاذفة من طراز (بي-52) فوق منطقة الخليج العربي يوم الأربعاء الماضي للمرة الأولى في عهد بايدن، بأنه نوع من الضغط الأمريكي على إيران لكي تبدي مزيدًا من المرونة وتحسين أجواء التفاوض ومن ثم لا يعني ذلك سير بايدن على سياسة ترامب نفسها.

خلاصة القول إن ملف عودة بايدن إلى الاتفاق النووي من عدمه، يظل مفتوحًا أمام احتمالات وسيناريوهات مختلفة، قد يكون منها استمرار الوضع الحالي ومن ثم استمرار العقوبات لفترة ربما تقترب من موعد عقد انتخابات الرئاسة الإيرانية المقبلة، إلا أن هذا قد يعزز فرص مرشح أصولي متشدد وهو ما تخشاه أمريكا والغرب، وقد تتجه إدارة بايدن إلى سيناريو العودة الجزئية والمرحلية للاتفاق النووي مقابل تراجع إيران عن إجراءاتها النووية «التصعيدية»، ثم تتم مناقشة الملفات الأخرى، وهو السيناريو الأرجح، ويرجح أن يحظى هذا السيناريو بدعم أوروبي واسع.

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات