خيارات العرب في مواجهة إيران.. وبعض المطلوب منهم

  • 19 يونيو 2019

مع إصرار إيران على مواصلة سلوكها العدواني وعدم الاستجابة للدعوات المتكررة للحوار؛ ومع تزايد القلق العالمي من تهديدها للملاحة البحرية في الخليج العربي؛ فإن الحاجة ماسة جداً ليس فقط إلى موقف دولي حازم، وإنما إلى موقف عربي موقف موحد، بل واستراتيجية واقعية للتعامل مع هذا الخطر، على نحو يضمن الاستقرار في المنطقة، ويجنبها أزمات جديدة.. كيف؟
مشكلة العرب عموماً، ودول الخليج العربية على وجه الخصوص مع إيران ليست جديدة؛ فهي قديمة، وشئنا أم أبينا، لها جذور تاريخية؛ وبغض النظر عن هذه الجذور التي خَلقت جواً عاماً من عدم الثقة على مدار قرون وليس عقود، فقد كان للثورة الإسلامية (1979) دورها في تأجيج الخلافات بين الإيرانيين وجيرانهم العرب. فبينما كانت الدول العربية تدعم تطلعات الشعب الإيراني؛ كان النظام الجديد يهدد بتصدير الثورة، ويتخذ خطوات عملية في هذا السياق؛ مستغلاً حالة الاضطراب والخلافات العربية-العربية التي تمثل سِمة عامة في التاريخ العربي المعاصر؛ ما سمح له بإيجاد مواطئ -وليس موطئ- قدم راسخة في بعض البلدان العربية؛ فشكّل ذلك تهديداً مزدوجاً للأمن القومي العربي؛ وقد أدى تجاهل هذا الأمر إلى التكيف معه والقبول به وكأنه أمر واقع؛ بينما واصلت إيران سياستها الرامية إلى مد النفوذ، مستفيدة هذه المرة من أحداث ما سُمي «الربيع العربي»؛ حتى أصبحت طهران بالفعل المستفيد الأول مما جرى، وهي تتمدد بأذرعها كالأخطبوط، ليس فقط داخل أطر السياسة، وإنما أيضاً في النسيج الاجتماعي لبعض الدول العربية؛ وها هي الآن تمتلك النفوذ الأقوى في عدد من الدول العربية.
ورغم وضوح هذا النفوذ على أرض الواقع وشعور الجميع بخطورته، فما زال العرب فعلياً من دون استراتيجية واضحة للتعامل معه؛ وما يقومون به يندرج بصراحة ضمن سياسة الفعل وردة الفعل، فكلما حدث أمر أو تطور (بالطبع خطير)، تداعت المطالبات بتبني موقف عربي موحد؛ ولا يبخل العرب في هذا المجال؛ فعادة ما يعلنون عن إدانة إيران ورفض تدخلاتها السافرة، ويؤكدون تضامنهم مع الدول المتضررة من ذلك؛ ولكن كلّ ذلك لم يُجدِ نفعاً، وذلك ببساطة لأنه لا يقع ضمن استراتيجية محددة الوسائل والأهداف. والمقصود هنا ليس بيانات ولا تصريحات ولا زيارات تضامن؛ وإنما خطة متكاملة للتعامل مع هذا الخطر ومع تهديدات الأمن القومي العربي الأخرى، سواء تلك المتعلقة بخطر الإرهاب والتطرف أو الخطر الإسرائيلي؛ وكلاهما يستفيد من هذا الواقع، ويعيش على التوتر، ويعمل على تنفيذ أجنداته بهدوء؛ مستغلاً الانشغال في المواجهة المفتوحة مع إيران من دون حدود أو حسم.
نقول الاستراتيجية، وليس مواقف أو بيانات؛ لأن الاستراتيجية تعني أن يتفق العرب على ما هو مطلوب من إيران بشكل محدد، إذا ما أرادت أن تكون دولة مقبولة ومندمجة في محيطها العربي؛ ويتمحور هذا الآن حول عدم التدخل في شؤون الدول الداخلية، والكفّ عن دعم الميليشيات المسلحة أو جماعات المعارضة المحلية؛ ولكن هذا لا يكفي، فمثل هذه الأهداف تتطلب وسائل من أجل تنفيذها؛ وبالتالي فلا بد من إجراءات فاعلة، تبدأ مثلاً من المقاطعة الجزئية، وبشكل تدريجي، وحتى تصبح شاملة؛ ومن ثم تشكيل قوات عربية مشتركة هدفها حفظ أمن الخليج العربي تحديداً -بالطبع ليس بعيداً عن الحلفاء (الغربيين)- ولكن دون الاعتماد كلياً عليهم. وإذا كان العرب يشعرون -كما يتردد دائماً- بأنهم يملكون الموارد لذلك؛ فما ينقصهم إذاً وبشكل واضح توظيف هذه الموارد؛ وربما الأهم، ليس تنحية الخلافات الثنائية أو الجمعية فقط؛ بل تسويتها بشكل جذري؛ فمن دون تماسك الصف العربي وقَبله الخليجي، لن تنجح أي خطة لمواجهة إيران، ولا حتى الأخطار الأخرى التي تهدد الجميع من دون استثناء. ولو استعرضنا النجاحات العربية في مواجهة التحديات في إطار تاريخي نجِد أنها كانت في أغلب الأحيان مرتبطة بمدى قوة الروابط العربية ومتانتها؛ فكلما كانت هذه الروابط قوية كانت هناك نتائج إيجابية، وكلما سادت الفرقة والاختلاف تعمّق الفشل، بينما يتسلل الدخلاء من أجل مزيد من المكاسب، التي دائماً ما تكون على حساب مصالح العرب وأمنهم القومي.
إذاً، هناك حاجة إلى استراتيجية عربية موحدة، إذا لم يكن قبل، فلتكن بالتزامن مع المطالبة بموقف دولي من التدخل الإيراني؛ فمثل هذا التدخل لا تحكمه سوى مصالح مَن يقوم به، وليس مصالح المنطقة أو شعوبها.

شارك

الفعاليات المقبلة

إصدارات