خيارات إسرائيل في الرد على أزمة الغاز مع مصر

  • 3 مايو 2012

في تطور لافت للنظر ومفاجئ، أبلغت شركة الغاز المصرية (EGAS)، في الثاني والعشرين من أبريل/نيسان 2012، شركة شرق المتوسط للغاز (EMG)، التي تزود إسرائيل بالغاز المصري، بأنها ألغت اتفاق تصدير الغاز الطبيعي إلى إسرائيل، بسبب ما قالت الشركة المصرية إنه عدم التزام من الشركة الأمريكية- الإسرائيلية المستوردة بشروط التعاقد، الأمر الذي أثار كثيراً من الجدل بشأن أبعاد هذه الخطوة وأسبابها وتداعياتها المحتملة على العلاقات المصرية- الإسرائيلية، وخيارات إسرائيل للرد عليه.

وكانت مصر قد بدأت تصدير الغاز الطبيعي لإسرائيل في ربيع عام 2008، بموجب عقد أبرم في عام 2005، مع شركة شرق المتوسط للغاز EMG. وينص هذا العقد على تزويد شركة الكهرباء الإسرائيلية بنحو 1.7 مليار متر مكعب من الغاز المصري سنوياً، لمدة 15 عاماً، مع وجود خيار لخمس سنوات أخرى، بقيمة 2.5 مليار دولار. وقد تعرض هذا الاتفاق منذ توقيعه لانتقادات شديدة بسبب الثمن المنخفض للغاز المصدر لإسرائيل، والذي يقل عن السعر الدولي، بل يرى البعض أنه أقل من سعر التكلفة، وهو ما تسبب في خسارة جسيمة للاقتصاد المصري، في الوقت الذي تحتاج فيه مصر نفسها إلى الغاز الطبيعي، وتضطر إلى شرائه من الخارج، وبسعر أعلى من السعر الذي تبيع به غازها لإسرائيل.

على الصعيد الإسرائيلي، كانت الصفقة مريحة تماماً، وتسد حاجة ماسة لها من الطاقة منخفضة التكلفة، حيث شكل الغاز المصري نحو43% من مجمل الغاز المستهلك في إسرائيل، التي اعتمدت على هذا الغاز في إنتاج نحو 40% من الكهرباء. وقد نجح النظام المصري السابق في تطويق الإشكالات الهامشية التي كانت تظهر بين حين وآخر بشأن هذه الصفقة. لكن هناك مشكلات كبيرة راحت تتدحرج إثر اندلاع الثورة المصرية على نظام مبارك، كان من بينها تصاعد الأصوات الداعية إلى التوقف عن بيع الغاز لإسرائيل، وتعرُّض أنبوب نقل الغاز في سيناء إلى 14 عملية تفجير متعمّدة. وقد تسببت هذه التفجيرات في بروز خلافات بين الطرفين بشأن الأضرار التي سببتها، حتى إن هناك مطالب للشركات المساهمة في شركة EMG للحصول على تعويض من مصر بقيمة 8 مليارات دولار، طبقاً لشروط الاتفاقية، بسبب "عدم تأمين استثماراتها"، جراء التفجيرات.

ويُفهم من تصريحات مسؤولين مصريين أن قرار إلغاء صفقة الغاز تمّ لأسباب تجارية بحتة، تتمثل في عدم التزام شركة EMG بدفع المستحقات المالية طبقاً للعقد (تبلغ حسب تقارير صحفية نحو 100 مليون دولار)، على الرغم من أنه تم إخطار هذه الشركة خمس مرات، وكانت آخر فرصة للسداد في نهاية آذار/مارس الماضي، وكنتيجة لذلك اعتُبر العقد مفسوخاً تلقائياً، قبل التبليغ بإلغائه. ورغم ذلك، فإنه من المتعذر فصل الاقتصادي عن السياسي، والتجاري عن الاستراتيجي في هذه الصفقة؛ لأسباب تتعلق بأهمية الغاز المصري لإسرائيل، وخاصة في هذه المرحلة بالذات، ريثما تستخرج إسرائيل الغاز من الحقول التي اكتشفتها في شواطئ البحر المتوسط.

ويشكّل توقف الغاز المصري ضربة اقتصادية مؤلمة جداً لإسرائيل، تضعها أمام خيارات صعبة لتوفير بدائل للطاقة، ومن ذلك مثلاً الانتقال إلى استخدام النفط والفحم في شركة كهرباء إسرائيل، الأمر الذي أدى إلى رفع تكاليف إنتاج الكهرباء، وبالتالي إلى رفع سعرها بنحو 25%، وما يرتبط بهذا من تداعيات، كما تعرّضت شركة EMG لصعوبات بالغة، لدرجة عدم مقدرتها على صرف المدفوعات المستحقة لأصحاب سندات الديون.

ولمواجهة المأزق الجديد، اعتمدت إسرائيل جملة من الإجراءات التي يتداخل فيها المسعى الإسعافي مع الخطط المستقبلية؛ حيث قررت وقف الاعتماد على شركة EMG، مزوّد الغاز الرئيس لشركة الكهرباء، والانتقال إلى الاستخدام المتزايد للغاز الذي يُستخرج من مكامن "يم- تيطس" الإسرائيلية، مقابل شواطئ عسقلان، وتعويض النقص باستخدام النفط والفحم أيضاً. ولكنّ تبيّن أن لهذا الإجراء تكلفة باهظة، حيث يحتاج تشغيل محطات الكهرباء إلى نحو 10 مليارات شيكل (نحو 3 مليارات دولار)، فضلاً عن الأضرار البيئية الناجمة عن استخدام شركة الكهرباء السولار والبنزين بدلاً من الغاز، الأمر الذي سيضاعف من مشكلة قطاع الكهرباء، والذي يمرّ حالياً بأسوأ فتراته منذ قيام الدولة، وسط تأكيدات بأن البلاد قد تشهد انقطاعاً طويلاً نسبياً للكهرباء خلال هذا الصيف، وهو ما قد يضطر شركة الكهرباء إلى تجنيد أموال جديدة ستزيد ديونها لأكثر من 70 مليار شيكل، وتنفيذ موجة إقالات للعمال قد تزيد عن ألفي عامل.

وفي سياق الردود الداخلية، جرى التركيز على ضرورة استقلال إسرائيل من ناحية الطاقة، والاهتمام بالطاقة البديلة، ووجوب مضاعفة الجهود لتقديم موعد ضخ الغاز الإسرائيلي المستخرج من الحقول المكتشفة في البحر المتوسط، والذي كان مقرراً في ربيع 2013، ليصبح هذا الغاز متاحاً قبل نهاية العام الجاري (2012).

وحسب التقديرات الإسرائيلية، يبلغ إجمالي الموارد المتوفرة حالياً بحوزة إسرائيل من الغاز الطبيعي نحو 760 مليار متر مكعب. ويبيّن التقرير المرحلي الجديد للجنة الوزارية برئاسة مدير عام وزارة الطاقة والمياه، شاؤول تسيمح، الذي قُدِّم مؤخراً إلى رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو، أن حجم الاكتشافات الحالية للغاز الطبيعي لدى إسرائيل سترفع كميته ليبلغ نحو 1400 مليار متر مكعب. ومن أصل هذه الكمية سيتم تأمين نحو 400 مليار متر مكعب من الغاز لصالح احتياجات الاقتصاد المحلي حتى نهاية عام 2017، وسيتم تصدير الغاز بعد ذلك. وأقرت اللجنة في توصياتها بأنه منذ بداية عام 2018 يجب تخصيص نصف إنتاج كل حقل غاز كبير للسوق الإسرائيلية، للحد من غلاء الكهرباء.

وعلى صعيد رد الفعل تجاه القرار المصري، تشمل الخيارات الإسرائيلية نمطين مترابطين من المواقف، الأول مالي/اقتصادي، والثاني سياسي/استراتيجي. وفي مفصل مهم لهذين النمطين، ترى شركة EMG أن إلغاء الاتفاق خطوة غير قانونية، وأنه يجب على الحكومة المصرية أن تتراجع عنه، وإلا سوف يلجأ المساهمون في الشركة إلى القضاء والتحكيم الدولي. كما ينوي هؤلاء المساهمون التوجه إلى المحافل السياسية والحزبية والاقتصادية الإسرائيلية للمطالبة بفرض رسوم جمركية على البضائع التي تنتج في مصر رداً على إلغاء اتفاق الغاز مع إسرائيل.

وعند هذه النقطة يتداخل التجاري مع السياسي؛ فعلى الرغم من الصدمة وحالة الغضب التي انتابت إسرائيل جرّاء إلغاء اتفاق تزويدها بالغاز المصري، فقد سارعت إلى معالجة الأزمة وفق منظور تقليص الأضرار. فمثلاً؛ اعتبر رئيس وزرائها نتنياهو أن إلغاء الاتفاق ناتج عن خلافات بين الشركتين الإسرائيلية والمصرية، ولم يكن ناتجاً من موقف سياسي. ومن أجل حقن الإسرائيليين بجرعة من الثقة، أكد نتنياهو أن "مخزون إسرائيل من الغاز يكفيها لتحقيق استقلالها في مجال الطاقة، ليس فقط عن مصر، وإنما عن أي مصدر آخر، وأن هذا المخزون سيحوّل إسرائيل إلى إحدى الدول الكبرى المصدرة للغاز الطبيعي في العالم، وأنها لذلك لا تشعر بأي قلق من إلغاء مصر صفقة الغاز".

بيد أن البُعد السياسي والاستراتيجي حَضَر في العديد من المواقف والتصريحات الإسرائيلية، حيث زار القاهرة (بوساطة أمريكية) المنسق السياسي لوزارة الدفاع عاموس جلعاد، وحاول القيام بتنسيق خطوات التهدئة مع رئيس المخابرات المصرية مراد موافي. وبحث نائب وزير الخارجية داني أيالون الأمر مع السفير المصري لدى إسرائيل ياسر رضا. ومقابل توضيح السفير بأن "حكومة مصر لم تلغِ اتفاق بيع الغاز مع إسرائيل، وأن الحديث يدور عن موضوع اقتصادي وليس سياسياً"، شدد أيالون على أن "إسرائيل تأمل من مصر العمل على حل هذا الخلاف التجاري، كما هو متبع لدى الدول الصديقة المتجاورة، وأنه من أجل الاستقرار الإقليمي من المهم الحفاظ على إقامة علاقات وطيدة بين الدولتين". ودعا أيالون إلى "استئناف ضخ الغاز لإسرائيل، لضمان مواصلة العلاقات الدبلوماسية بين الجانبين".

إلى جانب هذا التصريح، الذي يستبطن مضموناً سياسياً؛ رأى وزير المالية يوفال شتاينتس أن الخطوة المصرية تشكل سابقة خطيرة تهدد معاهدة السلام، التي أُدرج فيها تزويد إسرائيل بالغاز المصري. وتبنّى وزير الخارجية أفيغدور ليبرمان موقفين متوازيين؛ أحدهما، الإعلان عن عدم تحويل النزاع التجاري إلى نزاع دبلوماسي وإبداء "حرص" إسرائيل للمحافظة على معاهدة السلام، والثاني، نقل رسالة إلى نتنياهو حذّره فيها من أن التطورات في مصر أشد خطورة من التهديد النووي الإيراني، داعياً الحكومة إلى اتخاذ قرارات جريئة، وتخصيص الموارد اللازمة للرد على أي سيناريو متطرف في المستقبل، وإعادة التشكيل العسكري الجنوبي السابق(سبع فرق)، بدلاً من فرقة موجودة حالياً، في مواجهة مصر. وفي هذا السياق أوضح تقرير لصحيفة "صنداي تايمز"(بتاريخ 29 أبريل 2012) أن فيالق الجيش الإسرائيلي الجنوبية، التي فُككت بعد معاهدة كامب ديفيد، سيُعاد تشكيلها بثلاث فرق، ضمن تغيير استراتيجي كبير عند الحدود مع مصر. كما اعتبر شاؤول موفاز، زعيم حزب "كديما" ورئيس المعارضة الإسرائيلية، أن إلغاء اتفاق تصدير الغاز لإسرائيل يعدّ تحدياً سافراً من الجانب المصري وانتهاكاً لمعاهدة السلام، وطالب موفاز الولايات المتحدة بالرد على ما جرى لكونها راعية لهذه المعاهدة.

وعموماً، تتخوف إسرائيل من أن يكون إلغاء صفقة الغاز، في ظل صعود التيار الإسلامي إلى سدة الحكم في مصر، بداية سلسلة من التطورات "الجذرية" المستقبلية، التي يمكن أن تحول مصر من أهم شريك استراتيجي لها في المنطقة لتعود العدو الأول المخيف.

عملياً، من المبكر اعتماد هذا السيناريو. ويجدر هنا التوقف عند مؤشر مهم يتمثل في تصريحاتٍ لبعض المسؤولين المصريين تشير إلى استعداد مصر لاستئناف بيع الغاز إلى إسرائيل "بأسعار وبشروط جديدة". وعلى هذا الأساس، فمن المرجَّح أن تكثف إسرائيل مساعيها لحل الأزمة من خلال إدخال تعديلات على عقد تصدير الغاز، مع مواصلة تجنيد الضغوط الأمريكية لهذا الغرض. وقد كشفت صحيفة "هآرتس" (29 أبريل 2012) النقاب عن محادثات سرية تجري بين الجانبين الإسرائيلي والمصري لتجاوز هذا الخلاف، وامتصاص بعض عوامل التوتر بين الطرفين، مع عدم استبعاد احتمال أن يتصاعد التوتر بين الجانبين، ولاسيما إذا استحوذ الإسلاميون على منصب الرئاسة في الانتخابات القادمة.

Share