خطوط فاصلة في‮ ‬المشهد العربي

  • 31 يناير 2011

تثير الاحتجاجات والتظاهرات، التي جرت وتجرى خلال الفترة الأخيرة في أكثر من دولة من دول العالم العربي، العديد من الجوانب المهمّة التي تحتاج إلى الدراسة والتأمّل على مستويات مختلفة. فبالإضافة إلى أنها تعكس الآثار والنتائج الاجتماعية والأمنية السلبيّة التي يمكن أن توجدها المشكلات الاقتصادية والتنموية، وفي مقدّمتها مشكلتا الفقر والبطالة، فإنها كشفت في المقابل عن العديد من الأمور التي يجب أن تكون تحت نظر المؤسسات المعنيّة في العالم العربي وفي اعتبارها، خاصة مؤسسات التنشئة الاجتماعية وتلك المسؤولة عن التثقيف وصناعة التوجّهات والأفكار لدى النشء والشباب، في مقدّمة هذه الأمور ما يحدث من لبس وخلط بين إبداء الرأي والتعبير عن المواقف من خلال آليات إيجابية ومقبولة قانونياً ومجتمعياً والتخريب والتدمير والانفلات وتعريض أمن الشعوب واستقرارها للخطر والإساءة إلى صورة الأوطان على الساحة الدولية.

لقد أفرزت الأحداث الأخيرة في بعض الدول العربية دروساً عدّة، من بينها، بطبيعة الحال، الحاجة إلى فتح قنوات الحوار والاتصال مع الأجيال الجديدة، وسرعة التغلّب على مشكلات البطالة والفقر وتدنّي مستويات المعيشة الذي تعانيه مناطق عدّة في عالمنا العربي، ولكنها أثبتت أيضاً أن هناك حاجة ماسّة إلى التحرّك الجاد والفاعل والسريع من أجل تصحيح بعض المفاهيم المغلوطة لدى شريحة من الجمهور وتوضيح الخط الفاصل بين الاحتجاج السّلمي والتخريب، ففي غياب هذا الخط الضروريّ والحتميّ تتداخل كثير من الاحتجاجات مع مظاهر للاضطراب والتوتر التي يتهدّد في ظلّها أمن المجتمعات وتتعرّض الممتلكات العامة والخاصة فيه إلى الاعتداءات. لا شكّ في أن تأكيد الخطوط الفاصلة مهمّة ممتدّة ومعقّدة وتحتاج إلى مشاركة أكثر من مؤسسة تربوية وتثقيفية وتعاونها، ولذلك فإنها ليست مسؤولية جهة وحيدة بذاتها، وإنما جهات متعدّدة تتكامل جهودها وتتسق تحرّكاتها وبرامجها وتصوّراتها مثل مؤسسات التعليم ووسائل الإعلام والمؤسسات الدينية ومؤسسات المجتمع المدني وغيرها. هناك حاجة إلى العمل بشكل أكبر على تكريس ثقافة سياسية إيجابية لدى الشباب في العالم العربي تقوم على الحوار والوسطية وقبول الرأي الآخر وعدم اللجوء إلى العنف بشتّى أشكاله، وكذلك نبذ التشدّد والتطرّف، وتنطلق من ولاء وانتماء مطلق للأوطان وحرص على المحافظة على مكتسبات الشعوب والوعي بمصادر الخطر التي تهدّدها وتتربّص بها وما يخدم مصالحها الوطنية العليا وما يسيء إليها. إن الاهتمام بالتنشئة الاجتماعية والسياسية السليمة للشباب من قبل المؤسسات المعنيّة في العالم العربي يسهم من دون شكّ في رأب أي ثغرة يمكن لبعض القوى ذات الأجندات الخاصة أن تنفذ منها من أجل التأثير في توجّهاتهم واستغلال حماسهم وتشويه صورتهم وأفكارهم والإساءة إلى تطلّعاتهم ومن ثم تحويلهم أو بعضهم إلى "مخلب" وأدوات لتهديد المجتمعات التي يعيشون فيها والنيل منها والإساءة إليها بدلاً من أن يكونوا قوة بناء وإضافة إيجابية إلى رصيد دولهم في مضمار التنمية.

إضافة إلى ما سبق فإن هناك حاجة إلى مؤسسات اجتماعية فاعلة وقادرة على احتضان الشباب ومحاورتهم واستثمار حماسهم وتوجيه قدراتهم التوجيه الأمثل الذي يمكن من خلاله خدمة أنفسهم وبلادهم والمساهمة في تطوّرها وتقدّمها، فلا شكّ في أن ضعف هذه المؤسسات أو غيابها يعدّ أحد الأسباب المسؤولة عن انفجار موجة الغضب الشبابية في بعض الدول العربية.

Share